الشائعات أدخنة تطلق لإخفاء الحقائق

الجمعة 2015/02/20
الشائعات في محيط العمل مدمرة للسمعة

القاهرة - “لا يوجد دخان من غير نار”، مثل مصري وعربي معروف، يؤكد ويؤصل لترويج الشائعات ونشرها بين الناس، بما أن المثل يرى أنه لا توجد شائعة بدون ظل من الحقيقة المتوارية خجلا من الناس، لتحل محلها الهمسات والزيادات والحبكة المصنوعة من البعض، حتى تضيع الحقيقة بين كل هذه الأفعال.

تطور تقنيات الاتصال الحديثة بشكل سريع، وسهولة التواصل بين الأفراد بضغطة زر والتطبيقات الجديدة “كالفيس بوك وتويتر ويوتيوب والبلاك بيري”، أدت دورا فاعلا وكبيرا في نقل وترويج الشائعات التي تضر أكثر مما تنفع وتؤثر سلبا على نسيج المجتمع، خاصة مع وجود الأزمات، حيث يكون المجال خصبا لتبنيها وانتشارها وتشعبها.

والشائعات ببساطة، وكما هو معروف، هي الأخبار الكاذبة أو هي رواية تتناقَلها الأفواه دون التركيز على مصدر يؤكد صحتها أو أنها اختلاق من شخص أو شخصية لقضية أو لخبر ليس له أساس من الواقع أو هي مُجرد تحريف لقضية بالزيادة أو النقصان، في سرد خبر يحتوي على جزء ضئيل من الحقيقة.

ومقولة “إن كل شائعة لا بد أن يكون لها أصل من الحقيقة”، علميا مقولة غير دقيقة تماما، فكثير من الشائعات ليس لها هذا الأساس من الحقيقة.

تقول هالة زيان، مضيفة طيران: لا أصدّق أي شائعة مباشرة عند سماعها لأول مرة، وأحاول التأكد من المصادر الموثوقة، مستنكرة ما يقوم به البعض في تأليف الأخبار، وحبك الشائعات في محيط العمل، لأنها مدمرة للسُمعة ومحطمة للإنسان، سواء أكان رجلا أم امرأة.

أخطر الشائعات ما يتعلّق بالعلاقة الزوجية، ففي هذه الحالة تعد المواجهة هي الأسلوب الأمثل

هالة تتذكر بعضا من هذه المواقف التي “جمعتها بالشائعة”، تقول: منذ عام تقريبا، سمعت أن فنانة لبنانية تعرّضت لحادث وأنها تعالج في المستشفى وأن الحادث قد وقع منذ أسبوعين، وتمر الأيام والشائعة تنتقل من مكان إلى مكان آخر، وبعد مرور 6 أشهر تقريبا منذ علمت الخبر، سمعت نفس “الحكاية” تروى من جديد عن ذات الفنانة، وأن الحادثة وقعت منذ أسبوع واحد فقط، على الرغم من الفارق الزمني الكبير، لأتأكد في النهاية أن الحكاية كلها شائعات.

نجوى لبيب، طالبة جامعية، لم تسلم من نار الشائعات، إذ تعرّضت لعشرات الشائعات، وكانت تهتم بها في البداية، إلا أنها تجاهلتها مؤخرا، بعدما وجدت أن هدفها الإساءة إليها.

واختارت سلمى نور توظيف الحكمة التي تقول “الكلاب تعوي والقافلة تسير”، فهي تتجاهل الشائعات، “لأن أصحابها يُعانون الغيرة والحسد”.

ويؤكد كمال علي، ضابط شرطة، أن الشائعة تنتشر في ظل غياب المعلومات الصحيحة من جانب الجهات المختصة، لهذا يجب أن تكون هناك شفافية في التعامل مع الشائعات، فعندما تتردد الشائعة يجب أن تبادر الجهات المختصة بتوضيح المعلومات، لأن الشائعة تنتشر بسرعة عندما تغيب المعلومات الصحيحة مدة طويلة، وهناك جهات تحاول أن تتكتّم على بعض الموضوعات وتحيطها بالسرية، وأضاف: أنه يتم التعامل معها على أساس محورين، أولهما أن الشائعة ربما يكون هدفها المساس بجهة معيّنة، لذا يجب أن يتم التعامل معها بنوع من الدبلوماسية، وأن لا نعطيها أهمية كبرى، لأنها تكبر وتنتشر، وثانيهما إذا ما كانت لها علاقة بأمن الوطن والمواطن، وهذا يتطلب تدخل الدولة بشكل مكثف، لتضع الحقائق أمام المواطن.

عندما يسمع الصحفي خالد كريم شائعة ما، فإنه يتأكد من المصادر الرئيسية، ويقول “بالنسبة إليّ كصحفي، من الصعب أن أصدّق الشائعة عندما أسمعها من الناس، فقد يكون هناك هدف من وراء الترويح لشائعة ما، ويجب على الإعلامي أن يتعامل بحذر مع هذا النوع من الشائعات المغرضة”.

درجة التأثير تتوقف على شخصية الفرد ذاته، إذا كان هشا نفسيا يكون سهل الانكسار وسريع التأثر بالشائعات

ويقول الشيخ ناصر الرفاعي من علماء الأزهر: إن القرآن الكريم يسمي هؤلاء الذين يطلقون الشائعات “أصحاب الإفك”، وفيهم نزلت الآية الكريمة “إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون”. (سورة النور الآية 19).

ويضيف: أن الشخص الذي يطلق الشائعة ينشر الفاحشة بين المسلمين، ولا يجوز للإنسان المسلم أن يرتكب هذا الفعل، والآية تقول “إن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا”.

وتقول علية إبراهيم أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة “إن مطلق الشائعة شخص لديه نقص ما، يحاول تعويضه من خلال وضع نفسه في مكانة مُعيّنة، وأنه على صلة بشخصيات مؤثرة، وهو في هذا يعوّض شيئا من القصور في شخصيته، وهذا نوع من الانحرافات السلوكية، مشيرة إلى أن الشخص الذي يصدّق الشائعة هو شخص سهل الاستهواء، حيث يقتنع بسرعة بالفكرة مهما كانت سخافتها، ويروجها، وربما يكون إنسانا جاهلا ثقافيا، بحيث يصدّق قصصا غير واقعية، فمُطلق الشائعة ومروّجها لديه “قصور نفسي”، والإنسان الناضج لا يختلق أشياء لم تحدث”.

وترى إبراهيم، أن درجة التأثير تتوقف على شخصية الفرد ذاته، “فإذا كان هشا نفسيا يكون سهل الانكسار والتأثر، وتأتي الشائعة المغرضة لتسرع بهذا الانكسار، ونكون بهذا قد دمرنا حياته من دون أن نشعر، وربما يكون شخصية قوية فيقوم بالدفاع عن نفسه، ونفي هذه الشائعة، وقد يتصرّف بطريقة مُخالفة لشخصيته ومبادئه وقناعاته لمجرد نفي الكلام الذي أُثير حوله، وعلى الإنسان أن يستخدم عقله ويفكر في خطواته وهل سيكون أداة لترويج هذه الشائعة أم لا؟”

سميحة هاشم الاختصاصية الاجتماعية، تفضّل أن يتخذ الإنسان موقف “الصمت”، إذا كانت الشائعة تخصه، لأنه لو تحدث عنها ستكبر، أما التجاهُل فهو الأسلوب الأمثل أو الرد بالطريقة الأفضل، وتضيف: هناك أنواع من الشائعات، أخطرها ما يتعلّق بالعلاقة الزوجية، ففي هذه الحالة تُعد المواجهة هي الأسلوب الأمثل، لأن الصمت يؤدي إلى زيادة الشك وتدمير العلاقة.

21