الشاعرة السعودية هيفاء العيد: أنا نقطة خارج السطر

منذ أن أصدرت الشاعرة السعودية هيفاء العيد (مواليد جدة 1987) مجموعتها الشعرية الأولى “أنا ما أخفيه” عن دار ضفاف بلبنان سنة 2014 وعيون النقاد نائمة عن تجربتها، حتى التفت إليها الناقد محمد الحرز في مقالة خصصها لمجموعتها. بعدها، سرعان ما تفتحت أعين الصحافة والكتاب عليها لتحظى بالتغطيات والمقابلات في عدد من الصحف المحلية. ولعل هذا التقدير جعل من صوت العيد -لاحقا- صوتا قلقا يستشعر مسؤوليته حيال التجارب القادمة. “العرب” التقت بالشاعرة العيد في حوار حول الشعر والبعض من القضايا الثقافية في السعودية.
الخميس 2016/03/31
الشعر ورطة

يقول محمد الحرز عن مجموعة الشاعرة السعودية هيفاء العيد “أنا ما أخفيه”، إنها “صوت شعري نسائي، يأتي ضمن الموجة التي تكتب القصيدة الحديثة بتقنيات مفتوحة على كل المؤثرات التي تأتيها من تنوع الفنون المختلفة. للوهلة الأولى تفاجئك قصيدتها، لا من حيث كثافة التعبير التي تقود كلماتها إلى داخل جملها الشعرية، ولا إلى توتر المخيلة عندها بين صعود وهبوط على مدرج مطارها، بل تفاجئك بالانتفاضة التي تهز كيانك من العمق”.

ورطة فك القيود

في مجموعة “أنا ما أخفيه” نقبض على صوت الشاعرة وهي توغل في الحديث عن المرأة الثائرة، الراغبة في القفز على عوالمها المغلقة ناحية أفق متسع للكلمة وللحلم وللحرية. لكنها تخفي هذه الرغبة مستعينة بالشعر لتخرجها للعلن دون مساحيق تجميلية اجتماعية. وكأننا أمام كائنين من الوعي ومن اللاوعي في حالة صراع دائم بين الأنا والأنا الأخرى.

عن ذلك تقول العيد “جاءت المجموعة بمثابة الضربة القوية والوحيدة للجبان العظيم، وبعينين مغمضتين.

إنها القصائد الثائرة للشاعرة الموغلة في الريبة والتشظي والعتمة ولذة الكشف عن أفكاري السوداء، وأمنياتي السيئة واحتجاجاتي وأجسادي وأحقادي، إنها باختصار انسجامي التام مع المرأة التي لا أكف عن مقاومتها في الواقع. إن شجرة الجوع الهائلة التي أدمنت شرب النار والتغذي على الحنظل، لا بدّ وأن تطرح أغنيات صادمة كنصوص مجموعتي هذه”.

ترى العيد أن الشعر لم يكن يوما خلاصا، ولن يكون، تقول “الشعر ورطة، ولذا يرتدي أقنعة المجاز وهو يتسلل خائفا من المدينة.. لو لم يكن الشعر هو فضيحة الحقيقة، لما انتهينا إلى هذا النمو المطرد للقصيدة، ولما كان هذا الهلع الذي حدث ويحدث على شكل تجريب لغوي وشعري لإقرار له. الشعر ليس خلاصا والدليل تداخل العلاقة بين نموه وتشكله ومراوغته وبين عين الرقيب التي لا تنام”.

الشعر محاصر بالأعراف وقيود السائد ومهيأ لإساءة الظن وتعتبر الكتابة على هذا النحو مغامرة وضربا من الجنون

وتتابع العيد “لو أن الشعر خلاص لما كانت ثمة تخمة لزنازين الدنيا برموز الشعر وملائكة المجاز. ولكان الشعراء يتموضعون بترف في ذروة مؤشر الخلق الأكثر سعادة ورفاها على مر الزمان، الأمر الذي لم يحدث ولن يحدث”.

في مجموعتها تلامس هيفاء العيد مناطق إيروتيكية محرمة يندر أن تقترب منها الشاعرات العربيات، إلا بالكثير من المجاز والمواربة، وهذا ما فعلت ضمن قوالبها الفنية التي عالجت من خلالها مباشرة النص لتلقي به في مناطق مشغولة بالمجاز. وهذا الأمر جعلنا نتساءل معها عن شجاعة التعبير الذي يلجأ إليها الشاعر ليفلت من قبضة فم الرقيب الاجتماعي والسياسي والديني.

وعن ذلك تتحدّث ضيفتنا “في وسط كهذا محاصر بالأعراف وقيود السائد ومهيأ لإساءة الظن تعتبر الكتابة على هذا النحو مغامرة وضربا من الجنون، ولا أخفيك، لطالما أخلصت في معاداة الشاعرة بداخلي، واجتهدت حثيثا أن أتم عملية وأدها قبل أن تكبر وتشب عن الطوق، أو تكميم فمها الذي يمج الملح والجمر على الأقل. غير أنها كانت الأقوى وأثبتت أن الأمكنة هي ملكها بالدرجة الأولى. أنا كحقيقة لم أرفع الراية البيضاء في معركتي مع تلك الشاعرة. إنها لم تمنحني الوقت لإعلان هزيمتي بشرف. إن الشأن العلائقي بيني وبينها تحول إلى مازوشية فريدة تأخذ من قبلي، وجلادة متوحشة تضحك في صدري بسادية أخاذة من قبلها”.

رغبة أكيدة

رغم أن نصوص المجموعة تعبر بشكل واضح عن صوت المرأة المهمشة لكن العيد ترفض أن تكون ترجمانا لجنسها، أو منبرا لأحلام النساء الضعيفات، تقول في إحدى النصوص “إني بريئة من أحلام العذارى، اللاتي خبأن حناجرهن في صوتي”. وتعلّق العيد مؤكدة ذلك بقولها “نعم كبيرة، إني بريئة منهن كافة، وإنني أعلن مسؤوليتي عن خنقي، أنا المخبأة في صدري، أنا الحقيقية التي توحشت كثيرا، أنا التي تغالب رعشتها تحت الشمس وتضحك، أنا الذئبة التي تمزق جسد التوق في دمي بدأب مخلص ليس كمثله شيء. أنا لا أكتب للمهمشات، وغير معنية أبدا بالحزينات والضعيفات أو المستضعفات اللاتي يلوحن بمنديل أبيض لاندياحات الملح في حلوقهن”.

قصيدة الشاعرة هي صوتها وأفكارها غير المعلنة، هي تمردها المقصود على صور النبل الزائف وحقها في الاحتجاج

في مقابل ما يذهب إليه بعض النقاد عن أن إشكالية النص الجديد هو غياب القضايا القومية والوطنية الكبيرة، واهتمامه بشكل مباشر بكل ما هو مشخصن ضمن تجربة الشاعر أو الشاعرة في حدودهما اليومية، ترى العيد بأن الفصل بين ماهو شخصي وجمعي خرافة كبرى. تقول “أبدا، لن يتم التعاطي مع الهم الجمعي من قبل شاعر أو شاعرة ما لم تكن ثمة روح شاعرة مؤثثة بالحساسية وطاعنة في الألم. قصيدتي هي صوتي، وأفكاري غير المعلنة في الواقع، هي تمردي المقصود على صور النبل الزائف وحقي في الاحتجاج، وفي المقابل هي أيضا إصغائي لمساقط الدمع البعيدة أو القريبة، زمنا وجغرافيا”.

تتابع الشاعرة “إن نصي الحقيقي هو تشابهي مع حالة جميلة أو حزينة عبرت أو في طريقها لعبور هذا العالم يوما ما. وحينما أكون الشاعرة التي تنسج نصا شعريا في هذه المدينة من العالم، فهذا يعني أنني أضم ركبتي قليلا لأفسح مكانا كافيا لألم يمزق أضلعا بريئة، عروة وحيدة ووثقى تربطنا بها هي درجة التلقي عالية الحساسية للألم والأمل. إن الكتابة لديّ -بصرف النظر عن أمس أو الآن- هي رغبتي الأكيدة في الإمساك بيد الآخر المضمخة بالعطر والتبغ، والدم ربما. هي حقي الخاص -ككاتبة قصيدة- في احتضان صدر العالم المليء بالهموم والشهوة والحلم، والشر حتى”.

وفي سؤال للعيد عن الرأي القائل بأن التجارب الشعرية النسائية في السعودية لا تستحق الإشادة والمتابعة، وأن الجيل النسائي الشعري الجديد يأتي ضمن مشهدية ثقافية متشابهة لا تمتلك بصماتها الإبداعية الخاصة.

تجيب الشاعرة “في ما يخصني استقبلت الساحة صوتي بارتياح باد وبروح إيجابية، وعلى نحو أحسبه مختلفا، فقد عبر جميلون كثر عن بهجتهم بشعريتي، وصرحوا في البداية وبصوت عال لا شيّة فيه إنني نقطة خارج السطر، مع أني نبت للساحة التي ليس ثمة تمايز واضح بين أصوات شاعراتها، إلا إذا استثنينا شاعرتين أو ثلاثا من ثلج التشابه ذاك، أشجان هندي مثالا.

أعود إلى مسألة التشابه والتميز في المشهد فأتذكر ببهجة عليا أن عددا جيدا من جميلين حقيقيين أسموني بشاعرة النص التويتري، كثافة واختزالا وقبضا على أدوات اللعبة الشعرية وتطويعها على هيئة النص/ الفلاش كما يعبرون. أنا أحترم شاعرات الوطن الرائدات منهم ومجايلاتي واللاحقات. ومع مرور الأيام وخروج مجموعتي الأولى كرصاصة مجهولة الجهة والمصدر، تنامى الفرح بصوت شعري نسائي جديد، واستمرت وتيرة الفرح بشعريتي الجديدة”.

15