الشاعرات السعوديات حرّرن القصيدة

المرأة لعبت دورا مهما في إثراء الحركة الأدبية والشعرية في السعودية رغم العوائق التي فرضت عليها.
الثلاثاء 2020/10/13
المرأة الشاعرة كان لها تأثير كبير (لوحة للفنان محمد خياطة)

تمكنت الكثير من الكاتبات السعوديات من كسر الحواجز المفروضة عليهن من قبل المجتمع الأبوي، وقدمن تجارب أبعد من الإطار النسوي الذي حصرهن فيه النقاد. وهذا ما تثبته تجارب شاعرات كثيرات كن رائدات في تحرر الشعر السعودي من شكله التقليدي إلى فضاءات جديدة، خاصة مع قصيدة النثر، التي كتبنها باقتدار.

 تحتل الشاعرة السعودية داخل المشهد الشعري العربي مكانة مهمة وتحظى بتقدير واسع من جمهور المتابعين والدارسين الأكاديميين والنقاد، حيث استطاعت أن تواكب تجليات التمرد الشعري شكلا وموضوعا انطلاقا من الشعر الحر ومرورا بقصيدة التفعيلة وانتهاء بقصيدة النثر، بل إن نصها كثيرا ما يأتي أكثر تمردا وخروجا وانفلاتا في رؤاه وأفكاره وجمالياته الفنية من نص الكثير من الشعراء.

تتبع تطور التجربة الشعرية السعودية على مدار تاريخها الحديث
تتبع تطور التجربة الشعرية السعودية على مدار تاريخها الحديث

الكثير من الشاعرات بدأن رحلاتهن مع الكتابة باستخدام نمط جديد غير الذي اعتدنا عليه من قبل بتعزيز للجانب الفحولي، لكن بعرض قضاياهن على الملأ، ففضحن من خلال ما يكتبن كل الحقوق التي حرمن منها في السابق، وكشفن ما اقترفه المجتمع الذكوري في حقهن فجاءت نصوصهن مهاجمة وثائرة على هذا المجتمع وكأنها تعلن أخذ الثأر منه.

هذا ما اشتغلت عليه الناقدة أسماء عطا جادالله في كتابها “الانفلات النصي.. دراسة تفكيكية في القصيدة النسوية السعودية المعاصرة”، مؤكدة أنه على الرغم من كل هذه القيود والالتزامات التي حددها الدين والمجتمع، فإن المرأة السعودية أتت في نصها الشعري منفلتة ثائرة على كل هذه التعاليم والالتزامات التي ألزمها إياها الدين والمجتمع.

الانفلات والتحرر

في كتابها الصادر، بالتعاون بين النادي الأدبي الثقافي بنجران ومؤسسة أروقة للنشر، توضح جادالله مظاهر الانفلات كاشفة للقارئ رحلة هذه المرأة في الثورة والتغيير، وكيف انفلتت أولا عن التصور الديني ورفضت القيود الشكلية، وثارت على انفراد فصول البنات وطالبت بالاختلاط وتعني بالاختلاط هنا تحقيق التوازي بين المرأة والرجل لأن لكل منهما دوره الخاص في المجتمع الذي لا يكتمل إلا بوجود الاثنين معًا كما أصرت على الخروج للأمسيات الشعرية وغيرها من الأماكن، ورفضت المكوث في البيت وأن تقتصر وظيفتها على تربية الأبناء فقط أو العمل المنزلي.

كما انفلتت المرأة السعودية اجتماعيًا عندما اقتحمت الساحات وخرجت من بيتها وانهمكت في عملها وأبدت آراءها في كل شؤون الحياة. ثالثا تبيّن الناقدة كيف انفلتت المرأة السعودية كذلك اقتصاديًا عندما أرادت أن تختص بالأعمال المحتكرة على الرجل فقط لما تتطلبه من قدرات كثيرة قد لا توفق المرأة فيها ولم يبرع فيها إلا الرجال (كما يقال). ورابعا انفلتت ثقافيًا عندما كسرت عمود الفحولة وهو أبرز علامات الذكورة، واتبعت قصيدة النثر والتفعيلة ليس هذا فحسب، بل مدت يدها إلى المحظور وهو اللفظ المذكر الفحل وأخذت القلم المذكر واعتنقت الكتابة وتركت الحكي.

جمعت جادالله في كتابها الضخم بين التنظير والتطبيق، فتتبعت تطور التجربة الشعرية السعودية على مدار تاريخها الحديث، فتناولت في ستة أبواب إشكالية مصطلح الانفلات والمعوقات التي فرضها المناخ السياسي على المرأة. وقدرتها على المواجهة والتخلص من هذه المعوقات، وكذلك رحلة المرأة مع الكتابة وأنماط الانفلات الموجودة في نصها، ثم الإرهاصات الأولى لهذا الانفلات.

الشاعرة فوزية أبوخالد عندما أنشأت قصيدة النثر وأدخلت نوعًا جديدًا من الفن إلى الساحة
الشاعرة فوزية أبوخالد عندما أنشأت قصيدة النثر أدخلت نوعًا جديدًا من الفن إلى الساحة 

كما تناولت النسوية والنقد النسوي، والحركة الأدبية والنقدية في السعودية وتطورات الحركة الشعرية من خلال شعراء الحداثة القرشي والعيسى وغازي القصيبي وما تلاهم من أجيال، لتنطلق بعد ذلك نحو مظاهر الانفلات النصي في الشعر النسوي السعودي واتجاهاته الشعرية، وخلال أبواب الكتاب وفصوله كانت تعمد إلى التحليل والتطبيق لكثير من نصوص الشاعرات والشعراء، وخصصت الباب الأخير في ستة فصول لتحلل أعمال الشاعرات هدى الدغفق، بديعة كشغري، أشجان هندي، لطيفة قاري، فوزية أبوخالد، ثريا العريض.

وتؤكد جادالله أن المرأة لعبت دورًا مهمًا في إثراء الحركة الأدبية والشعرية في السعودية رغم العوائق التي فرضت عليها فإنها حاولت أن تحفر بأظفارها عن موقعها، حتى تحتل هذه المكانة عن طريق استخدام المعجم اللغوي وتغيير النظام السائد في الساحة الأدبية.

فالمتابع لحركة المرأة في السعودية يجد أن لها دورها الفعَّال في مشاركتها المشهودة من الجميع في المهرجان الثقافي وما يحتوي عليه من أعمال قصصية وروائية وندوات ومحاضرات وهذا شيء لا يرى له مثيل من قبل حيث أدى ذلك إلى زيادة عطاء المرأة السعودية الذي بدأ يساير عطاء المرأة العربية والأجنبية، وبدأ ينشر لها خارج الحدود على الرغم من أن ظهورها على الساحة الثقافية والأدبية كان متأخرًا.

وتقول الناقدة “يرجع ذلك إلى الازدهار الشامل الذي عمَّ المنطقة بسبب ظهور النفط الذي مثل نقلة حضارية كبيرة في تاريخ المنطقة، حيث أحدث تغييرا في حالة المجتمع عبر تحويله من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي، ورفع الحياة الاقتصادية في تلك الفترة وهو ما ترتب عليه إنشاء العديد من المدارس نتيجة للنهضة الاقتصادية في المنطقة وإنشاء مدارس لتعليم البنات خاصة”.

شاعرات لا يستسلمن

ترى جادالله أن المرأة السعودية دخلت إلى الساحة الأدبية وشاركت بدور فعَّال في تلك الفترة فأنشأت العديد من الدواوين فهي لم تشارك بإصدار ديوان أو اثنين كما يقول البعض. بل لها مجموعة مكثفة من الدواوين التي أثرت الساحة الشعرية والأدبية. وأحدثت ثورة في المجتمع وكسرت النمط الريادي، وهو ما مثلته الشاعرة فوزية أبوخالد عندما أنشأت قصيدة النثر وأدخلت نوعًا جديدًا من الفن إلى الساحة فهذه الشاعرة “غافلت حراس الشكل الشعري الواحد المتمثل في الشعر العمودي وسرقت شكله لتنفخ فيها الشرارات الأولى لقصيدة النثر على مستوى المملكة”.

ولم يقتصر المشهد على أبوخالد فقط. بل هناك شاعرات كثيرات ممن أضفن للمشهد الأدبي تراثًا زاخرًا يستحق الذكر منهن على سبيل المثال: الشاعرة هدى الدغفق التي تكتب قصيدة النثر، وتكون بذلك امتدادًا لكتابة فوزية أبوخالد بالإضافة إلى أنها تكتب قصيدة التفعيلة، فمن الدواوين التي قدمتها إلى الساحة الأدبية “لهفة جديدة”، “الظل إلى أعلى”، “بحيرة وجهي”، “حفل فراش”،”امرأة لم تكن” وغيرها.

الشاعرة أشجان هندي أصدرت عدة دواوين شعرية
الشاعرة أشجان هندي أصدرت عدة دواوين شعرية

كما يمكن ذكر الشاعرة أشجان هندي التي أصدرت عدة دواوين شعرية “للحلم رائحة المطر”، “مطر بنكهة الليمون”، “ريق الغيمات قيد الطبع”، “حروب الأهلِّة”. والشاعرة بديعة كشغري التي تتسم كتابتها بالكثافة والتوسع والتعرض للقضايا الكونية المختلفة كقضية الوطن والمرأة وتبحر خارج الحدود فتتحدث عن قضية فلسطين، ومن دواوينها “مسري الروح والجسد”، “الرمل إذا أزهر”، “شيء من طقوسي”، “إيقاعات امرأة شرقية”، ع”لى شاطئ من دمانا”. ثم تأتي لطيفة قاري بديوانين كثيفين هما “هديل العشب والمطر”، “لؤلؤة المساء الصعب”.

وترى جادالله أن المرأة استطاعت أن تثري الحركة الأدبية ليس بالتجديد في الأساليب والإقدام على تجربة أدبية جديدة كقصيدة النثر أو التفعيلة فقط، بل استطاعت أن تبين دورها كذات في هذه الساحة الأدبية التي لم تتطرق إلى مثل هذا من قبل، فترجمت أعمال بعض الشاعرات إلى اللغات الأخرى فالترجمة لهؤلاء يعني الدخول الثقافي والمعرفي مع لغة الآخر. بالإضافة إلى أن الترجمة استشراف حضاري تأخذ فيه الشاعرة طريقها إلى مناطق ثقافية حضارية عبر اللغات الأخرى.

وتشير الناقدة إلى أن من مظاهر الانفلات النصي في القصيدة السعودية عامة والنسوية خاصة ظهور شعر التفعيلة المنفلت من القصيدة العمودية التي كانت كتلة صلبة متماسكة لها موضوع واحد وغرض واحد تسير عليه، وذلك حسب طبيعة الحياة التي كان يعيشها الشاعر فالحياة كانت محدودة والقبيلة كانت دائرة مغلقة على الشاعر بالإضافة إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية الطاغية عليه فكانت القصيدة لها شروط محددة تسير عليها إذا فقدت شرطًا محددًا لها تكون عرضة للنقص وعدم التقدير الكافي.

وبسبب انفتاح العالم العربي على الثقافة الجديدة والاختلاط بالشعوب المجاورة لم يسلم الوطن العربي من التأثير والتأثر الذي أدى إلى تقوية العلاقة بين الشعوب، فنتيجة ازدهار الحركة الاجتماعية والثقافية والسياسية.. إلخ، التي حدثت في فترة النهضة انقلب العالم العربي رأسًا على عقب، واستجاب لطبيعة الحياة من حيث التغير والتبدل فكان من نتاج هذا التحول ظهور قصيدة التفعيلة التي كسرت فيها الشاعرة القيود المفروضة على النص الشعري متجاوزة هذه القيود والشروط إلى دوافع وشروط جديدة تواكب التطور والتغير الذي حدث.

وتلفت جادالله إلى أن التجربة الشعرية النسائية في السعودية بدأت إرهاصاتها باتخاذ شعر التفعيلة معبِّراَ رئيسياَ في تشكيلاتها المختلفة، فوجدت الشاعرات أن القصيدة القديمة لا تلائم طموحاتهن وانطلاقاتهن وخبراتهن التي يسعين إلى الوصول إليها. فكان أول انحراف لطريقة الشعر في بداية الأمر، وهو الاعتماد على تفعيلة واحدة والمزج بين أكثر من بحر في النص الواحد، عكس النظام السابق الذي كان البحر يشمل النص كله، فالقصيدة في النصف الثاني من القرن العشرين تطلَّع فيها الشاعر إلى “تحرير مفهومها من نمطية الخيال ومن شكلية البناء الجامد لإطارها الدلالي، فهؤلاء الشعراء سعوا تحديداَ إلى عقد مصالحة بين الشكل والمحتوى وأدى هذا الاتجاه إلى تحرير مخيلة القصيدة من القيد اللفظي الجامد الذي يقيس حدود الدلالة إلى مشابهة الواقع.

كتابات الشاعرة بديعة كشغري تتسم بالكثافة والتوسع والتعرض للقضايا الكونية المختلفة
كتابات الشاعرة بديعة كشغري تتسم بالتوسع والتعرض للقضايا الكونية المختلفة

ومن هنا تحرر الإطار التشكيلي لبناء القصيدة وإذا كان شعراء الرومانسية وآخرون من قبلهم قد ركزوا جل اهتمامهم على إفساح المجال للتعبير اللفظي ليكون محط الخيال ومناطًا للتخييل فقد ظهر أن هذا المنحى هو استعادة الوجه القديم من وجوه القصيدة العربية وإن كان قادرًا على استكشاف الانفعال الفني والتقليدية مع إعطائها وجهًا براقًا باعتمادها على القيمة اللفظية في القصيدة الوجدانية“.

وترى جادالله أن انتشار التعليم في السعودية مثّل خيطا للمرأة تنتقل به إلى ما تشاء وما تريد فاتسعت رؤيتها وانتقلت إلى البلاد المجاورة، وتفاعلت مع الثقافات الوافدة من شتى البقاع، وتمكنت رغم ما واجهته من تأخر في بلدها أن تحفر لنفسها موقعًا على مستوي عالمي أكبر فاتجهت إلى تناول العديد من القضايا التي تعاني منها المرأة عامة وأبدعت في كل شيء ثائرة ومقتحمة ومهاجمة لكل من يقف في طريقها ليحجب ما تريد الوصول إليه والنظر فيه، فاتجهت إلى ما يجول بداخلها من كبت غير مقيدة بأي شرعية أخلاقية أو فكرية أو سياسية أو اجتماعية، متجرئة بحكم طبيعتها المتجددة على كشف حقيقة المجتمع النسوي في الانفلات من كل مظهر سائد.

وأكدت جادالله أن إبداعهن يمثل صياغة جماعية تبيّن مقاومة الآخر لإثبات قضيتهن الأساسية وهي إشكالية الوجود. فالهدف الذي يحاربن من أجله واحد، وهو ما يمثل هجومًا جماعيًا لا يعرف المفاوضة والاستسلام. لذلك تمكنت الشاعرة من أدائها الفني ومن إنتاج قاموسها الشعري بإبداع نص منفرد بوعي وحكمة يصور الواقع بكل رموزه ورؤيته المنتقاة لأنها حملت سنوات طويلة من الكفاح والانفلات بهدف تحقيق حلمها وتطلعاتها إلى غد يكون أجمل إشراقا وأرحب فضاء ومن أجل إثبات وجودها ومشاركتها الحياتية فلعبت دورًا بارزًا ومهمًا في سعيها المتواصل للانعتاق من قيود الأمية والخروج الواعي من ترسبات الجهل والتخلف اللذين عاشتهما قبل التعليم الرسمي.

15