الشائعات تجبر الحكومة المصرية على تغيير استراتيجية النفي المتكرر

الحكومة المصرية تعمل على تصحيح المعلومات المغلوطة والتي تهم أكبر عدد من الجمهور ونشر ما يثبت كذبها، وتستعين في ذلك بمصادر الأخبار الموثقة.
الخميس 2019/10/24
مصادر  الشائعات

نفي الشائعات لم يعد استراتيجية فعالية لمواجهة سيل الأخبار المضللة المتدفقة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة، لذلك تحاول الحكومة المصرية تطوير أساليب مواجهة الشائعات، بتحليل المعلومات وتفنيدها والوصول إلى أصلها، عبر مراكز متخصصة هدفها الأساسي تصحيح المعلومات المغلوطة والتي تهم أكبر عدد من الجمهور.

القاهرة- غيرت القاهرة من فلسفة تعاملها مع الأخبار الزائفة أخيرا، وأضحت استراتيجيتها تقوم على تحليل المعلومات وكشف جذورها ونشر ما يثبت عدم صحته بدلا من نفيه، بعد أن لاحظت فشل خطواتها السابقة وعدم قدرتها على إقناع المواطنين بصحة ما تذهب إليه.

وانتشرت خلال الأيام الماضية مقاطع فيديو أعدها المركز الإعلامي التابع للحكومة ووزعها على قنوات فضائية، احتوت على بيانات حول أصل انتشار المعلومة المضللة ومصدرها وتقديم ردود مفصلة من قبل الوزارات التي طالتها الشائعات، وشرح خطوات الهيئات التابعة المرتبطة بالقضية المثارة للتعامل معها مستقبلا، وهو ما طبقه المركز على الصحف والمواقع الإلكترونية في شكل بيانات مكتوبة.

وقالت نعايم سعد زغلول، مديرة المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري، إن المركز يوفر المعلومات بشكل أكبر للمواطنين بعد أن كان دوره مقتصرا فقط على النفي، وتم التوسع في إصدار التقارير في شكل “إنفوغرافات” لتكون المعلومات المصححة في شكل نقاط موجزة، وفي الوقت ذاته تحتوي على أكبر قدر من البيانات حول القضية المثارة.

وأشارت في تصريحات إعلامية إلى أن نمط الشائعات تطور وأصبح أكثر عمقا ولم يعد سطحيا، ما انعكس على صعوبة التأكد من كون المعلومات التي تنتشر في وقت قصير بين عدد كبير من المواطنين شائعة أم لا، الأمر الذي تطلب التغيير في أسلوب التعامل مع المعلومات.

ما أقدمت عليه الحكومة تكرر عبر مجموعة من الصحافيين الذين أسسوا قبل خمسة أشهر صفحة على موقع فيسبوك بعنوان “صحيح مصر”، هدفها الأساسي تصحيح المعلومات المغلوطة والتي تهم أكبر عدد من الجمهور ونشر ما يثبت كذبها، والاستعانة بمصادر الأخبار الموثقة لتصحيح المعلومات في شكل أسئلة وإجابات بسيطة تتماشى مع نوع الجمهور المتلقي على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقال شريف أمين، مسؤول إدارة الصفحة، إن عمله الأساسي يتركز على اصطياد المعلومات التي تنتشر بسرعة على فيسبوك وتويتر، والعمل على تحليلها بشكل علمي من خلال التعرف على أصلها ومراجعتها من قبل مصادر موثقة وتوفير البيانات الصحيحة لتعريف الجمهور بها، وأن الأولوية تكون للشائعات التي تمس المواطنين وتتركز على الأخبار الاقتصادية والقضايا المجتمعية.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب” أن عملية التصحيح تتم عبر بيانات الوزارات الموثقة وتقارير الأجهزة الرقابية والهيئات الرسمية بشكل عام، وأن هناك 10 صحافيين يقومون بشكل يومي بمتابعة انتشار الشائعة وتحليلها، لافتا إلى عدم وجود تمويل كاف يمنع التوسع في عمل الصفحة.

ولعل ما يجذب العديد من المتابعين لتلك الصفحة، التي وصل عدد متابعيها إلى 200 ألف خلال فترة وجيزة، أنها ليست تابعة لجهة رسمية من الممكن أن تنحاز لها، وتذهب إلى تحليل الشائعات التي تطلقها بعض الجهات الحكومية وتسعى من ورائها لجس نبض الجمهور، وكذلك الشائعات التي يكون مصدرها كتائب إلكترونية لديها أهداف سياسية.

ويرى الصحافي المصري أن مراكز الأبحاث العلمية لمواجهة الشائعات لا تأخذ نصيبا من الاهتمام، وينظر إلى الصفحة التي دشنها باعتبارها مشروعا إعلاميا من الممكن أن يحقق أرباحا في المستقبل، في ظل زيادة التجاوب مع المعلومات المصححة، وإثارة نقاشات إعلامية حول الجدوى من تأهيل ما يمكن تسميتهم بـ”مدققي المعلومات”. وفي الوقت ذاته، فإن بعض خبراء الإعلام يرون أن مصر تعاني مما يمكن تسميته “هاجس الشائعات السياسية” وتتعامل مع المعلومات حتى وإن لم تتوفر فيها صفة الشائعة على أنها أخبار مغلوطة ولا بد من التعامل معها، ما يؤدي في أحيان عدة إلى انتشارها، وأن حديث العديد من المسؤولين الحكوميين عن انتشار الآلاف من الشائعات غير دقيق ويساهم في تهيئة المتلقي لقبول الشائعة.

مصر تعاني من "هاجس الشائعات السياسية" وتتعامل مع معلومات لم تتوفر فيها صفة الشائعة على أنها أخبار مغلوطة

وأكد خالد صلاح الدين، أستاذ بحوث الرأي العام بجامعة القاهرة، أن أسلوب تحليل المعلومات يعد ناجحا في الدول التي تتبع الخطوات العلمية في التحليل، وأن هناك جملة من العوامل التي يجب أن تتوفر في عمل مراكز مواجهة الشائعات، على رأسها قدرة الجهات الحكومية والخاصة على التعرف على جذور الشائعة والوقوف على مدى سرعة انتشارها، وما إذا كانت شائعة طارئة أم متراكمة.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أنه على مراكز مواجهة الشائعات فهم المتغيرات المحيطة بالشائعة والتفرقة بين الشائعات السياسية والاقتصادية، وبالنظر إلى الحالة المصرية فإن غالبية المعلومات المغلوطة ترتبط بالاقتصاد تأثرا بالمشكلات التي تعاني منها البلاد، لكنها محاطة بوعاء يضعها في الإطار السياسي. وأوضح أن عملية تحليل الشائعة لا بد أن يلفت النظر إلى جذورها، فقد تكون مبنية على معلومة صحيحة وجرى تحريفها، بل إن إلقاء الضوء على ما هو صحيح أول خطوات إقناع المتلقي، مع أهمية عملية التحليل بالسياق المجتمعي الذي تسير فيه ووجود قاعدة بيانات توضح خارطة سير الشائعات.

وذهب البعض من الخبراء للتأكيد على أهمية أن يكون القائم بتحليل الشائعة من الأكفاء في علوم مختلفة، مثل السياسة وعلم النفس والاجتماع والإعلام، مع توافر المخصصات المالية التي تمهد لإمكانية ترجمة برامج تحليل الشائعات الأجنبية وتعريبها، ما يفسح المجال أمام التركيز العلمي في الجامعات على التطورات السريعة في علوم مواجهة المعلومات الزائفة.

ورأت سهير عثمان، أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة، أن ما أقدمت عليه الحكومة المصرية يقترب من كونه أسلوبا سياسيا وليس علميا لمواجهة الشائعات، وهناك محاولة للقيام بعمل ممنهج لتصل المعلومات بشكل تسعى الحكومة لإيصاله للجمهور بشكل محدد، والأمر بحاجة إلى قرارات رسمية تبدد العديد من الشائعات.

وذكرت لـ”العرب” أن الكثير من حلول مواجهة الشائعات في الدول العربية لا تقترب من الحل الأسهل والأسرع الذي يرتبط بإتاحة المعلومة بدلا من حجبها والسماح بانتشار أخرى زائفة، وأن استخدام الأساليب العلمية لا يكفي طالما أن قوانين حرية تداول المعلومات لا يجري تفعيلها.

وتحاول بعض الدول العربية مسايرة التطورات العالمية في أساليب مواجهة الشائعات، والتي أضحت مهمة أجهزة تكنولوجية تقوم بتحليل المعلومات والوصول إلى أصلها، بما يساهم في وضع الأسلوب الأمثل لعلاجها.

18