الشائعات.. حرب نفسية ضد المجتمع

الأربعاء 2014/01/08
الشائعة تنقل وتثار لأغراض يصبو إليها مروجوها

القاهرة- تعتبر الشائعات من أخطر الأسلحة التي تهدد المجتمعات في قيمها ورموزها، إذ يتعدى خطرها الحروب المسلحة بين الدول؛ بل إن بعض الدول تستخدمها كسلاح فتاك له مفعول كبير في الحروب المعنوية أو النفسية التي تسبق تحرك الآلة العسكرية؛ ولا يتوقف خطرها عند هذا الحدّ فحسب بل إنها الأخطر اقتصاديا.. والأدهى اجتماعيا..

ليست الشائعة ظاهرة مستحدثة، بل إنها خلقت منذ بدء الخليقة، استخدمها الإنسان كثيرا لزعزعة الأمن والاستقرار حيث أطلقها وصدقها وتأثر بها، لتتبلور في أحضان ثقافته على مرّ العصور متشكلة ومتلونة بملامح كل زمان تظهر فيه.

وتستهدف الشائعات أمورا معنوية كثيرة؛ لذا أطلق عليها ميسم الحرب المعنوية أو الحرب النفسية، وتكمن خطورتها في أنها تستخدم ضد أفراد تتوافق مع مزاجهم وتفكيرهم؛ فتجذبهم إليها ليصبحوا أدوات لترديدها دون أن يدركوا مدى خطورتها؛ خاصة في زمان تضاعفت خلاله سرعة انتشارها.

والكل يعرف بأن سوق الشائعات في مجتمعاتنا العربية في الفترة الراهنة يمتاز بالمزيد من الرواج حيث تتنوع الشائعات فتكون شخصية، أو سياسية، أو اقتصادية إلا أن تأثيرها يصيب الناس بالقلق..

يقول الدكتور عماد محمد مخيمر أستاذ علم النفس بجامعة الزقازيق: إن مصدر الشائعات غالبا ما يكون غير معروف، فحينما يروج شخص شائعة ما وتسأله عن مصدرها يقول: “سمعتها من فلان أو يقولون كذاِ..” دون التحقق من صحة ما يقول، والشخص المروج للشائعات إما أن يكون حاقدا أو جاهلا أو مستفيدا من ترويج الشائعة وانتشارها وخير دليل على ذلك ما رأيناه في فترة اندلاع الثورات العربية، حيث يستغل البعض الأخبار لإثارة الشائعات، عمدا لإحداث حالة من الخوف عند الناس ليشعروا بالفوضى وعدم الأمان مستخدمين في ذلك عمليات البلطجة وترويع المواطنين، لذا نجد بعض الناس يقولون: “إن النظام السابق أفضل فعلى الأقل كنا نشعر بالأمن والأمان” وهذا هو أهم مطلب تسعى الثورة المضادة إلى تحقيقه.

الشائعات شأنها شأن الدعاية هما أسلوبان هدامان يحدثان أضرارا سلبية داخل المجتمعات عن طريق إثارة الغرائز واستغلال العواطف

ويضيف مخيمر قائلا: إن من شأن الشائعات أن تثير الذعر والتوتر والقلق في نفوس الناس؛ خاصة في حالة الفراغ الثقافي والفكري لديهم، وتنتشر الشائعات وينشط مروجوها أثناء ما نسميه بـ”أوقات توقع الخطر” وهي أوقات الحروب والكوارث والفوضى لأن الناس يتوقعون حدوث الشر خلال هذه الأوقات، وهذا هو سبب انتشار الشائعة لأن الناس، في هذا التوقيت، حينما يسمعون أية معلومة يتناقلونها فيما بينهم دون التحقق من صحتها خوفا منهم على أبنائهم وممتلكاتهم.

وتشير الدكتورة فوزية عبدالستار أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة إلى أن الشائعة تدخل في نطاق الكلام الذي ينقل ولا أصل له؛ ولكنها تثار لأغراض يصبو إليها مروجوها، ومعظم الشائعات التي تثار في هذه الآونة ليست ذات قيمة فمثلا الشائعات التي تثار على موقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك” في جميع المجالات السياسية وتنال رموزا سياسية أو فكرية أو ترويج شائعة وفاة لنجم من نجوم الفن والمجتمع والسياسة والاقتصاد والتي تتأثر بها أسواق المال العالمية وإن كان تأثير بعضها ضعيفا؛ إلا أن هناك نوعا من الشائعات له خطورة كبيرة في التأثير السلبي على المجتمع، وذلك في حالة تعلق الشائعة بأمور مصيرية سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.

وترى أن الشائعات التي ليست لها أية قيمة أو تأثير لا يجب الالتفات إليها، أما الشائعات التي تسبب بلبلة فكرية أو تحدث اضطرابات وأضرارا داخل المجتمع بالإضافة إلى قصد سوء النية فإن القانون يجرمها، وذلك ما تنص عليه مواد قانون العقوبات.

وعلى جانب آخر يؤكد الدكتور صلاح مدكور أستاذ الإعلام بجامعة عين شمس: أن الشائعات شأنها شأن الدعاية فهما أسلوبان هدامان يحدثان أضرارا سلبية داخل المجتمعات عن طريق إثارة الغرائز واستغلال العواطف لإحداث فتنة داخل المجتمع والغرض منها أن تصل المعلومة التي يريد مروجوها أن تنتشر بين الناس بأسلوب فعال، وبذلك تكون النتيجة إيجابية لديهم وسلبية على المجتمع. ويشير الدكتور مدكور إلى أن الشائعات تستغلّ ما يسمى بـ”مفتاح الشخصية” وهو الوتر الحساس أو الاحتياجات التي هي نقطة ضعف الأشخاص.

وتعبير “شائعة” يعني رسالة سريعة الانتقال الهدف منها إحداث بلبلة أو فوضى لتحقيق أهداف في غالبها تكون هدامة؛ لأنها تلعب على وتر احتياجات الناس في محاولة لإحداث التأثير الإيجابي لمروجيها خاصة في أوقات الأزمات.

ويوضح الدكتور سيد عبدالباري مدير المراكز الثقافية بوزراة الأوقاف المصرية: أن الشائعات أمر مناف لما جاء به الدين الإسلامي جملة وتفصيلا، لأن الدين يحرص على سلامة المجتمع من كل ما يصيب أفراده من أخلاق فاسدة أو عقائد باطلة أو سلوك سلبي، والشائعات حذر منها القرآن الكريم في كثير من آياته، كما السنة النبوية، حيث قال الله تعالي: “إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم، يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين”.

الشخص المروج للشائعات إما أن يكون حاقدا أو جاهلا أو مستفيدا من ترويج الشائعة وانتشارها

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” فنبّه إلى اللسان قبل اليد لأنه من المعروف أن “جروحات السنام لها التئام ولا يلتئم ما جرح اللسان”.

ويضيف عبدالباري، أنه لو ترك المجال لكل من شاء أن يقول ما شاء في أي وقت شاء لكانت هناك حالة من الريبة والشك لا تطاق معها الحياة ، وتمسي الأمة وتصبح وسمعتها ملوثة وأعراضها مجروحة وكل واحد لا يأمن على نفسه، لذلك حذّر الشرع من ذلك أشد التحذير وتوعد مروجي الشائعات.

وأن من يسمع الشائعة لا يكون أول من أطلقها وإذا سمع بها فلا يعمل على ترويجها ونشرها بين الناس لئلا يكون أحد الكذابين الذين عناهم الحديث الشريف: "كفى بالمرء إثما أن يحدّث بكل ما سمع" ليكون في الدرجة العالية التي نوه بها الحديث الشريف: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”.

21