الشاعرة البحرينية وضحى المسجن: الكلمة لا يمكنها التغيير

تنتمي الشاعرة البحرينية وضحى المسجن، من مواليد البحرين 1979، إلى جيل شعري عاصر مناطق مهمة من التجربة الثقافية في الوطن العربي والبحرين، حيث وقف عند مفاصل مهمة شكّلت تجربته التي انعكست على مواقفه ورؤاه للحياة وللشعر. بعض هذا الجيل طلّق الشعر ليدخل المعترك السياسي، وبعضه وقف على النقيض مكتفيا بالفرجة من أعلى التل دون أن يعنيه كل ما يجري حوله من دمار، والبعض الآخر أثث بيته الخاص مالئا الحياة بالأسئلة الوجودية والشعرية. والمسجن أبت إلّا أن تنتمي تجربتها إلى الفئة الثالثة. “العرب” التقت معها في حوار حول الشعر والثقافة والكتابة وعن اهتماماتها.
الثلاثاء 2016/01/12
الكلمة هي أثر الفراشة

تكتب الشاعرة البحرينية وضحى المسجن ما تظنه الشعر -حسب تعبيرها- منذ كانت في الثالثة عشرة من عمرها، وبدأت النشر في سن التاسعة عشرة بتشجيع من بعض الكتّاب البحرينيين بعد انضمامها إلى ملتقى الأربعاء الذي أقامته أسرة الأدباء والكتّاب البحرينيين عام 1999. بعدها أصدرت أربع مجموعات شعرية: “أشير فيغرق” 2005، و“كفّ الجنة” 2007، و”بيكيا عشاق” 2010، و“السير وحيدة برفقة أغنية وكلب” عام 2013. ولديها الآن كتاب تعده للطباعة، يتوقع أن يكون قريبا بين يدي القارئ في مطلع 2016.

حول التجربة

منذ أول إصدار عام 2005، والشاعرة وضحى المسجّن متمسكة بالكتابة عموما وبالشعر خاصة، حيث نجدها دائما تعبّر عن نفسها بطريقة فريدة تخصها هي وحدها دون أيّ تشابه في البصمات مع جيل سبقها أو آخر مجايل لها، فهي تذهب إلى القصيدة وكلها قناعة بأنها تروّض العالم المتوحّش وتخفف من ألمه.

تقول المسجن: لا أعرف إن كنت ستصدقني حين أخبرك أني على كل ما يظهر من تمسكي بالكتابة، لا أفكر في نفسي كمشروع كاتبة، أكتبُ تجاربي وما أعايشه، لأني محتاجة إلى الكتابة، وأكتب حين لا أحتمل الحياة، ولو كانت الحياة شِعريّة بما يكفي لتوقفتُ عن كتابة ما أظنه الشِعر، كل ما في الأمر أن الكتابة تمنحني فرصا لتقبّل الحياة بظروفها المختلفة وانعطافاتها المفاجئة، وأعتقد أن الفنون كلها تحمل هذه القدرة التي تتيح لنا استيعاب الألم البشري بكل قلقله وهواجسه، وأسئلته. أعرف أنه من العبث أن تحدث جائعا أو مشردا أو شخصا فقد عزيزا نتيجة لعبة السياسة التي لا تنتهي أو نتيجة أي ظرف آخر، عن أهمية قراءة قصيدة أو سماع مقطوعة موسيقية أو تأمل لوحة، لكن الفن فيه هذه الطاقة القادرة على ترويض التوحش والعنف، وهي الموجودة في الإنسان ضد الآخر والمختلف، وبالتالي فبإمكانه تخفيف حدّة النتائج التي تأتي ضد الإنسان وتنال منه.

كتبت المسجّن عمودا أسبوعيا في جريدة الأيام البحرينية عام 2010، وتوقفت عن كتابته بعد عام، وتحديدا بعد أحداث 14 فبراير 2011، لأنها -حسب تعبيرها- لم تكن قادرة على الكتابة في ظل كل المتغيرات التي يشهدها الوطن العربي. لهذا توقفنا معها للحديث عن تجربة الكتابة، وإلى أيّ مدى تمتلك الصحافة سقفا بالإمكان أن يحلّق في فضائه الكاتب المشغول بقضايا شعبه.

الفن فيه الطاقة القادرة على ترويض التوحش والعنف، وهي الموجودة في الإنسان ضد الآخر والمختلف

تحدثنا ضيفتنا قائلة: كتبتُ عمود “ورق ورد” في الصفحة الثقافية لصحيفة الأيام لبعض الوقت، ثم تحوّلت إلى كتابة عمود أسبوعي في صفحة قضايا، بناء على اقتراح الكاتب سعيد الحمد، المشرف على الصفحة في تلك الفترة، لكني في يوم ما من سنة 2011، أرسلتُ للمشرف على الصفحة أعلمه أني سأتوقف عن الكتابة. لا أستطيع الكتابة في ظل كل ما يحدث، ولم يكن توقفي تعبيرا عن موقف ما ضدّ الصحيفة أو انتماء لجهة ما، وإنما كان أمرا ذاتيا بحتا، أنا بطبيعتي ميالة إلى الهدوء وتجرحني الأحداث بسرعة، وفي تلك الفترة تعطلت أصابعي وقدرتي على التفكير، ففضلتُ أن أتوقف وأستسلم للعزلة في محاولة لاستيعاب ما يحدث حولي سواء في الوطن العربي أو في البحرين.

أثر الفراشة

لقد انتهت أسرة الأدباء والكتّاب البحرينيين، وأقفلت أبوابها، وما عاد البيت الأليف الآمن الذي كان المثقفون البحرينيون يسكنونه لسنوات طويلة كتفا لكتف في مشهدية حميمية، وكان يغبطهم عليه مثقفو الجوار الخليجي.

ترى المسجن بأن أسرة الأدباء لم تغلق أبوابها فعليا في وجه أيّ أحد، لكن الأدباء، في رأيها، أغلقوا أبواب أرواحهم على خلفية ما حدث في 2011، وسارعوا بتقديم استقالات جماعيّة، وهي ردة فعل من الصعب تقييمها، كما ترى، لأنها كانت محكومة بظروف فترتها بكل متغيراتها، تقول: أنت لا تستطيع تقييم علاقتك بشيء أو كيان في حالة غضب أو توتر أو ارتباك، لذا لم أقدم استقالتي حينها ووجدتُ أن الأمر يتطلب التروّي، في النهاية الأسرة دخلت في مرحلة صمت طويل بحيث تساوى المستقيل والباقي.

وتضيف: في العموم، الأمر يحتاج إلى الأفراد أكثر من الأمكنة، يحتاج إلى الرغبة في تلقي الآخر الذي يلتقي معك في الهواجس ذاتها والقلق الإبداعي ذاته، وقد نجح المبدعون البحرينيون في ذلك بشكل ما رغم كل ما مرّ في 2011 من انقسامات، وقد قامت أكثر من جماعة ثقافية بمحاولة خلق نشاط ثقافي بحريني يلـم الشتات، منهـا “مجاز” و“وجود”.

الهويّة أمر لا يمكن إخضاعه

وعن التجربة النسوية ومقولاتها لا تميل وضحى إلى تقييم التجربة الإبداعيّة وفقا لجنس كاتبها، فالكتابة -حسب رأيها- هي الكتابة سواء كان منتجها رجل أو امرأة، تقول: خصوصيّة أيّ تجربة كتابيّة هي خصوصيّة إنسانية في المقام الأوّل، تليها الخصوصية الفرديّة المتعلقة باختلاف تجارب الكتّاب سواء كانوا ذكورا أو إناثا وفقا لطبيعة بيئاتهم وظروف حياتهم، وفي تصوري أن التغيرات التي طرأت على الوطن العربي من شأنها التأثير على الأدب في عمومه وليس على النتاج الكتابي للمرأة فقط.

تقول الشاعرة: الهويّة أمر لا يمكن إخضاعه للشرط السياسي، واختلاف الآراء السياسية والتوجهات بين أفراد مجتمع واحد، وليكون المجتمع البحريني فيجب أن لا يؤثر على الهويّة الأساسية لهم كبحرينيين، فالكل سيظل يحمل موروثا واحدا، نتيجة تربية بطريقة معينة وضمن ثقافة معينة، وهذا لا يمكن أن تنال منه الصراعات السياسية، حتى في الصراع السياسي، يحضر كل منا بهويته كبحريني، وإن كان يحمل آراء مغايرة أو مختلفة عن بقية الأفراد من البحرينيين.

وتتابع ضيفتنا في الشأن ذاته: الهوية الجامعة موجودة منذ البدء ولا نحتاج إلى خلقها الآن بعد كل ما حدث لنوحد بين أبناء وطن واحد يحملون آراء مختلفة، كل ما هنالك أن هذه الهوية تشتمل على هويّات أخرى جزئية، مثل الهويّة العقديّة وهويّة الانتماء لمنطقة معينة داخل الوطن الواحد، وكذلك الهويّة التي ينتجها الانتماء السياسي، وهذه الهويّات لا تؤثر على الهويّة الجامعة لنا كبحرينيين وإن يكن ثمّة تأثير ظاهر لهذه الهويات على هويتنا الجامعة فهو تأثير شكلي وغير موضوعي.

وعن رأيها في تحييد الفعل الثقافي عن المواقف السياسية في المناشط الثقافية تقول ضيفتنا: لا أتحدث عن البحرين تحديدا، ولكن منطقيّا لا يمكن فصل السياسي عن الثقافي، والمثقفون في كل العالم يدركون ذلك، ولكنهم يطرحون هذه الفكرة بضرورة تحييد الثقافة عن السياسة كنوع من التخفف مما قد تجره عليهم المواقف السياسية من تبعات وهذه المحاولة للتخفف حق للجميع. التحييد بين الثقافة والسياسة له حالة واحدة يمكن أن يكون فيها معقولا وهو حالة الوضع الديمقراطي، حينها يمكن لأي مثقف أن يكرس نفسه للثقافة دون أن يبدي توجهاته السياسية. في النهاية الكلمة التي يكتبها الأديب أو الشاعر للتعبير عن موقفه في الدفاع عن قيم معينة ليست هي ما يصنع التغيير بصورة مباشرة، وإنما أمر أشبه بأثر الفراشة؛ موقف أو كلمة يلفت أحدهما الانتباه ويدفع الآخرين إلى تبنّي مواقف تؤدّي بدورها إلى إحداث التغيير.

15