السينما المصرية تواجه مأزق انحسار الموسم الصيفي

اهتمام الشباب بكأس أمم أفريقيا وطرح أفلام عيد الأضحى يدفعان إلى خسائر فادحة.
السبت 2019/06/29
فيلم "كازابلانكا" الوحيد الذي اقترب من تغطية تكلفة إنتاجه

تواجه الأفلام المصرية المعروضة منذ بداية عيد الفطر مأزقا إنتاجيا بسبب انحسار الموسم الصيفي، الذي يواجه عزوفا جماهيريا لصالح الاهتمام ببطولة كأس الأمم الأفريقية التي تنظمها مصر وتنتهي في 19 يوليو المقبل، واستمرار ماراثون امتحانات الثانوية العامة حتى الأسبوع الأول من شهر يوليو القادم، في حين أن طرح أفلام جديدة بدور العرض بالتزامن مع عيد الأضحى، مع نهاية الأسبوع الأول من أغسطس، ربما يغطي على ما سبقه من أعمال.

القاهرة – يبدو أن القائمين على إنتاج الأفلام في مصر لم يضعوا في حسبانهم الظروف المحيطة بتوقيت عرض أعمالهم، في ظل الارتكان إلى تقديم أعمال ذات تكلفة إنتاجية مرتفعة لتحقيق أهداف، بعضها يرتبط بتحسين جودة الأعمال المعروضة بعد أعوام من فشل الأفلام التجارية، وبعضها الآخر له علاقة بتقديم رسائل توعوية تستهدف جمهور الشباب الأكثر إقبالا على شباك التذاكر، مثلما هو الحال بالنسبة لفيلم “الممر”، الذي يستعرض مشاهد تاريخية لهزيمة يونيو 1967.

ويتفق العديد من النقاد والمنتجين على أن الأثر السلبي بالغ لأي أحداث كروية عالمية في موسم الصيف على سوق السينما، وهو ما يحصل الآن في مصر التي تنظم بطولة كأس الأمم الأفريقية على أراضيها، حيث أن النسبة الأكبر من رواد دور العرض من الشباب في المرحلة العمرية بين 15 و35 عاما، يشكلون الكتلة الحرجة التي تحدد إيرادات الأفلام، وأن ذلك يدفع العديد من المنتجين إلى تأجيل عرض أعمالهم خوفا من الخسائر الفادحة.

حدث ذلك في موسم عيد الفطر الحالي، بعد أن لجأ منتجو فيلمي “الكنز 2” و“الفيل الأزرق 2”، إلى تأجيلهما لموسم عيد الأضحى، في محاولة لإيجاد متسع من الوقت يعطي فرصة لبقائهما أطول فترة ممكنة، لأنهما من نوعية الأفلام التي تجذب الجمهور، وتستغل قصص التشويق، اعتمادا على الأجزاء المجمعة التي تحاول أن تجد لنفسها مكانا في سوق السينما بعد نجاح أول جزء من كل منهما.

هناك ثلاثة أفلام من إجمالي خمسة يجري عرضها حاليا، ووجد القائمون على إنتاجها مشكلات جمة في تغطية تكلفتها الأساسية، وهي “حملة فرعون” الذي تقترب ميزانيته من 100 مليون جنيه (5.8 مليون دولار)، ولم يحقق إيرادات بعد مرور ثلاثة أسابيع على عرضه سوى 13 مليون جنيه فقط (800 ألف دولار تقريبا).

أزمات إنتاجية

فيلم “الممر” الذي تبلغ تكلفته الإجمالية حوالي 90 مليون جنيه (5 ملايين دولار تقريبا)، وحقق حتى الآن إيرادات بلغت 40 مليون جنيه (2.3 مليون دولار تقريبا)، ونهاية بفيلم “كازابلانكا” وتجاوز إنتاجه حاجز الـ60 مليون جنيه (3.7 مليون دولار)، ويعد الأقرب للوصول إلى تكلفته الأساسية بعد أن حقق إجمالي إيرادات بلغ 55 مليون جنيه (3.2 مليون دولار).

وما يشير إلى أن هناك أزمات إنتاجية تواجه تلك الأعمال أن جهات التسويق والتوزيع المسؤولة عنها تدفع باتجاه التركيز على تصدر كل منها لشباك التذاكر، واشتدت المنافسة على الفيلم صاحب المشاهدة الأكبر خلال اليوم الواحد، في حين أن تلك الأرقام تواجه أزمة ثقة لأنها تصدر بشكل شخصي من منتجي تلك الأعمال وليس من غرفة صناعة السينما التي توقفت قبل سنوات عن نشر الإحصاءات الخاصة بالإيرادات تحت ضغوط شركات الإنتاج.

"علاء الدين" استطاع أن يجذب جمهور السينما في مصر بفعل مشاركة الممثل الكندي المصري الأصل مينا مسعود

ويرى البعض من النقاد أن تلك الأفلام لا تواجه فقط أزمة ترتبط بانحسار موسم الصيف، بل تتعرض أيضا لمنافسة قوية من الفيلم العالمي “علاء الدين”، وهو إعادة لإنتاج الفيلم الكرتوني الشهير في تجربة سينمائية حية، ووصلت إيراداته إلى 724 مليون دولار أميركي في العالم، واستطاع أن يجذب قطاعا واسعا من جمهور السينما المحلي بفعل مشاركة الممثل الكندي المصري الأصل مينا مسعود.

وقالت الناقدة الفنية حنان شومان إن إيرادات الأفلام المصرية بعد مرور حوالي ثلاثة أسابيع من طرحها لا تعبر بدقة عن إجمالي موسم الصيف، الذي يمتد لأكثر من ثلاثة أشهر، وبالتالي فإن منتجي هذه الأعمال ما زالوا في فترة “الأرقام الكاذبة”، ويكمن التحدي الحقيقي في الاستمرارية وتزايد أرقام الإيرادات، ومدى الحفاظ على نسب الجمهور كل أسبوع.

وأضافت لـ“العرب” أن قيمة الأفلام الفنية المعروضة تحسم مسألة الاستمرار من عدمه، وسيكون شهر يوليو مؤشرا على استمرار أي من هذه الأفلام بدور العرض لفترة طويلة أو الاستغناء عنه لصالح الأفلام الجديدة، ويبرهن انخفاض الإقبال على أن الأفلام المعروضة ارتبطت فقط بجمهور الأعياد، وهو موسم يجذب المراهقين وليس جمهور السينما الذي يتابع كل جديد تقدمه.

وأردفت “بالنظر إلى الموسم الحالي، فإن فيلم ‘كازابلانكا’، الذي يتصدر شباك التذاكر قد لا تكون لديه القدرة على الاستمرار لما يحتويه من حركة وأكشن ينجذب إليها جمهور الشباب الحاضر بقوة في الأعياد ويمكن تصنيفه على أنه فيلم العيد، وكذلك فإن ‘الممر’ الذي يتمتع بجودة أكبر واستطاع أن يحقق إيرادات مرتفعة ربما يواجه أزمة ترتبط بسمعة الأفلام الحربية، التي لا تشهد إقبالا طويلا في الأغلب، لكنها تشكل علامة فارقة في تاريخ السينما”.

للكرة السبق

شريف رمزي: تأجيل الأفلام وزيادة مدة العرض يقللان من عمق الأزمة
شريف رمزي: تأجيل الأفلام وزيادة مدة العرض يقللان من عمق الأزمة

تظل الأزمة الشهيرة التي تعرضت لها آسيا داغر، منتجة فيلم “الناصر صلاح الدين” في العام 1963 -أحد أبرز الأفلام في تاريخ السينما المصرية- عالقة في أذهان منتجي الأفلام الحربية، إذ فقدت جميع أموالها واستدانت من هيئة السينما ورهنت عمارتها ووصل الأمر إلى حد حجز أثاث منزلها وشركتها، لأن تكلفة العمل وصلت إلى 200 ألف جنيه وقتها، كأكبر ميزانية مخصصة لفيلم مصري، ولم يلق إقبالا جماهيريا داخل دور العرض.

وأكد هشام عبدالخالق، مؤسس شركة “الماسة” التي شاركت في إنتاج فيلم “الممر”، أن الرهان دائما على تقديم عمل متميز في وقت يتشوّق فيه الجمهور إلى نوعية معينة من الأفلام، لكن ذلك لا يمنع من وجود مفاجآت قد تلقي بظلالها على الفيلم.

وأوضح لـ”العرب”، أن الفيلم واجه بالفعل جملة من المشكلات، منها زيادة مدة عرضه التي تصل إلى ساعتين ونصف الساعة، وتعرض لأزمة في التوزيع تعلقت بالعملية التجارية لصالات العرض التي تفضل الأفلام القصيرة لزيادة عدد الحفلات، وهو ما انعكس على ضعف الإيرادات في الأيام الأولى من عرضه.

ويدرك عبدالخالق طبيعة المجازفة التي أقدم عليها بسبب كثرة الإمكانيات والموافقات الرسمية، لكنه في الوقت نفسه يقول “استطعت أن أحصل على تسهيلات ساعدتني على تقديم العمل بالتنسيق مع القوات المسلحة المصرية، والتي قدمت دعما لوجستيا هائلا، يتمثل في الطائرات والدبابات وملابس الجيش والأسلحة وتصريح بالتصوير في مواقع لم تدخلها كاميرات من قبل وهي مواقع العمليات الحقيقية، ما قلص من ميزانية الإنتاج”.

وأشار الفنان والمنتج شريف رمزي لـ“العرب”، إلى أن القائمين على الأعمال السينمائية يواجهون عزوف الجمهور عن الحفلات المسائية التي تواكب الأحداث الرياضية بجملة من الإجراءات، أهمها البحث عن أدوات تسويقية جديدة للوصول إلى الجمهور المستهدف.

وشدد رمزي على ضرورة عدم اللجوء إلى تزييف أرقام الإيرادات لما تشكله من ضرر مباشر على المنتج مع جهات الرقابة المالية، بجانب زيادة مدة عرض العمل في دور العرض السينمائي، وخلق حالة عامة تجعل الفيلم حاضرا في الأذهان لأطول فترة ممكنة.

13