الشاعرة بسمة شيخو: على الشاعر أن يقرأ كل شيء إلا الشعر

يمكن للفنون أن يتنافذ بعضها على بعض، ما يمنحها طاقات أخرى مختلفة وأكثر قوة ونفاذا إلى قلب وفكر المتلقي، لكن تنافذ الفنون والأجناس الأدبية وانفتاح أنهار الإبداع في تواشج قد يخلقان تيارا يصعب التحكم فيه، فتحدث الفوضى، أو الفيضان إن صحت العبارة. الرسامة والشاعرة بسمة شيخو التي التقتها “العرب” في دمشق تحدثنا عن تجربتها الشعرية، وهي الآتية إلى الشعر من عالم الرسم، فكان لنا معها هذا الحوار حول الشعر والرسم في ما يوحدهما وما يفصل بينهما.
الأربعاء 2015/12/02
قصيدة النثر متينة الظهر تتحمل أكثر من غيرها فلسفات معقدة وصورا وحالات عبثية

تقارب الشاعرة والفنانة التشكيلية السورية الكردية الشابة بسمة شيخو في العديد من قصائدها المنشورة ضمن مجموعتها الثانية “شهقة ضوء” الوجع السوري المديد، الذي نعيش فصوله على إيقاع صوت المدافع وأزيز الرصاص، بتفاصيل ومشاهد ومعايشات يومية لا تخلو من أمل “بات ضروريا لإبقاء الحياة على قيد الحياة” وفق تعبيرها.

وفي هذه المجموعة التي قدم لها الشاعر السوري شوقي بغدادي، يتساءل الشاعر من أين جاءت صاحبة “شهقة ضوء” بهذا الفيض الجميل من قصائد النّثر، وهي التي لا تعرف من العروض شيئا، ولا تحب قراءة الشعر عموما، ليأتي الجواب “لا شك أنّها فطرة الموهبة قبل أيّ دافع آخر وهي التي تصنع الشّعراء فعلا”.

لا تقرأوا الشعر

تفتتح بسمة شيخو مجموعتها الشعرية الثانية “شهقة ضوء” بالقول “أحتاج فقط إلى خوذة ضخمة لهذه المدينة”. إذن هي الحرب التي تكتب عنها شاعرتنا الشابة، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل فرضت الحرب المشتعلة بالبلاد على بسمة كتابة من نوع آخر لم تكن تتوقعها أو مستعدة لها؟ فتجيب “طبعا الحرب فرضت نفسها ليس على الكتابة ومواضيعها فحسب، بل على الحياة بشكل عام.

الحرب جعلت كتابتي مفخخة بالمتناقضات كما هي الأيام في دمشق حيث الحياة والموت يسيران في شوارعها بأيد متشابكة، الفرح والأسى، التفاؤل والتشاؤم، وغيرها الكثير من الثنائيات التي تتمدد أمامنا بشكل يومي رامية بالمنطق عرض الحائط، فليلة الحب الحمراء تنهيها قذيفة، وكذلك مقطع محبوك عن الفرح تمحيه كرة زجاجيّة تصوّر لنا الغد”.

القصيدة ليست مرآة للواقع حيث أنها من المستحيل أن تعكسه، إنها أشبه بكاميرا تختار لقطة في كل مرة وتؤطرها

مشاهد الموت اليومي على امتداد الخارطة السورية باتت تلاحق الجميع هنا، وإزاء ذلك بات التساؤل عن جدوى كتابة الشعر الآن يواجه أيّ شاعر أو شاعرة يعيش كلاهما فصول الزمن السوري المشتعل. تقول شيخو: الشعر مجرّد محاولة للنجاة أو للحياة لا فرق، ربما هو ليس كذلك لكن من يكتبه يقنع نفسه بذلك ليكسب كتابته العبثية أهميّة حياتية، فيراه بصيص نور شمعة وسط هذا الظلام بفم واسع لا يكف عن الصراخ “أنا هنا”.

أما عن سؤال دور القصيدة في قراءة الواقع؟ فترى صاحبة “عبث مع الكلمات” أنه دور بسيط، فالقصيدة ليست مرآة للواقع حيث أنها من المستحيل أن تعكسه كاملا، فالواقع متعدّد بوجوه كثيرة وزوايا لا متناهية، القصيدة أشبه بكاميرا تختار لقطة في كلّ مرة وتؤطرها أمام القارئ، تعريها من الزيف ليقف في القصيدة أمام نفسه، أمام خوفه، حبه، ضعفه، حتى ليظن أنه نفسه من كتبها.

وبسؤالها هل كتبت نصها عن “التراجيديا السورية” التي نعيش فصولها منذ خمس سنوات أم أن الوقت لم يحن بعد؟ تقول الشاعرة: التراجيديا السورية نص يكتب من تلقاء نفسه بصور شتى، صور، فيديوهات، أخبار، أصوات.

أما كتابته لأجل توثيق المرحلة فبرأيي أن الوقت مازال مبكرا الآن، نعيش المأساة الآن في محاولة للإحاطة بكل تفاصيلها. أتمشّى في الشوارع وكأنني آلة تسجيل للتفاصيل والأحداث الصغيرة، وبعد انقشاع الغمة من شاء فليكتب مأساتنا نصا أدبيا، أما أنا فلن أفعل، سأتركها تتسلل خفية إلى نصوصي وتمدّ يدها ملوّحة.

في إحدى قصائدها تقول بسمة “أنت كرديّ.. ستملك الرّيح”، فتبدو لنا وكأنها تستحضر هنا الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش وقصيدته الرائعة “ليس للكردي إلا الريح” التي أهداها إلى الشاعر الكردي سليم بركات، فعن مدى تأثرها بالشعراء الآباء، تؤكد الشاعرة أنها ليست من هواة قراءة الشعر، وهي تنفّذ بشكل فطري مقولة أحدهم “على الشاعر أن يقرأ كلّ شيء إلا الشعر”، في دعوة منه لعدم التأثر بشعراء آخرين، فشيطان الشعر قد يسطو على جملة جميلة بشكل لا واع، برأيها، وهنا تكمن المشكلة حين يتمدد التأثر داخل النصوص فتختلط الهويات، وجوهر الإبداع يتجلّى في خلق خصوصية للنص حتى لا يشبه آخر غيره، ولكنها لا تخفي حبها لكتابات أمل دنقل، ومحمود درويش، ومظفر النواب.

الشعر مجرّد محاولة للنجاة أو للحياة لا فرق، ربما هو ليس كذلك لكن من يكتبه يقنع نفسه بذلك ليكسب كتابته العبثية أهميّة حياتية

القصائد واللوحات

عن رأي بسمة شيخو في قصيدة النثر باعتبارها “نتيجة ضرورية لتطور الشعر” توضح محدثتنا أنه باعتبار أن تخصصها في مجال الفن التشكيلي، فقد كانت مقاربتها لوضع تطور الشعر “مقاربة لتطور الرسم الذي كان واقعيا صرفا بقواعد جامدة، إذ تنقّل بعدها بين مدارس عدة؛ تعبيرية وانطباعية وصولا إلى التجريد الذي لا ينكره أحد الآن، وكذلك القصيدة فقد بدأت بالشعر العمودي ثم تخلصت من بعض القيود حتى وصلت إلى قصيدة التفعيلة، والآن قصيدة النثر موجودة ولا جدوى من مهاجمتها”.

وعن سبب تمسكها بكتابة قصيدة النثر تحديدا؟ وهل أن هذا الخيار مدروس بالنسبة إليها لا رجعة عنه؟ تجيب ضيفتنا: أكتب قصيدة النثر لأنني استطعت أن أوصل أفكاري من خلالها بحرية كاملة، فهي متينة الظهر تتحمل أكثر من غيرها فلسفات معقدة وصورا وحالات عبثيّة، مع ذلك فمن الممكن جدا أن أكتب قصيدة موزونة، ولي محاولات بسيطة في هذا المجال، فانسياب الموسيقى ضمن الكلمات أمر مبهر. والشّعر يبقى شعرا مهما اختلف الإطار الموضوع فيه.

وفي ما يراه النقاد من أن نصها الشعري يتكئ على “تجربة فنية تشكيلية تحضر فيها الحركة والصورة واللون على حدّ سواء”. وأنها كما قال الشاعر عمر شبانة: تستحضر من عالمها الخاص، في تجربتها التشكيلية، قدرا من الشاعرية والحلم والطفولة، وذلك من خلال التكوينات التعبيرية التي تحمل مضامين الطفولة والأمومة والحب، كما يبدو في لوحتها “مدينة الحب”، بخطوطها الناعمة وشفافية ألوانها وزخرفتها، وبرومانسية الوجهين اللذين يمثلان الرجل والمرأة في ذروة العشق من جهة، واستلهام الحكايات والأساطير من جهة أخرى.

ترى الشاعرة أن التشكيلي يكون صاحب ذاكرة بصريّة بالضرورة، لذا حين يكتب الشعر تظهر كلماته وكأنها تصف مكانا جميلا أو ساحة جريمة، تأتي الدهشة في تلقّي كتاباته من التفاصيل التي لا ينتبه إليها سواه.

وحول أيّ من العالمين أقرب إلى روحها الشعر أم الرسم؟ تقول شيخو: الشعر أقرب إلى روحي. فردة فعلي الأولى على أحداث الحياة تكون بالكلمات ثم الكلمات، وبعد حين بالألوان والأشكال.

الفنان التشكيلي يكون صاحب ذاكرة بصرية بالضرورة، لذا حين يكتب الشعر تظهر كلماته وكأنها ألوان

ونتوقف مع ضيفتنا عند مجموعتها الشعرية الثانية “شهقة ضوء” التي قدم لها الأديب والشاعر السوري شوقي بغدادي، إن كان الشعر يحتاج إلى تقديم أم هو مجرّد نوع من الارتكاز على اسم كبير في خطواتك الأولى؟

تقول: طبعا تقديم شاعر ذي باع طويل بالشعر أمر مهم، فهو بمثابة إضاءة على هذا الديوان ضمن هذه الزحمة المظلمة، هو أن يقول انتبهوا، فما بين هذه الصفحات ما يستحق القراءة. إلا أن قناعتي الأساسية هي أن العمل في النهاية هو من سيقدم نفسه إن كان جيدا أو إن كان سيّئا، ولن تفيده كل هذه التقديمات والكلمات التي كتبت في حقه.

وفي الختام تحدثنا الشاعرة الشابة عن مشاركتها مؤخرا في ملتقى “إقامات الإبداع” الذي احتضنته مدينة عنابة الجزائرية، تحت شعار “للمحبة سنكتب”، حيث كانت السورية الوحيدة من بين 18 شاعرا وشاعرة قدموا من أنحاء العالم للمشاركة في هذا الملتقى، مبينة ما تقدمه مثل هذه الملتقيات العربية والعالمية للشعراء والشاعرات.

تقول: كانت الإقامة بين مدينتي عنابة -التي أرجحتني ما بين جبلها وشاطئها- وقسنطينة -التي قلدت تجربتها وربطت أشلاء روحي المبعثرة بجسور طويلة علّها تعيدني امرأة واحدة- وقد كان الهدف من الإقامة كتابة نص مشترك بين كل شاعرين ليُقدّم في حفل الختام على مسرح قسنطينة.
كتبتُ نصي مع الشاعرة الجزائرية نصيرة محمدي، وقد استطعنا من خلاله كسر طوق العزلة الذي يكتنف الكتابة عادة، تجربة لفتح ستار العالم الخاص أمام آخر ليمسك بيدك ويجمّل عالمك بما يحمله ويختزله في كلماته.
15