الشارقة تطرح أسئلة السينما البديلة

الفلسفة الناظمة للقاءات مارس تتمحور على طرح قضايا كونية تهتم بالإنسان في محيطه وعلاقاته.
الثلاثاء 2018/04/03
تدابير سينمائية مجدية

الشارقة – تقود صحوة الفنانين ويقظة ضمائرهم دائما للسير ضد تيار العولمة الجارف الذي يرغب في تسليع كل شيء بما في ذلك الخيال والإبداع، ويحوّل كل الظواهر المتعالية إلى بضاعة تمر عبر صناعة النجوم، وتترسّخ بفعل الدعاية وآليات الموضة والإشهار ممّا يجعلها تتحوّل بفعل هذه الخطة التواصلية (التوصيلية) المُحكَمة إلى ظواهر شبيهة بالفقاعات سرعان ما يجبّ بعضها البعض.

ضدا على هذا المنطق تسير السينما البديلة نحو ارتياد آفاق أخرى للبحث عن جمهور آخر، وعبر قنوات أخرى كي تقدّم له مقترحات إبداعية تختلف عن السينما التجارية التي تهيمن على اقتصاد السينما وعلى خيال الناس وأوقات “فراغهم”، فتُعوّده على طريقة مشاهدة أخرى يسترد بموجبها قيمته بعد أن حوّلته السينما التجارية إلى كائن استهلاكي، واختصرته في تذكرة أو رقم ينضاف إلى قائمة “البوكس أوفيس”، بل إنها جرّدته من حسه التأملي والنقدي، ومن متلق إيجابي إلى سلبي، ومن عاشق للجمال وباحث عنه إلى مصفّق للنجوم ومتتّبع لسكناتهم وحركاتهم.

فضاءات أخرى

ضمن فعاليات “لقاء مارس” الذي تسهر على تنظيمه ورعايته “مؤسسة الشارقة للفنون” بدولة الإمارات العربية المتحدة، يجتمع عدد كبير من النقاد والأكاديميين والفنانين الذين تشكّل أعمالهم المعروضة فرصة لإثارة القضايا التي يطرحها فن السينما على ممارسيه، وكذلك على المهتمين به.

تعرف السينما دينامكية كبيرة ومتجددة على صعيد البحث عن آفاق جديدة ومختلفة لترويج الأفلام السينمائية التي لا تمر عبر قنوات الاستغلال والتوزيع والعرض الجماهيرية، كقاعات السينما والمركبات الكبرى التي صارت تقترن فيها المشاهدة بطقوس استهلاكية “كوسموبوليتانية” ترتبط بالثقافة الحضرية في شقها القطيعي

وتتمحور الفلسفة الناظمة للقاءات مارس على طرح قضايا كونية تهتم بالإنسان في محيطه وعلاقاته؛ إذ ناقشت هذه السنة مسألة المقاومة من خلال النظر في التنظيم كعمل أساسي وحالة للإنتاج الفني والثقافي.

وبما أن اللقاءات العربية التي تعنى بعلاقة الفن المعاصر بغيره من الفنون تظل قليلة، فإن علاقته بالسينما مهمة بالنظر إلى اكتساح فنون الشاشة لشتى مناحي الحياة، والتي يقابلها ضعف التكوين لدى المتلقي على مستوى الاكتساب الكافي لثقافة الصورة عموما؛ حيث تجتمع ثلة من الفنانين والمتخصّصين في الوطن العربي ومحيطه للحديث عن السينما وأدواتها وما يطرأ عليها.

وينفتح اللقاء على فضاءات كثيرة تحوي معارض للفن التشكيلي والنحت والفوتوغرافيا والتركيب والأداء والفيديو والإبداعات السمعية والبصرية، فضلا عن ذلك، تنعقد ندوات هامة ومكثفة تنصب على مواضيع دقيقة تُعنى بالبحث في تطورات الفن المعاصر، وتنكفئ على تشريح تجاربه، ورصد امتداداته وتداخلاته التي بلغت من الجرأة والإدهاش ما يلفت النظر والتأمل.

وتعكس الإبداعات المعروضة على الشاشة داخل الفضاءات المبرمجة ضمن “لقاء مارس″ لهذه السنة أهمية التداخل بين الفنون، مما يجعل الجماليات البصرية المنبثقة عنها جديرة بالأولوية، فهي تعكس مدى الرهانات التي تشغل بال المبدعين المعاصرين خصوصا وأن بعضهم يعرض على الشاشة إبداعات تمتح من السينما، وتستعير اللغة السينمائية، كالأفلام الوثائقية وأفلام التحريك والفيديو والمنجزات السمعية البصرية والعروض الفوتوغرافية الخاضعة لاشتغال فني (بعْديّ) خاص، وذلك ما يمكن تسميته بالعرض البديل، أي ذلك المنجز الفني الذي أبدعه فنان بغاية الإمتاع البصري، مستعينا بمهاراته الفنية (تشكيل، نحت، فوتوغرافيا..) قصد عرضه على الشاشة، وهو الأمر الذي يفرض عليه الارتماء في أحضان السينما بكل ما يحمله المصطلح من انفتاحٍ على تقنياتها وتاريخها وأعلامها ونظرياتها وأفلامها الراسخة والمؤثّرة سواء استعمل الكاميرا أو لم يستعملها، لأن الشاشة هي الرهان الأول والأخير.

وقدّمت اللقاءات عروضا كثيرة نذكر منها “حول الطين: السدود والمقاومة” للفنان اللبناني علي شري، و”البقية تأتي” (فيديو تركيبي) لشريف واكد، و”مكنسة” (فيديو ثنائي القنوات) لرائدة سعادة، و”لقاءان وجنازة” (فيديو رقمي تركيبي متعدّد القنوات صورة وصوتا) لنعيم مهيمن، و”كورشاتوف 22″ (عمل بصري تركيبي عالي الدقة بصوت محيطي) للفنانة الكازاخستانية ألماغول مينليباييفا، وفيلم “عزيزي الحيوان” لمها مأمون، والمشروع البصري المتمثل في فيلم “الوطن” و”أرض العجائب” (فيديو ولون وصوت) و”لاجئ فضاء” (صوت ولون وفيديو كامل وعالي الدقة) و”رحلة إلى المريخ” (فيديو “واقع افتراضي” بنطاق 360 درجة، ودقة 4 كيلوبايت) للفنان هليل التندير.

كما عرض “لقاء مارس” الفيلم الوثائقي “طوفان في بلاد البعث” (2003) للمخرج السوري الراحل عمر أميرالاي، و”قصة الحليب والعسل” (فيديو تركيبي، سلسلة صور فوتوغرافية) لبسمة الشريف، و”البحر الدوّار” لجون أكومفرا (فيلم تركيبي ملون، عالي الدقة، ثلاثي القنوات).. وتحرص هاته الأعمال التركيبية والبصرية والأدائية على تكسير الهوة بين الفنون دون التفريط في تقاليد الإخراج والتمثيل والعرض، ويدفع بالفنان إلى تغيير مفهوم المحترف أو الورشة أو المرسم كي يصير له معنى آخر تقتحمه التكنولوجيات السمعية البصرية والميلتيميديا.

تجارب بديلة

في فيلم "مكنسة" تعبير عن اللامبالاة بما يقع لفلسطين
في فيلم "مكنسة" تعبير عن اللامبالاة بما يقع لفلسطين

تتميز بعض الأعمال المعروضة في “لقاء مارس” بفرادة أفكارها، كما هو الحال في فيلم “مكنسة” لرائدة سعادة، الذي يصوّر امرأة تستعين بمكنسة كهربائية لتطهير وكنس جبل فلسطيني، وقد استعملت الفنانة تقنية التصوير الرقمي مع الاعتماد على مزجِ صوت المكنسة والريح معا لخلق بيئة صوتية شبيهة بحالة الهدير التي تعرفها المنطقة. ولا يمكن للمشاهد إلاّ أن يدرك، وهو في قاعة العرض الصغيرة المظلمة قدرة تلك التقنية على فصله عن العالم الخارجي وإدخاله إلى جو من التركيز الكبير على ما تقوم به المرأة التي لا ترفع رأسها من شدّة الاهتمام بعملها، والانقطاع عمّا يجري من حولها كتعبير عن اللامبالاة بما يقع لفلسطين في ظل تجاهل عام من محيطها؛ إذ لم يعد أمام المرأة إلاّ تطهير الذات ومراجعة العلاقة مع الآخر.

وسلّطت إحدى الجلسات الضوء على بعض التجارب السينمائية البديلة سيما على مستوى إحداث دور العرض البديلة، كسينما “عقيل” التي قدّمتها صاحبة المشروع بأنها ليست مجرد صالة عرض توجد في مركز تجاري، وإنما هي سينما متنقلة، تهدف إلى جذب جمهور خاص، عاشق، يبحث عن أفلام مختلفة، ويرغب في رؤيتها بأسلوب مختلف، ولذلك فهي تقترح عليه نماذج فيلمية يصعب العثور عليها في قاعات العرض، وهي ذات رؤى جمالية وفنية تحيل على مرجعيات راسخة في تطوير الفن السينمائي.

وفي نفس السياق هناك تجربة هندية مثيرة للغاية، تستعمل تقنية العرض بواسطة دراجات نارية ثلاثية العجلات بغرض الوصول إلى الأماكن الضيقة والأحياء الفقيرة لعرض أفلام وثائقية توعوية وأخرى سينمائية درامية، وذلك لتقديم بدائل فيلمية عن الأعمال البوليودية التي يتم إنتاجها وفق وصفة جاهزة تعتمد النجوم وصراع الخير والشر وتوظيف الموسيقى والرقص والأغاني والقصص الغرامية والحركة.

ويمكن الحديث عن السينما البديلة من باب الإخلاص لمبدأ حقوقي معين أو قضية ما، وذلك بهدف التعريف بها، والتأريخ لها، وخاصة تلك المضايقات التي تحد من حرية الإنسان والشعوب.. وعليه، فقد قدّمت ريم شلة (مؤسسة “سبفيرسف فيلم” الفلسطينية) بعض الأفلام السينمائية القصيرة التي تهم جوانب تاريخية مكرسة في عموميتها لحفظ الذاكرة الفيلمية الفلسطينية، وقد تحدث برفقتها الفنان والمخرج الغاني جون أكومفرا حول قضايا “السينما الثقافية” و”الفضاءات السينمائية التاريخية” المنبثقة عن التعاون الجماعي لصناعة الأفلام. وتشكل مثل هاته الملتقيات غير المكرسة للسينما بشكل مباشر، إتاحة الفرصة للتفكير في السينما من زوايا أخرى موازية أو متفاعلة، ففي الفوتوغرافيا والفيديو، مثلا، هناك انشغال بالتأطير وزوايا النظر وتقنيات التصوير وغيرها من القضايا التقنية والجمالية المشتركة مع السينما، والتي لا يمكن الحديث عنها دونما اللجوء إلى المفاهيم والمرجعيات المشتركة، لذلك، لا يمكن للفن أن يتطوّر من داخل ذاته فحسب، وإنما بمدى قدرة صاحبه على الانفتاح على فنون أخرى، ونسج علاقات مختلفة معها، تماما  كما يفعل المبدعون والفلاسفة وغيرهم.

16