الشارع القديم

السبت 2014/05/31

رائد “المخبل” كانت علامة فارقة في شارعنا القديم، تسميه بعض الأمهات قاطع طريق؛ هذا لأنه كان يتحين الفرص للقاء الجميلات بعد عودتهن من المدرسة الثانوية أو الجامعة لينهال عليهن بسيل من الشتائم والألفاظ النابية يتبعها بكلمات غزل رقيقة، حيث يتحول بين اللحظة الأولى والثانية إلى كائن مختلف تماما.

وفي كل مرة، وقبل أن يتسنى لرائد الاسترسال في غيه والانقــضاض على فريسته يظهر الفارس المغوار بين ثـنايا الشــارع لينقذ الفتاة المسكينة من براثن المجــنون ويشـيعها بعد ذلــك بابتــسامة خجولة معــلقة على حبال الأمل، عساها تــكون من نصيب أحلامه في يــوم ما من المســتقبل الذي ظل مجــهولا حتى اللـحظة.

هذا الفارس كان يتغير اسمه كل يوم؛ فهو “حيدر” في يوم الثلاثاء أو الأربعاء و”أحمد” يوم الخميس و”نمير” يوم الاثنين وإبراهيم في يومي السبت والأحد، أما يوم الجمعة فهي العطلة الرسمية لرائد المجنون.

شارع 16 في الحي القديم، لم يمر مرور الكرام على ساكنيه الذين تغيروا غير مرة، بعضهم هاجر إلى شوارع أخرى، وبعضهم هاجر إلى قارات أخرى، كما ترك البعض الآخر عطر أرواحهم التي غادرت الدنيا في زوايا الشارع وثنية قميصه.

الفرسان غادروه الواحد تلو الآخر؛ إلى الحرب الأولى، فالحرب الثانية، فالسجن الذي غلقت أبوابه على الجحيم.

وأخيرا، تسنى لما تبقى منهم اقتناص برهة من استراحة محارب على إسفلت بارد في شوارع غريبة لا تتحدث بلغة الاشتياق ولا يهمها – طبعا- أن تسأل عن أحوال ساكنيها، والأهم من ذلك، ليس فيها شارع واحد بالرقم 16.

والجميلات أيضا تركن الشارع في حوادث زواج غامضة، وكن أحلاما بديلة لفرسان غرباء نجحوا في التسلل إلى أملاك الغير وسرقوا الجميلات من قصص أحلام، حيدر وأحمد وإبراهيم ونمير.

فمن الذي تفضل من الشارع القديم غيره؟

نعم، صمد رائد “المخبل” صمود الأبطال؛ فلم تنجح الآلة العسكرية في هرسه مع بقية أفراد الشعب في شوارع المدينة، فبقي نخلة سامقة لا تهزها الرياح ولا تحركها عواصف التغيير.

حافظ رائد على وجوده المادي خارج مشهد الدمار، ربما لأن عقله “الضئيل” لم يستوعب الكثير من تفاصيل الألم وربما توقف في مخيلته مد الذكريات الجميلة التي رحلت عن واقعنا؛ نحن الذين سجلوا خياناتهم بأقلام الغربة للشارع الذي هجرناه إلى غير رجعة وما هجرنا.

ربما، رائد ذاك، استسلم لنوم عميق أمده عشرين عاما، فاستيقظ توا في كامل قواه البشرية.

لكن هذا لم يحدث؛ فحين نجح أحد الفرسان في العودة لتفقد التجاعيد التي نبتت على وجه الشارع القديم، تعثرت خطواته بشيخ مسن كان يسند ظهره إلى جذع شجرة مائــلة عند زاوية البيت الأخــير.

وحين تسنى له التمعن في الملامح الدارسة التقت نظراته بنظرات رائد.. الشيخ الجليل، كان نظراته هذه المرة ثابتة وحاسمة، فلم يعد رائد (مخبلا) بعد أن سحقته الأحداث بأقدامها القاسية، بل كان في كامل قواه العقلية، غير أن دمعة واحدة لا أكثر، صارت معلقة في زاوية نظراته تأبى النزول إلى مثواها وتأبى الرجوع إلى محاجرها.

21