الشائع

الأربعاء 2014/11/05

نتحدث عن الأخطاء الشائعة، في الأقوال والسلوكات، وهذا يضعنا في مواجهة العادات التي يُراهَن عليها. وللناس استهواء بالشائع، ولا بدّ أنه مرتبط أشدّ الارتباط بالتقليد الذي يغلّب الذاكرة الجمعية بطابعها الأبوي على ما هو فردي مختلف، لا بل إنه يستشرف بنا مجتمعا يعرّف بمجموعة ضخمة من القيم المتوارثة المراقبة والمعاقبة، في وضعيات مختلفة تحول دون ظهور النقد، أو ما يخرج عن الدائرة المرسومة.

بين النقد والشائع تدور رحى حرب خفية وعلنية مرئيا ولا مرئيا، والدليل على ذلك؛ أنه في مجتمعاتنا التي نعيش على أعرافها ونمارس ما يدخل في نطاق الواجبات حسب قيمها، من الصعب -إن لم يكن مستحيلا- إعمال مبضع النقد في أمر معين، دون توقع ردود أفعال تقرب من الإيلام أو حتى القتل، لكون الشائع يقوم على توافر لحمة من الأعراف المحروسة، تُعلي مصالح أشخاص معينين، لهم مواقعهم الاعتبارية النافذة في المجتمع.

وفي مجتمع الشائعات، إن جاز التعبير، تتعمق الهوّة بين الإبداع الفعلي والتقليد العائق أمام الإبداع، إذ ينتمي إليه الشائع، حيث لا يعود هذا الأخير منسوبا إلى تداول خطأ عاديّ، أو تصرف في غير محله، يغَض الطرف عنه لضرورة معينة، على سبيل المسامحة، كلا! إنما إلى تداول السلطة التي تتعدّد أقنعتها، ولها مستويات من العنف، تبعا للحالة القائمة ذات التماس بالشائع، وفي ضوء هذا الشائع توجّه سلوكيات الناس، بقدر ما تتحدّد مصائرهم سلبا وإيجابا حتى على مستوى جامعي، لكون الجامعة موصولة بالمجتمع، لا بل ملتقى الكثير مما هو شائع، وفي القمة يتربع المسؤول عن الجامعة بصفته أكاديميا، ومن خلاله توضع التعليمات أو يتمّ تلقي التوجيهات، وما يجب مراعاته بالنسبة إلى الطلاب الذين يقبلون على التعلّم الجامعي، وأساتذة الجامعة: حملة شهادات الدكتوراه، والمشرف عليهم، إلى جانب المراقب لكل شاردة وواردة، فهو ذو نسب سلطوي!

وفي ضوء المثار، يمكن لنا أن نتلمّس الكثير من الاختلالات التي تُعلي مرجعية المجتمع الذي يتنفس الشائع بعمق، وليكون هذا الذي نشهده وهو في أوج خطورته داخلا في نطاق تلك المنظومة العقلية والنفسية التي تستقطب أفرادا وجماعات، وتغريهم بلزوم الاستمرار على هذه الشاكلة من المبادئ أو الأفكار أو “قواعد الصحة الخاصة” التي تحافظ على حياتهم وتؤمن لهم استقرارا، إذ يكافَأ عليها، وليس التعريض بهم لكل ما هو مقلق لهم، أو خطر عليهم، ولعل الجدير بالتنويه هو أنه لا مجال لأن يتحدّث أيّ كان عن خاصية إبداعية، أو ثقافة ناهضة، أو إسهام فكري ونقدي يجعل المجتمع حيّا فعالا بمكوّناته وداخل التاريخ، في ضوء فيروس “الشائع” وبحسب تعدّد ضحاياه ودرجة نخره في المجتمع!


كاتب من سوريا

15