الشارع السوداني يستعيد زمام المبادرة من السلطة

تجدد نبض الشارع يدفع باتجاه خمول تحركات تنظيم الإخوان في ظل تمسك المواطنين بالمسار الانتقالي.
الأربعاء 2020/07/01
الشارع يستعيد صوته بعد خفوت

الشارع السوداني أثبت مجددا أنه بالمرصاد لأي انزلاقات من السلطة الانتقالية، التي تجد نفسها اليوم أمام خيار واحد وهو الاستجابة للمطالب الثورية وفي مقدمتها محاسبة رموز النظام السابق وتصويب عمل لجنة إزالة التمكين لتصبح أكثر فاعلية في مواجهة فلول البشير.

الخرطوم - أعادت المسيرات التي نظمها مواطنون سودانيون في ذكرى الثلاثين من يونيو الزخم للثورة والشارع، ما يعطى دفعة جديدة لتصويب مسار المرحلة الانتقالية، واستكمال هياكل الحكم، وإنجاز جملة من الملفات العالقة لأسباب سياسية وأخرى ترتبط بالتوازنات بين المكونين المدني والعسكري.

واحتشد عشرات الآلاف من المتظاهرين الثلاثاء، في عدد كبير من ولايات السودان، وكان الحشد الكبير في مدن العاصمة الثلاث، الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري، ورفعوا شعارات نادت بالقصاص لشهداء ثورة ديسمبر، وتحقيق باقي مطالبها، وسط وجود كثيف من قبل السلطات الأمنية التي أغلقت كافة جسور ولاية الخرطوم، وسدت المنافذ المؤدية إلى مقر القيادة العامة لقيادة الجيش.

ونجحت لجان المقاومة الشعبية التي قادت التحركات في توصيل رسالة المتظاهرين إلى السلطة الانتقالية، والتأكيد أن الشارع مازال يشكل القوة الفاعلة التي تستطيع تحريك جمود المواقف السياسية، كلما اقتضت الضرورة ذلك، واستطاعت اللجان فرض كلمتها بعد أن أفشلت محاولات فلول نظام الرئيس المخلوع عمر حسن البشير في استغلالها لإسقاط الحكومة الانتقالية.

قالت مصادر ميدانية لـ”العرب”، إن لجان المقاومة الشعبية بمشاركة أسر الشهداء وبعض كيانات تجمع المهنيين تمكنت من تعبئة الشارع لاستكمال أهداف الثورة وتصحيح مسارها، ونجحت حملات طرق الأبواب التي جرى تنظيمها خلال الأيام والأسابيع التي سبقت المظاهرات في وأد ملامح الاستقطاب الذي ظهر من خلال محاولات فلول البشير للانقضاض عليها.

يوسف الصديق: مطالب الثورة يجب أن يجري الاستجابة لها اليوم وليس غداً
يوسف الصديق: مطالب الثورة يجب أن يجري الاستجابة لها اليوم وليس غداً

وأضافت المصادر ذاتها، أن خشية المواطنين من عدم وجود إجراءات احترازية أثناء المظاهرات في ظل تفشي فايروس كورونا، أثّر بعض الشيء على الأعداد المشاركة في المواكب المختلفة، غير أن التظاهرات حققت قدراً كبيراً من أهدافها قبل انطلاقها، بعد أن أعلنت الحكومة الانتقالية الاستجابة للمطالب السياسية.

واستبق رئيس الحكومة الانتقالية عبدالله حمدوك اندلاع المظاهرات، ووجّه كلمة للشعب السوداني، مساء الاثنين، أكد فيها “أن جميع المطالب التي قدمتها القوى السياسية ولجان المقاومة الشعبية والمقاومة الشعبية وأسر الشهداء مشروعة وهي استحقاقات لازمة لا مناص عنها، وأن حكومة الفترة الانتقالية سوف تعمل على تنفيذها بالشكل الأمثل الأسبوعين المقبلين، متوخين في ذلك التوصل إلى أعلى درجات التوافق والرضا الشعبي”.

وتنوعت مطالب القوى السياسية التي رفعتها خلال التظاهرات، لكنها تركزت بالأساس على تحسين الأوضاع المعيشية المتردية واستكمال هياكل الحكم، وهي: تعيين الولاة والمجلس التشريعي والحكم المحلي وتشكيل المفوضيات وتسريع مسار عملية السلام والبدء في إجراءات العدالة في مواجهة رموز النظام السابق وتحديد تاريخ نهائي لإنهاء أعمال لجنة التحقيق في مجزرة فض اعتصام مقر القيادة العامة للجيش وتشكيل جيش وطني موحد.

وأظهر خطاب حمدوك تأييده للتظاهرات التي تدفع نحو المزيد من تمكين المكون المدني في الفترة الانتقالية من خلال تعيين الولاة المدنيين والمجلس التشريعي، والتي كان اندلاعها العام الماضي أحد أسباب تحقيق شراكة عاجلة للمدنيين في الحكم.

ويعد 30 يونيو هو تاريخ صعود جماعة الإخوان الإرهابية للحكم في السودان عام 1989، وتحوّل منذ العام الماضي إلى ذكرى مجيدة، بعد أن تمكنت قوى الثورة من استعادة بريق الثورة عقب فض الاعتصام، مطالبة بالحكم المدني، ما نتج عنه التوقيع على الوثيقة الدستورية التي جرى بمقتضاها اقتسام السلطة بين المدنيين والعسكريين.

ويرى مراقبون، أن التظاهرات تجعل السلطة الانتقالية بجميع مكوناتها أكثر حرصاً على الالتزام بالوثيقة الدستورية، وتصبح تحركات الحكومة أمام رقابة أكبر من خلال الضغط الشعبي وكذلك عبر المجلس التشريعي الذي أضحى تشكيله مسألة وقت.

وأوضح تجمع المهنيين، أحد الكيانات الفاعلة داخل تحالف الحرية والتغيير، أن خروج جموع المواطنين يستهدف فرض إرادة الشارع من أجل التحقيق العاجل لمطالب ثورة ديسمبر واستحقاقاتها، وأن المظاهرات تؤكد أنه لا مجال للتهرب والتسويف بالخطب والوعود، ولا يمكن التلاعب بأهداف الثورة الناصعة.

وأشار عضو اللجنة المركزية لتحالف الحرية والتغيير، صديق يوسف، إلى أن التظاهرات استهدفت التأكيد على أن مطالب الثورة يجب أن يجري الاستجابة لها اليوم وليس غداً، وأي عرقلة لتنفيذ مطالب الثوار سيكون الشارع حاضراً وبقوة لفرض إرادته، وهذا الأمر ينطبق أيضاً على مباحثات السلام التي أخذت وقتاً طويلاً وأثرت سلباً على المرحلة الانتقالية، ولن يقبل الشعب إضاعة الوقت في مباحثات مستمرة.

وأشار إلى أن المطالب التي رفعها المتظاهرون جرى الاتفاق عليها في الاجتماع الثلاثي بين مجلس السيادة والحكومة الانتقالية وقوى الحرية والتغيير، السبت، لكن في المقابل لم يلق بعضها قبولاً من قبل القوى السياسية أو المكون العسكري، ومن المهم البدء في تنفيذ المتفق عليه، واللجوء إلى الحوار السياسي للوصول إلى نقاط مشتركة في القضايا الخلافية.

ولم يكشف يوسف، القيادي البارز في الحزب الشيوعي، عن ماهية القضايا التي تشهد خلافاً، غير أن العديد من المراقبين قالوا إنها ترتبط بالترتيبات الأمنية المتعلقة بدمج الحركات المسلحة والميليشيات داخل جيش قومي. وتعاملت السلطات السودانية مبكراً مع أي محاولات لاختراق التظاهرات وأوقفت، مساء الاثنين، رئيس حزب المؤتمر الوطني المنحل، إبراهيم غندور، على خلفية رصد تحركات مشبوهة للنظام البائد تسعى للعنف وإثارة الفوضى، وأعلنت أنها داهمت اجتماعا لقيادات من حزب المؤتمر الوطني المحلول والحركة الإسلامية وأوقفت نحو تسعة أشخاص خططوا لأعمال عدائية قبل أيام.

يدفع تجدد نبض الشارع باتجاه خمول تحركات تنظيم الإخوان بعد أن أدرك أنه لا أمل في عودة قريبة إلى السلطة، في ظل تمسك المواطنين بالمسار الانتقالي بالرغم من صعوبة الأوضاع المعيشية والصحية والاقتصادية، الأمر الذي يعطي الحكومة الحالية ثقة في اتخاذ قرارات ثورية بحق رموز البشير، وتصويب عمل لجنة إزالة التمكين لتصبح أكثر فاعلية في مواجهة فلول البشير.

وأكد الكاتب والمحلل السياسي، خالد سعد، لـ”العرب” أن فئة الشباب والقوى المشتبكة بشكل مباشر مع الجماهير هي الرابح الأكبر من المسيرات التي انطلقت في غالبية الولايات السودانية، وجميع القوى السياسية على الساحة ستعمل جاهدة على كسب هؤلاء لصفوفها بعد أن خرجوا من المعادلة منذ التوقيع على الوثيقة الدستورية.

2