الشاعرة السعودية رقية الفريد: لا يوجد أكبر من سلطة الرقيب الاجتماعي

الخميس 2015/01/29
هل الشاعرة شجاعة في التعبير عن نفسها وقادرة على الافلات من قيود الرقيب

المنامة- في شراكة جديدة بين منتدى اليراع الأدبي السعودي و”دار مسعى” البحرينية نشرت هذه الأخيرة مجموعة الشاعرة السعودية الشابة رقية الفريد تحت عنوان “عدمٌ أو كخلود الماء”، والذي يأتي ضمن سلسلة مشروع “علي الصافي للإنتاج الشعري”، المؤسس من قِبَل الدار في مطلع العام الماضي، للإسهام في دعم النشاط الشعري الشبابي الحديث، حيث قدّمت دار مسعى من خلاله مجموعة تجارب للشباب كأول كتاب يصدر لهم.

تأتي مجموعة “عدمٌ أو كخلود الماء” واحدة من التجارب النثرية الشبابية التي تضرب ناقوسا بهدوء في جسد اللغة، حيث تذهب بالقارئ إلى مناطق جديدة من الكتابة الخاصة بأسئلة الأنثى المتماهية أحيانا مع وجودها، والغاضبة منه في أحيان أخرى.

هذه الأنثى التي تكتبها رقية الفريد تنحدر من منطقة جغرافية هي الأشدّ انغلاقا ومحافظة وتمسكا بالعادات والتقاليد والأعراف، لذا نجدها في تفاصيل النصوص أنثى خائفة، مترددة، لا تستطيع أن تتجاسر على العالم رغم أنها لا تطيقه. تقول في نص “رحلة بنصف يوم”: “لا قدم لديّ، أنا ثابتة في مكاني، وهي كثيرا في حالة ارتحال طائشة، قدماي تراقصان ظلي في حفلة نهارية، رقص، رقص، رقص، ولا جمهور لنا”.

وتقول في نص “ضيق واسع كجيوب الشحاذين”: “أنا وشم طائر على ظاهر الذراع، طائر يتلوّى، يفرد جناحيه، يقتنص فرصة التحرر، طائر يرفرف بجناحيه، ثم يغيّر رأيه، فلا وطن يستحق الهجرة إليه”.


بيئة منغلقة

مجموعة في حالة ارتحال طائشة


الفريد مثلها مثل بقية جيلها مشغولة بأسئلتها الخاصة حول ما تؤرقها كشاعرة تنتمي إلى جهة كونية محافظة ومنغلقة ومأزومة بالدين وبالتاريخ، لهذا لا تتردد في القول بأن السؤال عن جدوى الكتابة نفسها كان يشغلها حين تحاول أن تدافع عن كيانها الوجودي وسط مجتمع ذكوري محافظ. تقول: “هناك اتهام للشاعرة المرأة بعدم شاعريتها وتفوق الشاعر الرجل بسبب التضييق عليها دينيا واجتماعيا.

لا ننكر توجه المرأة للحدث الديني وخدمته إياها إلا أنه احتكرها واضعا لها الكثير من القيود، واتخذته أيقونة تعريفية لها. ولا ننكر توجهها خفية للشعر الغزلي ممّا دعا إلى عدم مصداقية القصيدة، فالعرف هنا طاغٍ ومراقب. لكن رغم كل شيء على الشاعر -مهما كان جنسه وجنسيته وظروفه- أن ينفتح إلى أبعد من محيطه، وخلق أيقونته الخاصة بعيدا عن التقليد والتقييد”.


مفهوم الرقابة


مجموعة “عدمٌ أو كخلود الماء” تدفع القارئ إلى التساؤل عن مدى شجاعة الجيل الشعري الجديد -النسوي تحديدا- في التعبير عن قلقه وأسئلته وعوالمه بكل ما تحمله من تشظّ وجنون ولا انتماء وضياع.

فهل الشاعرة العربية الخليجية السعودية شجاعة في التعبير عن نفسها؟ أم أنها تلجأ غالبا إلى المجاز الموغل في الرمزية حتى تفلت من تحوّلها إلى “اللقمة السائغة” في فم الرقيب الاجتماعي والسياسي والديني. الفريد تعلّق على ذلك قائلة: “في الواقع المنفعة الفكرية والاستثارة العقلية لا تنفك عن اللغة ولا تتجزأ.

والمجاز -مؤسس القصيدة- يخرج الأشياء من بواطنها وذواتها ليخرق القراءة العادية، ليس غموضا أو صعوبة، بل هي رموز تشفيرية خاصة، عن حالة أو تجربة ناشئة بعد مشاهدات. لكن كوننا شعراء نحاول تجاوز الحالة الرقابية مجازيا إلا أنه لا يوجد أكبر من فم الرقيب الاجتماعي خاصة، لأن الديني له توجهاته القرائية فلا تجد رجال دين يقرؤونك مثلا إلا في حالة الإشارة إليك كمتجاوز ومتهم”.

وتتابع الفريد قولها: “قديما كان مفهوم الرقابة وتأييدها مختلفا عمّا هو عليه الآن، لأن التوسع الحاصل فتح المفاهيم في مكان، وأغلقها في مكان آخر، فتجد مرة عشوائية الرقيب وعاطفيته التي لا تمت للعقلانية بصلة، ومرة في صمته، وأخرى -وهذه نادرة- في تقبله. في السابق الرقابي نفرٌ واحد تأتي من بعده جماعات تؤيده بشكل طوعي، خصوصا في حالة التصوّف الشعرية التي تُعد تجاوزا لدى الكثير من عامة الناس والشعراء التقليديين. في مجموعتي لم أقل ما كنت أريد قوله، فالشاعر لن يبلغ حالة الاستكفاء بما يطرحه، القناعة مرفوضة في التوجه الشعري”.

رقية الفريد: هناك اتهام، اليوم، للشاعرة المرأة بعدم شاعريتها


سؤال الحداثة


تقنيا، هنالك مناطق في مجموعة “عدمٌ أو كخلود الماء” تقترب من “مسرحة الشعر”، أو تحويله إلى أقصوصة ذات مشهد واحد بأصوات متداخلة. الفريد كانت يقظة للتجارب العالمية والعربية الكثيرة التي مسرحت الشعر، فاشتغلت على نصوصها وفق هذه الرؤية.

ويبدو أنها كانت تبني نصوصها متكئة على هذه التقنية معتبرة إياها “قيمة مكانية/زمانية من خلالها يمكن للذات البشرية أن تتجرّد عبر تقديم تفسيرات شعرية لا سردية”. تقول الفريد لـ”العرب”: “عربيا، شعراء الجاهلية عاشوا الحياة المسرحية في خوضهم المعارك وهم يصفون حالات الانتصار والهزيمة، وكذلك الأمهات الفاقدات، أو الحبيبات المنتظرات، وكأن أرض معاركهم خشبات مسرح”. سؤال الحداثة في الاشتغال الإبداعي ليس شكليا، فلا يكفي أن يخرج الشاعر نصوصه نثرا ليضمن بذلك حصوله على شارة دخول منطقة “الحداثة”.

عن ذلك تقول الشاعرة رقية الفريد: “تتضمن الحداثة الرفض والتمرّد والفرادة في حال التخفف من المعايير التقليدية. التعقيد اللغوي يرهقني ولا يناسبني، وأنا مؤمنة بأن البساطة تؤدّي إلى المعنى بسرعة أكثر من ذاك التعقيد والتفذلك في الكتابة. وأعتقد أن اعتماد المصطلح الحديث والمفردات البسيطة في النص، والتطرق بتعمق وتكثيف للتنوع الثقافي والمثيولوجيات والحضارات المختلفة خارج الإطار الثقافي المعيش، هي البوابة لعتبة النص الحداثي، كما أنّي أظن أن المغامرة اللغوية والتركيبة المغايرة لما هو متعارف عليه يعدّ نوعا ما من الحداثة”.

14