الشارع الدمشقي بطل فيلم "نفق الجلاء"

روائي قصير يسكت عن الكلام ليسرد الواقع السوري المأزوم عبر الصورة.
الثلاثاء 2021/09/14
فتاة تواجه مصيرا مجهولا

تهدف السينما إلى توثيق ما يعيشه الإنسان في محيطه عبر دلالات بصرية موظفة، تقدّم من خلالها مقولات فكرية تصل بها إلى أبعاد أخلاقية وإنسانية يختلف عمقها وتأثيرها بين فيلم وآخر. والروائي السوري القصير “نفق الجلاء” يكتب قصة شعب يعاني الكثير من المصاعب من خلال سيل من الصور التي يرسمها نص العمل وطاقمه الفني.

دمشق - تبدو الرمزية حاضرة بقوة في الفيلم الروائي السوري القصير “نفق الجلاء”، كونها تشكّل الحامل الحكائي فيه لتقديم قصة الوطن السوري من خلال مساحة مكانية لا تتجاوز مئات الأمتار.

والفيلم الذي تنتجه المؤسسة العامة للسينما في دمشق، عن سيناريو ديانا جبور وإخراج مجيد الخطيب، يقدّم ما يمكن تأطيره بلوحة بانورامية من خلال وجهة نظر ضيقة مكانيا وواسعة زمنيا عن تبدلات مجتمعية عاشها بلد عريق خلال عقد من الزمن.

نفق الجلاء هو ممرّ للمشاة وسوق تجاري صغير تحت طريق سريع  في أحد أرقى شوارع دمشق، وهو قريب من صالة رياضية حمل اسمها. وفي هذا السوق العديد من المحلات التجارية التي اختارتها الكاتبة بعناية لتوصل رسالة رمزية عن فكرة التغيّر الكبير الذي أصاب المجتمع السوري في سنواته العشر الأخيرة.

في الفيلم شخصيات تتصارع وتتلاحم في مصائر مجهولة، فهناك محل الشرقيات الذي يمثّل ماضي البلد الذي يواجه فترة مأزومة، وعلى مقربة منه يكمن مقهى الإنترنت الذي يُحاكي المستقبل، ويكون مسرحا لأحداث معاصرة نازفة وما بينهما محل الورد الذي يحمل طاقة الحب والإنسانية التي تكون بين الناس عامة.

وفي تماس مع كل هؤلاء تغدو حركة الشابة الرياضية حدثا معيشيا يتكرّر بشكل يومي إلى أن يحدث طارئ، في زمن مختلف ومزاج غير مسبوق، فتكون النتيجة لحظات تفجّر مآسٍ لم تكن تخطر على بال.

مشوار عابر للأجيال

مئة متر كافية لسرد أوجاع وطن
مئة متر كافية لسرد أوجاع وطن

لا يبدو المخرج مجيد الخطيب معنيا بالحديث عن فيلمه بمقدار ما تهمّه النتيجة التي ينوي تقديمها على الشاشة، والتي يراهن على مدى أهميتها وتقبّل الجمهور لها، قائلا في اقتضاب “لم يعد مجديا في عصرنا الكلام فلجأنا إلى الصورة”.

ومجيد الخطيب سليل بيت فني وإبداعي، فوالده باسل الخطيب المخرج السينمائي والتلفزيوني الشهير، وجده لأبيه الشاعر يوسف الخطيب الذي ارتبط اسمه بالقضية الفلسطينية شعرا وفكرا، أما والدته فهي الصحافية والكاتبة ديانا جبور صاحبة سيناريو “نفق الجلاء”.

والمخرج الشاب درس السينما في الولايات المتحدة وعاد منها مزوّدا بأفكار سينمائية يطمح لتحقيقها في وطنه سوريا، بعد مشاركات عديدة له في مجال التمثيل التلفزيوني مع والده، كان أهمها تأديته دور الطفل نزار قباني في المسلسل الشهير الذي قدّمه باسل الخطيب عن الشاعر السوري الراحل قبل سنوات، كما ساهم مع والده في كتابة فيلم “الاعتراف” الذي أنتج منذ أعوام.

ويعتمد الخطيب الابن في فيلمه “نفق الجلاء” على اللغة البصرية التامة؛ إذْ لا مكان للحوار فيه، فالأفكار التي تقدّم ستصل إلى الجمهور من خلال تشكيلات بصرية يشتغل عليها بعناية بالتعاون بينه وبين مدير الإضاءة الشهير ناصر ركا الذي يقدّم في الفيلم جهدا مضاعفا.

الفيلم يقدّم وجهة نظر ضيقة مكانيا وواسعة زمنيا عن تبدلات مجتمعية عاشتها سوريا خلال عقد من الزمن

والمكان الذي صوّرت فيه معظم مشاهد الفيلم محصورة في بعض المحلات التجارية التي تقع أسفل الطريق السريع، حيث تنعدم فيها الفضاءات البصرية وكذلك مناظر السماء والأشجار وسواها. فتغدو عملية تصوير فيلم  يحمل الكثير من الدلالات الحسية العميقة، في ظل هكذا ظروف محفّزة على التحدّي بما تحتاجه من مهارات إبداعية كُفُؤة.

وعبر زمن الفيلم القصير نسبيا ستكون الصور ناقلة لأفكار تتحدّث عن معنى التغيّر الذي طرأ على حياة المجتمع السوري خلال حرب سبّبت بوطأتها الشديدة تمايزات يلمسها أي شخص يعيش في سوريا التي ذهبت بها الحرب إلى مطارح غريبة وشاذة.

ورغم عملها في الإدارة من حين إلى آخر متنقلة بين أكثر من مسؤولية، منها مدير التلفزيون السوري ومدير عام مؤسسة الإنتاج التلفزيوني والإذاعي وحاليا مدير عام شركة إنتاج خاصة وجمعية نسائية أهلية، لم تبتعد ديانا جبور يوما عن منصة العمل الإبداعي في الكتابة وهي التي جاءت من مهنة الصحافة.

قبل سنوات كتبت بعض الأفلام القصيرة على غرار “صورنا” و”شجرة الحياة”، كما كتبت سهرة تلفزيونية بعنوان “جليلة”، وفي الموسم الماضي ظهر لها مسلسل تلفزيوني طويل حمل عنوان “خريف العشاق”.

وخلال أغسطس الماضي صوّرت لها المؤسسة العامة للسينما فيلما روائيا طويلا بعنوان “الحكيم” وهو من إخراج زوجها باسل الخطيب وبطولة الفنان دريد لحام. وقبل أيام انتهت عملية تصوير فيلمها القصير “نفق الجلاء” وهو من إخراج ابنها مجيد الخطيب.

بين الطموح والخبرة

Thumbnail

عن هذه التجربة تقول جبور “هي محاولة لنقول شيئا ما في عصر لم يعد الكلام فيه مفيدا. الأمور الكثيرة التي حدثت كانت ثقيلة وحجم ما جرى كان جديرا بتغيير أشكال أرواحنا وضمائرنا ومصائرنا لحدود بعيدة، فغدا الكلام غير متاح، فاخترنا لغة الصورة كي نكتب بها البعض من الأفكار التي تجول بخواطرنا. الفيلم هو جزء من ذواتنا نصرّح به للعامة بصيغة السينما”.

وساهم بالعمل في الفيلم على مستوى التمثيل كل من جرجس جبارة وحسين عباس وعاصم حواط ويزن الخليل وترف التقي وعمر بدران وسلمان رزق ونوار سعدالدين وبيدرو بارصوميان وزينة ريشة وقصي الطويل وميس الزعيم والطفل جواد محمد السعيد.

وكثيرا ما يتمّ الحديث في أروقة السينما السورية عن ضرورة وجود دماء شابة ترفد الحياة السينمائية في البلاد بأفكار وأساليب عمل جديدة، وهو الأمر الحتمي والمطلوب في كل سينمات العالم.

ولكن الأمر يبدو مختلفا في سوريا نتيجة شحّ الإنتاج، حيث انكفأ الإنتاج الخاص بالبلد عن العمل في مجال السينما إلى ما يقارب الصفر، تاركا للقطاع الحكومي تولي هذه المهمة منفردا من خلال المؤسسة العامة للسينما التابعة لوزارة الثقافة السورية، والتي تُنتج سنويا ما يقارب الخمسين فيلما بين الأفلام الاحترافية وأفلام الهواة التي تخصّص لها ما يقارب الثلاثين فيلما من خلال مشروع دعم سينما الشباب الذي أطلقته منذ تسع سنوات.

هذه الطاقة الإنتاجية الضعيفة نسبيا قدّمت خلال السنوات القليلة الماضية عددا من التجارب لبعض المبدعين الذين درسوا السينما في مصر ولبنان وروسيا والولايات المتحدة وبلدان أخرى، فظهرت بعض الأسماء التي أوجدت لنفسها مساحات على منصة السينما السورية والعربية على حد السواء.

ونال بعض هؤلاء السينمائيين جوائز في مهرجانات سينمائية عربية وإقليمية وعالمية وتحقّق الهدف المطلوب بفتح المجال أمامهم لاقتحام الحياة السينمائية السورية بشكل احترافي، من هؤلاء السينمائيين يحضر اسم مجيد الخطيب بقوة إلى جانب كل من ميار النوري والمهند كلثوم ورامي نضال حميدي وحازم زيدان وخالد عثمان والسدير مسعود.

ومن مشروع دعم سينما الشباب ظهرت بعض الطاقات الهامة منها يزن آنزور وأسامة عبيدالناصر وأنس الزواهري وعلي الماغوط وحسام شراباتي وأريج دوارة، كما ظهرت بعض الأسماء التي عملت في سوريا وحقّقت نجاحات هامة منها أيهم عرسان والمهند حيدر وآخرون.

من كواليس تصوير فيلم "نفق الجلاء"
من كواليس تصوير فيلم "نفق الجلاء"

 

16