"السيَّاح" طعام الأسر العراقية في الأزمات

الثلاثاء 2017/04/11
فلكلور من الضروري أن تتعلمه الأجيال

العديد من المجتمعات العربية لها عاداتها القديمة، التي لم تتبدل بالرغم من مضي الآلاف من السنوات عليها. وصارت بسبب ما أحيط بها من حكايات وأمثال فلكلورا من الضروري أن تتعلمه الأجيال، خصوصا في ما يتعلق بنوعية الطعام الذي يقدم لأفرادها، وفي أيام محددة من الأسبوع.

وتشتهر العائلات العربية بتفضيلها لخبز الحنطة (مقشور القمح)، وبعضها يفضل خبز الشعير، أوالمخلوط (الخبز الأسمر). وهناك من يفضل الخبز الأبيض مع مطحون الذرة الصفراء. ففي السعودية يفضل خبز التميس، وفي اليمن خبز التنور المُحمر، وفي الإمارات خبز المخمر، والبلدي في الأردن، والطابون في فلسطين، والملاوي في تونس، والبطبوط في المغرب.

العراقيون في الريف والأهوار والمدن كميسان والبصرة وذي قار والمحافظات الأخرى، لديهم "السيَّاح" الذي توارثوه عن الأجداد. ويعد تناوله في فطور الصباح للكثير من العراقيين مناسبة فرح للعائلة. وسمي بهذا الاسم لأنَّ عجينه السائل يُسَيَح على الصَّاج، وتنثال من مائدته الصباحية رائحة الأرُزّ العنبر الزكيّة، الذي يستخدم دقيقه لعمل السيَّاح.

تذكر أم جبار 55 سنة، لها بسطة لبيع “السيَّاح” مع قيمر العرب والشاي بسوق النهضة وسط بغداد “إعداد السيَّاح يحتاج إلى العناية بمزج الكمية الصحيحة من الماء مع دقيق الرُزّ. والمفروض أن يتم نخل الرُزّ جيدا قبل خلطه بالماء، لأنَّ كلما خشن الدقيق كلما صعب عمل هذا النوع من الخبز. وكلما كبر الصَّاج، فذلك أحسن لتكبير السيَّاح وجعل الواحدة منه تكفي لأكثر من شخص”.

\'السيَّاح\' شاع عمله في بيوت العراقيين، لسهولة وسرعة إعداده، ويسمى أيضا بـ\'طعام الأزمات\' فهو لا يتطلب التخمير لفترة طويلة كخبز الحنطة

ويقول سلام يعقوب متخصّص بالتراث (65 سنة) لـ“العرب” “السيَّاح هو خبز أجداد العراقيين من سومريين وأكديين، ومعظم الحضارات التي قامت على ضفتي دجلة والفرات وأهوار الجنوب عرفت هذا النوع من الطعام واستطابت طعمه، وكذلك المجموعات البشرية التي استقرت في المكان اعتادت أيضا على عادات أهل وادي الرافدين في الطعام والشراب”.

ويضيف يعقوب “وقد شاع عمله في بيوت العراقيين، لسهولة وسرعة إعداده، ويسمى أيضا بـ’طعام الأزمات’ فهو لا يتطلب التخمير لفترة طويلة كخبز الحنطة، ولا يحتاج وقودا كثيرا وفرنا خاصا. وتكفي دقائق قليلة لإعداده على نار قليلة من القصب فوق صّاج خاص به، ويقدم ساخنا. ويفضل أكله مع ‘قيمر العرب’؛ القشطة المعمولة من حليب الجاموس أو البيض المقلي أو السمك المشوي”.

وتقول السيدة أم تيسير (50 عاما)، ربة بيت، لـ“العرب” “أستيقظ صباحا لكي أحضر لأفراد أسرتي فطورهم الذي يتكون من السيَّاح وعجة البيض مع السلطة. أعد لهم السيَّاح مرة في الأسبوع لأنَّهم يحبونه ويفرحون به. وقد تعلمت إعداده من والدتي، كانت تقصُّ علينا قصصا عن الأجداد الذين كانوا يتناولون السيَّاح في فطورهم”.

وتوضح أم تيسير عمل السيَّاح فتقول “أخلط كوبين من دقيق رُزّ العنبر مع كوبين ونصف الكوب من الماء مع القليل من الملح، وأترك الخليط لمدة خمس دقائق ليستقر. وفي هذه الأثناء يكون الصَّاج فوق النار. أنا أستخدم الطبخ العادي لأن من الصعوبة إعداد السيَّاح كما كان يعده الأجداد، فهم كانوا ينضجونه على نار القصب. ولكل زمن وسائله. وتصلح مشواة الصَّاج المحدبة كما يمكن استخدام مشواة ‘التيفال’ الحديثة”.

ويوضح الباحث في علوم التغذية جاسم رسن أصل هذا الطعام لـ”العرب” أنَّ السيَّاح ابتكار غذائي خاص بالسومريين، وهذا ما أكده للعالم الباحث الفرنسي جان بوتيرو في كتابه الشهير”نصوص عن مطبخ وادي النهرين”، ذكر فيه العديد من الطبخات السومرية والأكدية والأشورية ومن بينها خبز السيَّاح.

ومن الواضح، ومما توفر في الرقيمات الطينية التي عثر عليها على ضفاف النهرين والأهوار من معلومات وشواهد أشار إليها الكاتب نصَّت على أنَو السومريين كانوا يتغذون على خبز الأرُزّ، كما يفعل أهل هذا الزمان مع خبز الحنطة.

ويستطرد رسن “ويبدو أنهم اختاروا خبز الأرُزّ وفضلوه على دقيق الحنطة لسرعة إعداده على النار، ولما تميز به من صفات اقتصادية، لتوفره وسهولة زراعته نظرا لوجود مياه النهرين، وتوفر الأرض الخصبة، وما له من فوائد صحية عديدة لمن يتناوله. فقد وجدوا بالتجربة أنَّه علاج لأوجاع البطن، وبعد الآلاف من السنوات عرف الطب الحديث أنَّ هذا الطعام يعالج أنواعا من الفطريات والديدان التي تستقر في الجهاز الهضمي، وله فوائد صحية وقائية كثيرة، منها أنَّه يمنع حصول فقر الدم”.

21