الشاشية التونسية رمز للسلطة والنفوذ في غرب أفريقيا

اشتهرت الشاشية التونسية في العديد من الدول الأفريقية بعد أن تراجع لبسها في بلادها، وأصبح سادة القوم في نيجيريا والنيجر يقتنونها، كما اشتهرت في ليبيا أيضا، لكنها اليوم مهددة بالاندثار بسبب صعوبة ترويجها في تلك الدول وأيضا بسبب التهديدات الإرهابية التي تعانيها المنطقة من قبل “بوكو حرام”.
الثلاثاء 2016/05/03
جيل يرث المهنة

تونس - “الشاشية” أو هذا الطربوش الصوفي الأحمر الذي لا تعرف سر صناعته إلا تونس، يمر في السنوات الأخيرة بصعوبات على مستوى التسويق المحلي والتصدير، خصوصا عقب تنامي التهديدات الإرهابية في بلدان غرب أفريقيا التي تعتبر أبرز زبائن المنتج التونسي.

ووجدت “الشاشية”، القادمة أصلا قبل قرون من بلاد الأندلس، موطئ قدم في تونس على يد المورسكيين (مسلمو الأندلس) الذين أجبرهم الأسبان على مغادرة البلاد بعد سقوط الأندلس في أواخر القرن الخامس عشر، لكن جذورها تعود إلى منطقة القوقاز، والشيشان على وجه التحديد، والتي اتّخذت منها تسميتها. إلا أنّ روايات أخرى تقول إن بعض السلاطين العثمانيين ساهموا في انتشار “الشاشية” في ربوع السلطنة العثمانية وفي أفريقيا وآسيا لتصبح رمزا يتباهى به الأعيان.

وتحظى “الشاشية” بشعبية بارزة في العديد من بلدان غرب أفريقيا، سيّما في نيجيريا والنيجر، وخاصة لدى القادة السياسيين؛ فالقبعة التونسية التقليدية التي يطلق عليها “دارا” في لغة الهاوسا (اللغة المحلية الأكثر انتشارا في النيجر)، تعدّ رمزا للسلطة والنفوذ.

مصطفى زبيرو، من السوق الكبيرة بالعاصمة النيجرية نيامي وأحد مستوردي “الشاشية” التونسية، قال إنّ “الرئيس النيجري الحالي محمدو يوسوفو يضع الشاشية القادمة من تونس، علاوة على الرئيسين السابقين مامادو تاندجا وماهامان عثمان اللذين لبسا “الشاشية” ولا يزالان يفعلان ذلك إلى اليوم، والأمر سيّان بالنسبة إلى العديد من قادة الأحزاب السياسية في البلاد”.

رواج كبير كانت تلقاه “الشاشية” التونسية، قبل أن يتراجع إشعاعها الإقليمي تحت وطأة التهديدات الإرهابية التي ألقت بثقلها على منطقة غرب أفريقيا، جراء الهجمات المتكرّرة لـ “بوكو حرام”، وتداعيات التدهور الأمني الناجم عنها على الاقتصاد وسوق “الشاشية” على وجه الخصوص، ما تسبب في انخفاض صادرات الطربوش التونسي نحو بلدان القارة السمراء، بحسب عدد من الحرفيين التونسيين.

الشاشية تمر بـ 6 مراحل تبدأ بالحياكة، ثم الدعك والتمشيط والصباغة، والقالب واللمسات الأخيرة

وبحسب أحدث إحصائيات ديوان الصناعات التقليدية التونسية الصادرة في 2014، فإنّ قيمة صادرات الشاشية ناهزت الـ 617 ألف دينار تونسي (نحو 300 ألف دولار)، مسجلة بذلك تراجعا قدره 42.34 بالمئة مقارنة بعام 2013.

يعود هذا الانخفاض إلى تأزم الوضع الأمني في ليبيا التي كانت أهم نقطة عبور للشاشية نحو بلدان غرب أفريقيا، وخصوصا نحو كلّ من النيجر ونيجيريا، وفق المصدر نفسه.

حافظ بالعايش، حرفي تونسي يدير ورشة ورثها عن والده في سوق “الشواشين” الواقعة في مدينة تونس العتيقة بقلب العاصمة، قال إن السوق المحلية تعاني من حالة ركود منذ سنوات (مردّه تراجع إقبال التونسيين على شراء الشاشية)، إلا أن تصدير المنتج إلى بلدان أفريقيا هو ما كان يمكّن بعض الحرفيين المتمسّكين بحرفة الأجداد من الاستمرار”، مضيفا ” إنّ الوضع الراهن في هذه البلدان التي تعيش على وقع تهديدات “بوكو حرام” المسلحة يجعل من تصدير الشاشية في الوقت الراهن أمرا شبه مستحيل”.

تراجع قيمة العملات الأفريقية المحلية مقابل الدولار، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بنقل الأموال، وعدم استقرار هذه الأسواق على خلفية الهجمات الإرهابية، تعدّ من العوامل الرئيسية لركود الصادرات، بحسب عائدة العباسي، الحرفية الوحيدة التي ورثت صناعة الشاشية عن والدها (حرفة يمتهنها الرجال بشكل حصري)، بعد أن تحصلت على تفويض من مجلس العشرة (لجنة متخصصة تتكون من قدماء الناشطين في هذا المجال وتسند التراخيص).

شاشية لبسها المشاهير

عائدة أضافت أن نيجيريا التي تعاني من تأثيرات تهديد “بوكو حرام” ليست الوحيدة التي تستورد الشاشية وإنما أيضا ليبيا المجاورة لتونس، والتي تعتبر أكبر مستورد للمنتج التقليدي.

غير أنّ الأزمة التي تشهدها ليبيا تجعل من أي تبادل تجاري بين البلدين شبه مستحيل وتكتنفه المخاطر.

هذا الوضع يضاعف من مشاكل القطاع الذي يعاني، منذ سنوات، من نقص على مستوى التنظيم، ومن تخلي جيل الشباب عن مهنة الأجداد.. جملة من العوامل كان لا بدّ أن تفقد سوق “الشواشين” بسببها بريقها المعتاد في الماضي، حيث أضحت حرفة صناعة الشاشية تقتصر على عدد قليل من الأشخاص ممن يحدوهم الإصرار على مقاومة الضغوطات، بحسب عائدة.

وبخصوص أصول الطربوش التونسي، أوضح المؤرخ التونسي عبد الستار عمامو أن الشاشية كانت جزءا من الزي الشعبي قبل عام 1830 عندما قام السلطان العثماني محمود الثاني بجملة من الإصلاحات العسكرية، أهمها حل الجيش الانكشاري وتأسيس جيش عصري مستوحى من النموذج الأوروبي، ما استوجب تغيير اللباس العسكري ليصبح الطربوش أبرز عناصره، ومنذ ذلك الوقت بات رمزا للرقي والرفعة.

زي الجيش الجديد المستوحى من النموذج الأوروبي، يتابع المؤرخ التونسي، لم يكن يتماشى مع العمامة التقليدية التي كانت تلف رؤوس الجنود في ذلك الزمن، فكان أن اختار السلطان “الشاشية” التي انتشرت بين سكان المناطق التي تخضع لحكم الإمبراطورية العثمانية، على غرار ألبانيا وليبيا ومالي واليونان والسنغال.

ومنذ ذلك الوقت، أضحت الشاشية التونسية رمزا للرفعة الاجتماعية، و”اكسسوارا” ترتديه الشخصيات صاحبة النفوذ. كما شهدت الشاشية نموا غير مسبوق لتصل شهرتها إلى الجزائر وليبيا والكاميرون ونيجيريا (خاصة) ومصر والسودان وتركيا وحتى اليونان. وفي هذه البلدان مر الطربوش بعدة تحولات، من بينها ذاك الذي يصدّر إلى تركيا، والذي يسمى “الشاشية اسطنبولي” (في إشارة إلى مدينة اسطنبول التركية، والأخيرة تتميز بالارتفاع والاستقامة، وهناك أيضا الشاشية الموجّهة إلى البلدان الأفريقية وبالخصوص ليبيا، و يُعرف هذا النوع من الشاشية بلونه الداكن (أحمر أرجواني أو أسود).

ورغم أن صناعة الشاشية الأصلية صعبة وتمر بكثير من المراحل، إلا أن سعرها لا يزال “منخفضا”، بحسب الحرفيين التونسيين، حيث يتراوح من 5 إلى 7 دولارات، سواء عند عرضه للبيع محليا أو عند تصديره.

لسعد عزاوي، حرفي يعمل منذ سنوات في ورشة “العباسي” الواقعة في سوق الشواشين، أوضح أن صناعة الشاشية تمر بـ 6 مراحل تبدأ بعملية الحياكة (للحصول على “الكبوس”)، ثم الدعك (ليصبح الكبوس خشنا) والتمشيط والصباغة، وأخيرا وضعه في القالب وإضافة اللمسات الأخيرة.

20