الشارع المصري في واد والأحزاب في واد آخر

يثير احتدام الخلافات للسيطرة على اللجان النوعية بمجلس النواب، الذي سيعقد أولى جلساته اليوم الأحد يثير المزيد من الغضب في الشارع المصري، الذي يشعر أنه تم خداعه خلال الحملات الانتخابية وأنه انتهى باعطاء صوته لأحزاب كرتونية لن يكون لها دور مفصلي في البرلمان.
الأحد 2016/01/10
فراغ لن تملأه الأحزاب الكرتونية

القاهرة – تنطلق اليوم الأحد أولى جلسات مجلس النواب المصري الجديد، وكل حزب يشحذ هممه للسيطرة على جزء من كعكة اللجان النوعية داخل البرلمان، بينما يظل الشارع المصري يعاني من استمرار حالة الفراغ السياسي، جراء غياب دور الأحزاب.

وشهدت الأيام الماضية العديد من الاجتماعات والمناقشات داخل الأحزاب للاتفاق على الأسماء التي ستترشح على رئاسة اللجان، ويسعى كل منها إلى فرض سطوته على لجان مهمة، مثل الدفاع والتعليم والصحة والعلاقات الخارجية والأمن القومي.

حزب الوفد، أقدم الأحزاب المصرية والذي حصل على 35 مقعدا في الانتخابات الأخيرة، يأمل نائبه اللواء شوقي صلاح عقيل في الحصول على رئاسة لجنة الدفاع والأمن القومي، فيما يسعى فؤاد بدراوي نائب رئيس الحزب في الترشح لمنصب وكيل مجلس النواب.

وأعلن حزب المصريين الأحرار، الذي حصل على 72 مقعدا، ترشحه على رئاسة ثلاث لجان، وهي الصحة والنقل والمواصلات والزراعة، بالإضافة إلى رغبته في الحصول على وكالة أربع لجان، وهي الصناعة، الاقتصادية، الخطة والموازنة، الإدارة المحلية، بجانب أمانة السر في لجان السياحة، واللجنة التشريعية ولجنة الاقتراحات والشكاوى، علاوة على رغبته في أن يحصل على أحد وكيلي المجلس.

وينوي مستقبل وطن، الحزب الأحدث في الحياة السياسية المصرية، والذي حصل على 51 مقعدا، الترشح على رئاسة خمس لجان، هي الدفاع والشباب والسياحة والأمن القومي وحقوق الإنسان والصناعة والطاقة؛ فيما قالت مصادر بائتلاف دعم مصر، وهو تحالف يضم الأغلبية داخل البرلمان لـ “العرب”، إن الائتلاف سيحدد أسماء المرشّحين على كل من وكالة المجلس ورئاسة ووكالة وأمانة سر اللجان النوعية بالبرلمان، قبل ساعات من انطلاق أول جلساته.

صراع الأحزاب على تركة البرلمان الجديد مسألة متوقعة، لعدم وجود قاعدة سياسية لأي من الأحزاب

في المقابل، يعاني الشارع المصري وتحديدا الشباب من حالة إحباط شديدة نتيجة الخلافات التي دخلت فيها الأحزاب السياسية، واحتدمت عقب انتهاء الانتخابات البرلمانية، ووصول كل حزب إلى هدفه، والذي تمثل في كرسي تحت القبة ليدافع من خلاله عن مصالحه الحزبية الضيقة.

وقالت سكينة فؤاد، مستشارة الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، لـ”العرب” إن انفصال الأحزاب السياسية عن الشارع المصري ظهر واضحا خلال نسب التصويت في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. وأشارت إلى أن هناك أزمة أخرى تسبب فيها بعد الأحزاب عن الشارع، وظهرت تجلياتها خلال انتخابات مجلس النواب، وهو ما تمثل في طرح العديد من المواطنين لسؤال كيف ننتخب أسماء لا نعرفها.

وحذّرت فؤاد من أن الفراغ الحالي يغذّي ويشجّع الجماعات الإرهابية على المضيّ في مخططاتها بالتوازي مع عمليات العنف التي تمارسها، وتهتم مرة أخرى بالعزف على وتر احتياجات الناس وتلعب على عقول الشباب، الذين قد يتصورون أنهم مضطهدون سياسيا.

من جانبه، يرى حسام عيسى، نائب رئيس الوزراء المصري الأسبق، أن اهتمام الأحزاب السياسية بالشارع يحتاج لظروف محددة وأجواء مناسبة تفرض عليهم النزول للشارع. وأوضح، في تصريحات لـ”العرب”، أن القوى السياسية المصرية في ثورة 1919 مثلا نجحت في تجميع نفسها، وأسست حزب الوفد، الذي كان يقود الحياة السياسية في ذلك الوقت، وهو عكس ما حدث في ثورة يناير 2011، حيث تفتت جهود القوى السياسية المدنية على أحزاب صغيرة، لرغبة كل شخص في الحصول على مكاسب بعيدا عن المصلحة العامة.

الفراغ الحالي يغذّي ويشجّع الجماعات الإرهابية على المضيّ في مخططاتها بالتوازي مع عمليات العنف التي تمارسها

وقال إن صراع الأحزاب على تركة البرلمان الجديد مسألة متوقعة، لعدم وجود قاعدة سياسية لأيّ من الأحزاب، بالتالي فلن يكون هناك خلاف سياسي قويّ تحت قبة البرلمان، فأغلب النواب يؤيدون النظام الحاكم حاليا ويسعون لتطبيق أجندته.

وفي الظروف الحالية، والكلام لحسام عيسى، لو قررت الأحزاب البقاء 20 عاما في الشارع فلن تكون لها شعبية كبيرة، لأنها منفصلة عنه منذ زمن طويل، لافتا إلى أن خطة الأحزاب تقوم على انتهاز نزول الجماهير للشارع خلال التظاهرات من أجل التأثير عليها.

من جانبه، قال صلاح هاشم، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الفيوم، إن الأحزاب السياسية المصرية لا تسعى للوصول للسلطة وأكبر أهدافها الحصول على مقعد بالبرلمان الجديد، أو المشاركة في تشكيل حكومة، بل إن البعض يتركز هدفه فقط على مجرد المنافسة في الانتخابات المحليات، التي من المتوقع أن يفتح باب الصراع حولها في غضون أسابيع مقبلة.

واتفق مع التقديرات الشائعة بأن أغلب الأحزاب السياسية الحالية “أحزاب كرتونية”، بمعنى أنه ليس لها وجود حقيقي في الشارع، والكثير من المصريين لا يعرفون أسماءها بعد أن تخطى عددها المئة حزب. بالإضافة إلى أنها لا تملك برامج اجتماعية واقتصادية محددة لتقنع بها الجماهير، لكنها تعتمد على أسماء محدودة لأشخاص لهم تاريخ سياسي، يتم استغلاله للوصول إلى البرلمان.

وقال هاشم إن حوالي 95 بالمئة من الأحزاب الحالية لها أيديولوجيا واحدة تتوافق مع سياسة النظام الحاكم، دون معارضة تستطيع أن تناقش برنامج الحكومة، مؤكدا أن ما يحدث في البرلمان حاليا سينتقل بالتابعية للمحليات.

وأبدى خبير علم الاجتماع انزعاجه من أن يؤدي الفراغ السياسي الذي يعاني منه الشارع المصري إلى تأثيرات سلبية على مستويين، أحدهما يتعلق بالشباب، بعد أن فشلت الأحزاب في استقطابه، وهو ما يجعل لدى هذا القطاع المهم رغبة في التظاهر، وانفجار تلك الفئة ربما تكون له انعكاسات خطيرة على الحالة السياسية العامة في البلاد. أما المستوى الآخر فيتعلق بالمواطن العادي، الذي شكل وعيه الإعلام بدلا من الأحزاب السياسية، وقد يتم توجيه هؤلاء إلى أهداف خاصة، بعيدا عن المصالح العليا للبلاد، ما يشكل خطرا ثانيا على السلطة الحالية.

4