الشاذلي القليبي.. الأمين العام الأسبق للجامعة العربية صاحب الذاكرة الأكثر مرارة

الأمين العام الرابع لجامعة الدول العربية الشاذلي القليبي.. رجل الثقافة الذي ظلمته السياسة.
السبت 2020/05/16
بصمات خالدة على مجالي الإعلام والثقافة

غيّب الموت قبل أيام قليلة الشاذلي القليبي، رجل الثقافة الذي انغمس في السياسة حتى النخاع، إلى أن التهمته كواليسها قبل أن تُحوله إلى دبلوماسي مُحنك، شارك في أبرز المحطات الثقافية والسياسية في تاريخ تونس الحديث. رحل القليبي بعد أن عايش أبرز الزعماء والقادة العرب الذين تركوا بصماتهم بين ثنايا صفحات التاريخ العربي المُعاصر بخيباته المُتلاحقة ورهاناته الحافلة بالمُتغيرات.

ورغم ابتعاده عن الأضواء خلال مسيرته الثقافية والسياسية والدبلوماسية على الصعيدين التونسي والعربي، فإن القليبي الذي وافته المنية عن سن تُناهز 94 عاماً، داخل منزله في قرطاج بالضاحية الشمالية لتونس العاصمة، كان مع ذلك شخصية جدلية أسالت حولها الكثير من الحبر في علاقة بأداء جامعة الدول العربية التي كان أمينها العام الرابع لمدة عشر سنوات مُتتالية.

 ونعى أحمد أبوالغيط، الأمين العام الحالي لجامعة الدول العربية، القليبي، وأمر بتنكيس علم الجامعة حدادا عليه، كما توجه ببرقية عزاء لأسرة الفقيد وللشعب التونسي، لافتا فيها إلى أن “الأمة العربية فقدت سياسيا عروبيا مخلصا، لعب دورا مهما في مرحلة استثنائية من تاريخ الجامعة العربية المعاصر، فضلا عن اضطلاعه بمهام سياسية كبيرة في بلده تونس”.

واعتبر أبوالغيط أن القليبي “تمكن من الحفاظ على استمرارية عمل الجامعة العربية في ظل الظروف الصعبة التي واجهت العمل العربي المشترك في فترة توليه المسؤولية خلال عقد الثمانينات، وهو ما عزز من القدرة المؤسسية الكبيرة للجامعة العربية على البقاء والتكيف مع الأزمات، والاستمرار في خدمة الأمة مهما كانت الظروف”.

عاشق الفلسفة واللغة العربية

علاقة القليبي ببورقيبة تنطوي على تفاصيل وأسرار من بينها رسم الخطوط العريضة لخطابات الرئيس
علاقة القليبي ببورقيبة تنطوي على تفاصيل وأسرار من بينها رسم الخطوط العريضة لخطابات الرئيس

شغل القليبي كرسي الأمين العام الرابع لجامعة الدول العربية، وكان أول أمين عام لها بعد انتقال مقرها من العاصمة المصرية القاهرة إلى تونس، في أعقاب تجميد عضوية مصر في الجامعة العربية، وقطع العلاقات معها بسبب توقيعها في 26 مارس 1979 معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية المعروفة باسم “اتفاقية كامب ديفيد” التي رعاها الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر.

ولد في مدينة تونس العاصمة في سبتمبر عام 1925، وتلقى تعليمه الثانوي بالمدرسة الصادقية، ثم التحق بباريس ليواصل دراساته العليا في الآداب والفلسفة بجامعة السوربون، حيث حصل على الإجازة في اللغة والآداب العربية في العام 1947، ليعود بعد ذلك إلى تونس حيث عمل في مجال التدريس بالمعاهد الثانوية أولا، ثم تفرغ في العام 1957 للتدريس في الجامعة التونسية. وقد شارك القليبي في تحرير معظم الصحف والمجلات التونسية، ونشر العديد من المقالات السياسية والبحوث وألقى الكثير من المحاضرات الأدبية، ليبرز كرجل ثقافة بامتياز، حيث كان عضوا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة منذ فبراير عام 1970، وقد صدرت له العديد من المؤلفات الأدبية والثقافية والسياسية منها “العرب أمام قضية فلسطين”، و”من قضايا الدين والعصر”.

عشرية عربية عاصفة

بدأت حياته تتغير نحو الانغماس أكثر فأكثر في العمل السياسي، بعد أن تمكن، لفترة طويلة، من المحافظة على موقعه كمُثقف ومفكر، إلى أن قبل في شهر مايو من العام 1958 تولي منصب المدير العام لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسية، ثم تكليفه في العام 1961 بتأسيس وزارة الثقافة التي تولى حقيبتها إلى جانب حقيبة وزارة الإعلام، وذلك خلال فترة حساسة من تاريخ تونس.

وفتحت تلك المهام الباب أمام القليبي للاقتراب أكثر فأكثر من الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، الذي عينه مديرا لديوانه الرئاسي، حيث كان يرسم الخطوط العريضة للخطابات السياسية لبورقيبة، حتى أن الكثير من الفاعلين التونسيين تحدثوا في تلك الفترة عن “تجربة بورقيبة – القليبي”، ومقارنتها بالعلاقة التي جمعت بين الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول، والمفكر الفرنسي أندريه مالرو.بقي القليبي مُحافظا على صورة المُثقف والمُفكر رغم اقترابه الشديد من بورقيبة في أصعب فترة عرفتها تونس، أي فترة السبعينات التي شهدت فيها البلاد العديد من الاضطرابات السياسية، والاحتجاجات النقابية والتحركات الاجتماعية، لينتقل فجأة إلى ألغام السياسة العربية بأبعادها الإقليمية والدولية في مرحلة اتسمت بالغليان، حيث تولى الأمانة العامة للجامعة العربية خلفا للمصري محمود رياض الذي استقال من منصبه في مارس 1979.

مهمة القليبي لم تكن يسيرة، فقد بقي يصطدم بالعراقيل، التي كانت بدايتها رفض السلطات المصرية السماح بنقل كافة وثائق الجامعة العربية إلى المقر الجديد في تونس، وامتناع بعض الدول الغربية عن التعامل معه كأمين عام جديد للجامعة العربية لفترة طويلة لاحقة

وبتوليه هذه المسؤولية أصبح القليبي أول أمين عام للجامعة العربية يحمل الجنسية التونسية، ليدخل بذلك في دائرة الضوء، خاصة وأن توقيت توليه هذه المهمة جاء وسط صراعات عربية لافتة، تخللتها العديد من الانقسامات التي أثرت كثيرا على مبادئ العمل العربي المشترك، ببروز جبهات عربية منها جبهة الرفض، التي غذتها مواقف سياسية عالية السقف تردد صداها من بغداد في عهد الراحل صدام حسين، إلى طرابلس الغرب في عهد معمر القذافي، مرورا بتطورات القضية الفلسطينية في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات.

وأخذ القليبي على عاتقه، منذ انتقال الجامعة العربية إلى تونس، مُحاولة ترميم التصدعات التي لحقت بالجامعة العربية، حيث جمع حوله فريقا من أبرز النخب والكفاءات العربية منها الجزائري الأخضر الإبراهيمي، واللبناني كلوفيس مقصود، إلى جانب عدد من التونسيين منهم حمادي الصيد والمنجي الفقيه، وسعى إلى العمل من أجل تفعيل مؤسسات العمل العربي المشترك.

غير أن الأحداث التي عرفتها المنطقة العربية كانت جسيمة، والانقسامات كانت عميقة جداً. وجد القليبي نفسه كأنه يحارب طواحين الهوى. اصطدم منذ البداية بتفسيرات مُتناقضة لقرار نقل مقر الأمانة العامة للجامعة العربية من القاهرة إلى تونس، القرار الذي أثار جدلا واسعا آنذاك حول مدى قانونيته في الأساس.

نهج الحوار المستحيل

تولي أول تونسي لمنصب أمين عام الجامعة العربية أدخله بسرعة في دائرة الضوء، بالتزامن مع بروز جبهات عربية عديدة، منها جبهة الرفض التي قادها عراق الرئيس الراحل صدام حسين.
تولي أول تونسي لمنصب أمين عام الجامعة العربية أدخله بسرعة في دائرة الضوء

ينص ميثاق الجامعة العربية، في المادة العاشرة منه، على أن تكون القاهرة هي المقر الدائم للجامعة العربية، أما مجلس الجامعة من الممكن أن يجتمع في مكان غيره، وهو ما يعني أن أي قرار بنقل الجامعة من مقرها يعد غير صحيح، إلا إذا تم تعديل ميثاق الجامعة، وهي المادة التي استندت إليها بعض الدول العربية في ذلك الوقت لتبرير عدم اعترافها بشرعية نقل مقر الأمانة العامة من القاهرة إلى تونس. وجعلت تلك التطورات القليبي يصطدم بالعديد من العراقيل، منها رفض السلطات المصرية السماح بنقل كافة وثائق الجامعة العربية إلى المقر الجديد، أي تونس، في الوقت الذي امتنعت فيه بعض الدول الغربية عن التعامل معه كأمين عام جديد للجامعة العربية لأكثر من سبعة أشهر، حتى أن الولايات المتحدة عادت للتعامل مع الجامعة العربية بعد أكثر من عام على نقلها إلى تونس.

وعرفت ولاية القليبي كأمين عام العديد من الأحداث البارزة، منها تشكيل لجان لتنقية الأجواء العربية، وبحث الوضع في القرن الأفريقي وجنوب أفريقيا، ودعم التعاون العربي الأفريقي، وإدانة الإرهاب الدولي وفي مقدمته الإرهاب الصهيوني داخل الأراضي العربية المحتلة وخارجها، والسعي لتحقيق الأمن القومي العربي، وتنقية العلاقات العربية، والمؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط، والمقاطعة العربية لإسرائيل، ودعم الانتفاضة الفلسطينية، والترحيب بقيام الجمهورية اليمنية، والهجرة اليهودية إلى فلسطين وخطرها على الأمن القومي العربي. كما عرف عهده أيضا عقد ثلاث قمم عربية عادية وست غير عادية، أبرزها قمة عمان التي عُقدت في العام 1987، والتي خرجت بعدة قرارات كان أهمها إنهاء المقاطعة مع مصر، وإعادة العلاقات الدبلوماسية معها، من منطلق أن الجامعة العربية تضم كل ما هو عربي، ليُرفع في 2 يونيو 1989، علم مصر من جديد على مقر الجامعة العربية في تونس.

سعى القليبي طيلة ولايته إلى محاولة تكريس نهج الحوار، لكنه فشل في ذلك، لتكون القمة العربية الطارئة التي دعت إلى عقدها مصر يومي 9 و10 أغسطس من العام 1990، بمثابة اللحظة الفارقة التي دفعته إلى الاستقالة، حيث اجتمع القادة العرب في تلك القمة للنظر في غزو العراق للكويت.

وبدا منذ البداية أن القادة العرب الذين شاركوا في تلك القمة التي تغيب عنها الرئيس الراحل صدام حسين، يتجهون نحو إدانة الغزو العراقي للكويت، بما يُبرر العدوان الأميركي على العراق، حيث فرض رئيس القمة آنذاك حسني مبارك على المشاركين المرور الى التصويت لينقسم القادة العرب، وصوتت 12 دولة مع إدانة الغزو العراقي للكويت، مقابل امتناع 8 دول عن التصويت منها تونس والجزائر وليبيا واليمن والأردن وفلسطين. وتشير وثائق تلك القمة إلى أن خلافات حادة جرت بين الرئيسين الراحلين حسني مبارك ومعمر القذافي، الذي لم يكتف بتوجيه اتهامات عديدة لمبارك، وإنما ذهب أيضا إلى انتقاد الشاذلي القليبي، حيث خاطبه قائلا ”يا سي الشاذلي لماذا لم تقل للرئيس مبارك إن قرارات الجامعة تُتخذ بالإجماع؟“، وذلك قبل أن ينهره أمام الجميع، وأمام عدسات المصورين العرب والأجانب، قائلا ”امْشِ… امْشِ”.

ويرى مراقبون أن ما حصل في تلك القمة دفع القليبي إلى تقديم استقالته التي أعلنها في الخامس من سبتمبر من العام 1990، ليتولى عصمت عبدالمجيد منصب الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، لتنتهي بذلك مسيرة رجل بدأ مُهتما بالثقافة والفكر، وكان يعتبر الفعل الثقافي أداة مهمة في ضمان حيوية المجتمعات، لينغمس في السياسة حتى التهمته كواليسها. ولكنه مع ذلك، كان كثيرا ما يُردد أنه لم يندم على توليه الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، التي مكنته من معرفة العديد من القادة والزعماء العرب الذين طبعوا التاريخ العربي المعاصر. رحل القليبي ولم ترحل ظلاله على عمل الجامعة العربية الذي أنهكه، والذي لا يزال متعثراً حتى اليوم، بفعل واقع عربي مشرذم ”يوشك أن يكون الدواء فيه أشد  من الداء“ كما قال القليبي في نص استقالته ذات يوم.

من بيان استقالة القليبي

لقد التزمت الصمت، كل هذه الأيام، وعلى مثل الجمر، منذ الثاني من أغسطس المنصرم، من دون إخلال بواجبي القومي. فأجريت عديد الاتصالات. وأصدرت عديد الرسائل، عربياً ودولياً، علناً وسراً، وشاركت في كل الاجتماعات المشتركة. وذلك تحاشياً لتعميق الخلافات القائمة داخل الأسْرة العربية، آملاً أن تسفر الجهود المبذولة عن الحل السياسي، الكفيل، وحده، بإنقاذ وحدة الصف العربي، ومصير الأمة. ولكن، اليوم، وقد أصبح من الواضح، أن العمل العربي مُقدِم على انقسام خطير، وربما لمدة طويلة، أجدني مضطراً إلى الكلام.

إنني لا أنحاز إلا إلى الطرف العربي، الذي في حاجة إلى دعم أسْرته العربية. إن الصومال تعرض لعدوان إثيوبيا، وليبيا تعرضت للعدوان الأميركي، والعراق طوال سنوات الحرب مع إيران، وسورية لأنها سد في وجه إسرائيل، ولبنان في صورة متواصلة، يعاني ويلات الحرب، والسودان يعاني مآسي اقتصادية واجتماعية، وتتعرض وحدته الترابية للخطر، ومنظمة التحرير لأنها تكافح من أجل ما تعتبره الأمة قضيتها المركزية. واليوم، دولة الكويت.

ومن حق الكويت علينا، اليوم، أن نكون إلى جانبها. كما أن من حق المملكة العربية السعودية علينا، أن نشد أزْرها في ما تعتقد أنه خطر، يهدد أمنها. ولكن، من حق العراق، أيضاً، علينا، ألاّ نتركه عرضة لأشرس عدوان جماعي أجنبي، لا يهدف إلى الذود عن الشرعية الدولية، بل إلى مآرب معروفة، حاجات في نفوس آل يعقوب.

إن جامعة دولنا، تواجه، اليوم، انقساماً خطيراً، بسبب ما حدث في الكويت، ولأن الدواء يوشك أن يكون أشد من الداء، بل يخشى أن يكون قاتلاً؛ إذ إن الدمار يهدد، اليوم، المنطقة كاملة، وكذلك القضية المركزية، قضية الشعب الفلسطيني، والانتفاضة المجيدة الباسلة، وقضية لبنان الجريح، التي تراجعت في سلم الأولويات العربية والعمل العربي المشترك، ولم تعد تحظى بأي اهتمام.

الشاذلي القليبي

الأربعاء 5 سبتمبر 1990

 

12