الشاحنات تودع سائقيها قريبا

تعمل شركات تصنيع المركبات على إنتاج مركبات ذاتية القيادة، ما قد ينعكس سلبا على سائقي الشاحنات الثقيلة. وتشير التقديرات إلى أن الشاحنات ذاتية القيادة يمكن أن تتسبب في بطالة 3 ملايين سائق أميركي وأن تحيل عشرات الملايين من السائقين في بلدان أخرى على التقاعد.
الثلاثاء 2017/04/11
قيادة الشاحنات ستتحول إلى موضة قديمة

سان فرانسيسكو (الولايات المتحدة) – رامونا سوسيدو على الطريق منذ شهرين تقريبا، وهي الآن مستعدة للعودة إلى المنزل.

تقف أمام شاحنة بيضاء مُغبّرة في ساحة لوقوف شاحنات “فلاينج جيه” حاملة جهاز الآيفون الخاص بها في الوقت الذي تنتظر فيه مكالمة من زميلها في العمل، الذي يتحقق من تقدّمها.

وإذا حافظت سوسيدو على القيادة لمدة عشر ساعات أو 11 ساعة يوميا، فستعود إلى المنزل بتوسون في الأسبوع المُقبل. تقول وهي تضحك “أفتقد طبخ وجباتي، أتصدقين ذلك”.

وسوسيدو (52 عاما) تقود لمسافات طويلة منذ نحو عقد من الزمن، وهي تملك بنية ضخمة نتيجة لقضاء ساعات طويلة على الطريق. إنها وظيفة تسري في العائلة: والدها وشقيقها وابنها جميعهم سائقو شاحنات. وتقول “إنها بدأت القيادة في الأساس من أجل المال”.

إبعاد البشر عن القيادة

في وظيفتها القديمة عندما كانت عاملة في مكتب، كانت بالكاد تغطي نفقاتها. وكانت تضطر إلى إنفاق أقل قدر من المال إذ كان أحد ولديها في حاجة إلى القليل من المال.

الآن هي تقود لمسافات تمتد على الآلاف من الأميال أسبوعيا وتُسافر إلى جميع أنحاء البلاد وتنام كل ليلة داخل الشاحنة. المال لم يعُد مشكلة بعد الآن.

وفي موقف الشاحنات، تظهر سوسيدو محاطة بالمئات من السائقين الذين أقدموا على مقايضة مماثلة.

سيلتز أكسماخر: هدفنا أن تقوم الشاحنات بـنقل البضائع من مكان إلى مكان دون الحاجة إلى وجود إنسان فيها

وفي الولايات المتحدة يوجد أكثر من ثلاثة ملايين سائق شاحنة، الكثير منهم يقود لمسافات طويلة أو “على الطريق” بحسب مصطلح الصناعة.

وهي وظيفة عالية الأجر ولا تتطلب شهادة جامعية، ويمكن أن تكون قيادة الشاحنات شريان حياة لمن يعمل فيها. لكن مستقبلها بات غير مؤكد على نحو متزايد.

ومع غروب الشمس يبدأ الموقف بالامتلاء بسائقين يتوقفون لقضاء الليل. النوم في الشاحنة جزء لا يتجزأ من هذه الوظيفة.

ويقول باتريك سبايسر (67 عاما)، وهو سائق مسافات طويلة من رينو، لمراسلة صحيفة فاينانشال تايمز “أدعو هذا منزلي الصغير”، عارضا الجزء الداخلي من شاحنته الجديدة نوع كينْويرث.

ويُشير إلى الأسرّة بطابقين وغيثاره وصندوق من المشروبات البروتينية بنكهة الفانيلا موجود على أرضية الشاحنة. هناك خزانة للملابس وثلاجة للطعام.

وتوقف سبايسر ليتأكد أن حمولته البالغة 60 طنا متوازنة بشكل صحيح، وهو رجل مُخضرم في الوظيفة منذ 20 عاما. يقول “إذا كنتَ ذكيا ولا تبعثر أموالك، يُمكنك أن تعيش حياة جيدة”.

وذكر معهد النقل الوطني أن الدخل المتوسط لسائق لديه خبرة ثلاثة أعوام بلغ 57 ألف دولار في العام الماضي. يمكن أن يكسب السائقون من ذوي الخبرة مثل سبايسر أكثر من 75 ألف دولار. لكنه ليس متفائلا بشأن المستقبل.

ويقول سبايسر “ليس هناك مستقبل لقيادة الشاحنات”، مشيرا إلى الموقف المليء بالشاحنات ذات العجلات الـ18 “في غضون عشرة أعوام أو 15 عاما، هذه جميعا ستكون شاحنات ذاتية القيادة. لا توجد طريقة لإيقاف ذلك”.

وفي أحد الأحياء الصناعية بمدينة سان فرانسيسكو الأميركية، يعمل ستيفان سيلتز-أكسماخر (27 عاما) جاهدا على إبعاد البشر عن قيادة الشاحنات.

ويجلس في مقعد السائق بإحدى شاحنات ديلمر فرايتلاينر التي تم تعديلها. ويميل إلى الأمام ليضبط زوجا من الأقدام الروبوتية التي تقبع فوق دواسات الكوابح والمُسرّع. وتحت عجلة القيادة يوجد مُحرّك صغير يُمكن أن يوجّه المركبة.

وتسمح هذه الأجهزة، إلى جانب رادار وكاميرات موضوعة على السطح الخارجي، بقيادة الشاحنة بطريقة ذاتية على الطريق السريع المفتوح في حين يقودها الإنسان في المناطق الحضرية المزدحمة.

ويوضحّ سيلتز-أكسماخر، وهو مؤسس مشارك في شركة ستارسكي روبوتيكس الناشئة، التي تشتغل على الشاحنات ذاتية القيادة، أن “هدفنا هو أن تنتقل الشاحنات من مكان إلى مكان دون وجود إنسان فيها”.

كما يرى أن ذلك يحل “المشكلة الأساسية” للخدمات اللوجستية في أميركا الشمالية. ويقول “من الصعب فعلا أن يعيش الناس في شاحنة. أولئك السائقون لمسافات طويلة هم الناس الأكثر طلبا في الخدمات اللوجستية”.

ولأن مهنة النقل بالشاحنات في الولايات المتحدة تنقل أكثر من عشرة مليارات طن من البضائع سنويا، يعتقد سيلتز-أكسماخر أن سوقه جاهزة بالفعل.

ويقول “سنُؤجر الروبوتات لشركات النقل بالشاحنات. نحن قادرون على الذهاب إلى الناس الذين يبحثون بالفعل عن سائقين، ونعمل سائقين لديهم”.

وفي جميع أنحاء وادي السيليكون، تعمل شركات ناشئة على رهان مماثل. لا تحاول جميعها إخراج السائقين البشر من الشاحنة بشكل نهائي، كما تفعل شركة “ستارسكي”، لكن جميعها تتفق على أن ذلك سيكون نتيجة تكنولوجياتها على المدى الطويل.

فرصة اقتصادية مغرية

أحد المستثمرين هو جيم شاينمان، صاحب رأس مال مغامر في شركة “مافين فينتشرز”، الذي يدعم الشركات الناشئة في صناعة شاحنات وسيارات ذاتية القيادة.

ويقول شاينمان إن “الشاحنات ذاتية القيادة ستصل بشكل ملحوظ قبل السيارات ذاتية القيادة. من المرجح أن يحدث هذا أسرع بكثير من القيادة في المدينة، هذا فقط لأن القيادة على الطريق السريع أسهل بكثير”.

والطرق السريعة أقل تعقيدا بكثير من المناطق الحضرية، بما لديها من تقاطعات أقل وعلامات طرق أوضح.

وفي الولايات المتحدة، تنقل الشاحنات أكثر من 70 بالمئة من حمولات الشحن المحلية. وفي عام 2015 بلغت إيرادات صناعة النقل بالشاحنات 726 مليار دولار، أكثر من مبيعات “غوغل” و“أمازون” و“ولمارت” مجتمعة.

الربوتات تطرد البشر

ويضيف شاينمان “مع الشاحنات بإمكاننا في الواقع بناء شركة بمليار دولار”، أي شركة ناشئة من النوع الذي يعرف في وادي السيليكون باسم “وحيد القرن”.

وبطبيعة الحال لن تصبح شركة ناشئة للمركبات ذاتية القيادة. الفشل أمر شائع في عالم وادي السيليكون القاسي والمتقلّب، خاصة عندما يُصبح أحد القطاعات نشطا للغاية بحيث تصبح حتى الأفكار السيئة قادرة على الحصول على تمويل.

وبالنسبة إلى الشركات الناشئة في مجال النقل بالشاحنات، حصلت نقطة التحوّل في أغسطس الماضي، عندما أعلنت “أوبر” أنها تريد شراء شركة “أوتو”، وهي شركة ناشئة ظهرت منذ ستة أشهر مقابل أكثر من 600 مليون دولار. بعد ذلك وجدت شركات ناشئة أخرى في مجال النقل بالشاحنات أنه من السهل جمع المال.

ويقدم شاينمان (50 عاما) رؤيته لمستقبل النقل. ويقول وهو يجلس في شرفة في نادي “باتري”، الذي يرتاده أصحاب رأس المال المغامر في سان فرانسيسكو، “في رؤيتي لعالم المركبات ذاتية القيادة هذا، كل مركبة هي ذاتية القيادة، في كل مكان في العالم. الأمر لن يكون سيارات أو شاحنات، سيكون فقط روبوتات. بعد ذلك ستحصل على نظام أكثر مثالية، لأنه لا يوجد لديك بشر يخطئون”.

ويضع هذا التفكير وادي السيليكون في اشتباك مع بقية البلاد، حيث يمثل “البشر الذين يخطئون” ملايين الوظائف المُهددة من الأتمتة.

وفي واشنطن، جعل الرئيس دونالد ترامب الوظائف الأميركية حجر الزاوية في جدول أعماله الاقتصادي وأظهر اهتماما بسائقي الشاحنات بشكل خاص.

وفي خطاب بالمكتب البيضاوي في أواخر مارس الماضي، ظهر ترامب محاطا بممثلين عن صناعة النقل بالشاحنات. قال ترامب “لا أحد يعرف أميركا كما يعرفها سائقو الشاحنات. أنتم ترونها كل يوم وترون كل تلة وكل واد وكل حفرة وكل بلدة، وكل غابة من الحدود إلى الحدود ومن المحيط إلى المحيط”.

وصعد ترامب إلى شاحنة كبيرة مركونة أمام البيت الأبيض مبتسما ولوّح وهو يطلق بوق الشاحنة.

ويأتي تصرفه في جزء منه لإرضاء أنصاره “صوت سائقو الشاحنات لفائدة ترامب أكثر مما صوتوا لمصلحة هيلاري كلينتون في انتخابات نوفمبر الماضي”.

وغالبا ما يُخيّر سائقو الشاحنات بين وظائف في البناء أو حقول النفط أو النقل بالشاحنات، التي لا يحتاج أي منها لشهادة جامعية.

ومع انخفاض أسعار النفط يمكن أن يجذب النقل بالشاحنات الناس الذين يعيشون في المناطق الأكثر إحباطا والتي تفتقر لفرص البناء.

وعلى الرغم من أن القيادة “على الطريق” ليست وظيفة سهلة إلا أنها وسيلة للارتقاء بالنسبة إلى الذين لديهم خيارات قليلة.

وتثير الوحدة على الطريق الشكوى بشكل متكرر. ويصطحب بعض سائقي الشاحنات كلابهم أو يأخذون أطفالهم معهم خلال العطل المدرسية لكسر طوق العزلة.

وبالنسبة إلى الأزواج، الخيار الشائع هو قيادة الفريق الذي يُحقق مكافآت إضافية لأن بإمكانهم القيادة لمسافة تصل ضعف المسافة اليومية.

ويعبّر سبايسر عن رضاه بالقول “بعض الناس ليست لديهم منازل، فهم يعيشون فقط في شاحناتهم. إذا كنتم زوجين شابين، هذه هي الطريقة التي يُمكن اتّباعها. أنا أعرف أشخاصا يفعلون ذلك وادّخروا دفعة أولى للحصول على منزل”.

وكان الرئيس ترامب يوبّخ بشكل روتيني الشركات التي يتّهمها بنقل الوظائف إلى الخارج.

ويخشى بعضهم أن الأمر لن يكون سوى مسألة وقت قبل أن يحوّل انتباهه إلى التهديد الذي تفرضه الروبوتات على الوظائف الأميركية -وبشكل خاص المركبات ذاتية القيادة- وعلى وجه التحديد في اللحظة التي ستكون فيها هذه التكنولوجيا على وشك النضج.

وحتى الآن لم توضّح إدارته موقفها تجاه الشاحنات ذاتية القيادة. لكن في اجتماع أخير مع حكام الولايات، أشارت إيلين تشاو وزيرة النقل إلى أنها تشعر بالقلق من كيفية تأثير المركبات ذاتية القيادة على سائقي الشاحنات.

وقالت تشاو “أنا أشعر بقلق كبير بشأن ذلك وأُدرك تماما تلك التحدّيات. لذلك يجب علينا أن نُعِد الناس للتحول ونحن بحاجة إلى وضع ذلك في الحسبان”.

خياران يحددان أفق السائقين

في الوقت الذي تحصل فيه “التحولات” ستتم إثارة نقاش كبير. ويمكن أن تنقسم الشركات الناشئة في مجال المركبات ذاتية القيادة إلى معسكرين: شركات تعمل على حلول مؤقتة حيث تكنولوجيا القيادة الذاتية تُساعد السائق البشري. وشركات مثل “ستارسكي” تُركّز على إخراج البشر من المركبات في أقرب وقت ممكن.

وبالتأكيد، توجد تكنولوجيا ستصل إلى الطريق أولا في المعسكر الأول، ما يعني أن عمل السائق البشري إلى جانب الأنظمة الذاتية سيمتد إلى عدة أعوام قبل أن يكون بالإمكان تطبيق القيادة الذاتية الكاملة.

إيلين تشاو: أشعر بقلق كبير بشأن القيادة الذاتية وأدرك تلك التحديات، لذلك يجب علينا أن نعد الناس للتحول إلى هذا العصر الجديد

واستثمرت شركة “ديملر” المتخصصة في صناعة السيارات الألمانية، التي تُشكل 40 بالمئة من سوق الشاحنات الأميركية، بكثرة في تكنولوجيا القيادة الذاتية.

ولكن لا يتوقع ديريك روتز، كبير مهندسي القيادة الذاتية فيها، أن يرى صناعة شاحنات ذاتية القيادة بالكامل خلال حياته. ويقول “هذا بصراحة شيء لا نتطلّع إليه”.

ويوجد روتز في موقع يؤهله لمعرفة ما يقول لأنه المهندس الذي ساعد على تطوير أول شاحنة ذاتية القيادة تحصل على رخصة اختبار في الولايات المتحدة في عام 2015.

والمركبة “فريتلاينر إنسبيريشن” من ديملر قادرة على قيادة نفسها في ظل ظروف معينة، لكنها أيضا بحاجة إلى إنسان خلف عجلة القيادة “ما يعرف باسم المستوى الثالث من القيادة الذاتية”.

ويوضّح روتز أن أنظمة كثيرة تم تطويرها لـ“إنسبيريشن” موجودة الآن في شاحنات فريتلاينر الحالية، مثل نظام التحكم التنبؤي في السرعة، الذي يستخدم الخرائط وبيانات الارتفاع والمنسوب لإبقاء الشاحنة عند سرعة آمنة أثناء عبور التلال. ويقول إن “الحاجة إلى سائقين ستستمر لفترة طويلة مقبلة”.

وتتمثل أولى الخطوات نحو شاحنات ذاتية القيادة في أسلوب يعرف باسم “الفصيل”، حيث تتبع الشاحنات بعضها بعضا على مسافات قريبة لتوفير الوقود.

وكل سائق في الفصيل يُبقي يديه على عجلة القيادة، لكنّ المحرك والكوابح على الشاحنة الخلفية مرتبطان بالشاحنة الأمامية، وهو ما يسمح للمركبتين بتقليص وزيادة السرعة تماما بشكل متزامن.

وتتوقع شركة “بيلوتون”، وهي شركة ناشئة في ماونتن فيو، أن ترى أنظمة الفصيل الخاصة بها تُستخدم في الأساطيل التجارية في وقت لاحق من هذا العام. وقدمت كل من “ديملر” و“فولفو” و“سكانيا” استعراضا لأنظمة الفصيل.

ورغم أن الفصيل لا يُعتبر قيادة ذاتية من الناحية الفنية، إلا أنه اختبار رئيسي لمدى استعداد الصناعة لاعتماد أشكال جديدة من الأتمتة.

13