الشاعر إسلام سمحان: ثقافتنا لاتزال شفاهية

لكل شاعر قصة مع بداياته، لكن يتشابه الشعراء في أن خطواتهم الأولى كانت تأثرا فرديا بتجارب شعراء آخرين، أو نظرة ذاتية مليئة بما هو وجداني للعالم تقوده إلى التعبير عنه بشكل شعري. لكن بعيدا عن البدايات بينما تتقدم الخطى بالشاعر ليصبح له تراكم يكون نواة تجربة، تتخلص نصوصه الشعرية من آثار السابقين وتهويمات العاطفة لتصقلها رؤى نابعة عن خلفية معرفية، فيما تظل العاطفة الشفافة للشاعر شبكة رفيعة تلتقط أدق تفاصيل العالم. “العرب” التقت الشاعر الأردني إسلام سمحان في حديث عن البدايات والشعر والمثقف العربيين.
الجمعة 2016/07/15
اختلفت معايير الثقافة ومواصفات المثقف

يعتبر الشاعر إسلام سمحان من الأصوات الشعرية الشابة الهامة في الأردن، التي أثبتت نفسها في السنوات الأخيرة، الشاعر الذي اختاره مهرجان بيروت من بين أفضل تسعة وثلاثين كاتبا من مختلف دول العالم، كذلك تم تكريمه من قبل حكومة الشارقة، كواحد من أفضل عشرة شعراء أردنيين، وهو نفسه الشاعر الذي تم تكفيره في عمان عام 2009 بدعوى كتابة قصائد مسيئة إلى الذات الإلهية. من أعماله “برشاقة ظل” و”لمن تحمل الوردة” الذي صدر باللغة الإيطالية، و”هي لا تجلس وحيدة” وهو آخر أعماله التي صدرت في بيروت.

بدايات جارحة

يتحدث ضيفنا لـ”العرب” عن بداياته المؤلمة، عن الوجع الذي أودى به إلى الكتابة، وألقى به في أحضان الشعر الرحيم، يقول “أعتقد أن قسوة الحياة هي التي دفعتني إلى الكتابة هروبا من الوحدة والألم، أنا ابن عائلة مفككة، جربت اليتم في ظل حياة والديّ، كما أنني ابن بيئة محافظة، أسترق القبلات، وأختلس النظرات وكانت لدي مشاريع حب وأصدقاء كثر في تلك المدينة الزرقاء، وحين انتقلت للعيش في بيت والدي شعرت بالوحدة لاختلاف المكان وافتقاد الأصحاب وانهيار مشاريعي، لذا فالوحدة هي التي ركلتني نحو القراءة والكتابة”.

يتابع “عشت بعد ذلك في مكتبة والدي الضخمة بغرفة صغيرة، محشوة بالكتب والأوراق، وكنت أربت على أغلفة الكتب وأهش عنها الغبار، وأتحسس العناوين البارزة كأنها بنت الجيران الغضة وقتها، وقد شجعتني الخطوط المتعرجة والحادة على خوض غمار القراءة، في تلك الفترة قرأت العشرات من الكتب المختلفة في الدين والسياسة وعلم النفس والاجتماع والأدب والثقافة والرياضيات والعلوم والفكر والروايات وغيرها، حتى التقيت بالحب صدفة عند سور المدرسة فشرعت أهذي وأكتب رسائل مفترضة مني إليها حتى ما لبثت وأن أصبحت خواطر وقصائد، فتمسكت بالكتابة أكثر، لأنها التعبير عن رغبات جسدي وانثيالات ذاكرتي وتداعي خيالاتي”.

المثقف اليوم وإن لم يستفد من السلطة تجده يدافع عن مواقفها في وقت نشهد انقراضا للمثقف العضوي

تعلم المشي

يعتقد الشاعر إسلام سمحان أن القصيدة هي التي تقدم شاعرها، فالقصيدة بالنسبة إليه هي هاجس الشاعر وهوسه، حيث يعيش انشغاله الدائم باللغة، تلك اللغة التي تصيبه بالدهشة كلما أبحر فيها، اللغة التي تدرب الإنسان على التعبير والغناء أو الصراخ كي يطلب الحرية، الحرية التي يراها ضيفنا في الحياة كاملة بغير نقصان، وللإنسان أن يختار ما يشاء وطريقته في استنزاف حياته.

أما بالنسبة إليه، فهو مازال يتعلم المشي في ممرات الشعر وفق تعبيره، ويستطرد “لا أريد أن يشتد عودي، فلا أحبو وتفوتني متعة المرة الأولى واكتشاف بكارة المفردات، لا أريد أن أفقد الدهشة، وأركض في عالم الشعر، فالمخضرمون والخبراء وحدهم من تتساوى لديهم الحياة بالموت”.

كثر هم الشعراء الذين تأثر بهم سمحان، حيث أتاحت له الحياة في مكتبة ضخمة، مكتبة والده الكاتب والمؤرخ السياسي، قراءة الكثير من الكتب، في مختلف المجالات، والكثير من الشعراء، من مختلف العصور، يقول “تأثرت بشعراء من عصور مختلفة، لكن في البداية تأثرت بقصائد نزار وأبونواس والمتنبي، كما أتاح لي عملي كصحافي لاحقا لقاء عدد من الشعراء وتكوين صداقات وعلاقات إنسانية معهم مثل سعدي يوسف وسميح القاسم وأدونيس ومحمود درويش وشوقي عبدالأمير وقاسم حداد وسيف الرحبي وأنسي الحاج وأمجد ناصر وغيرهم ممن كنت ألتقي بهم بشكل دائم أو متقطع، وأتأثر بآرائهم وبقصائدهم”.

يستذكر الشاعر إسلام سمحان، الراحل إدوارد سعيد، في حديثه عن الثقافة والمثقف العربي اليوم، يقول “المثقف اليوم وإن لم يستفد من السلطة تجده يعبر عن رأيها ويدافع عن مواقفها في وقت نشهد انقراضا للمثقف العضوي”.

الثقافة العربية هشة ورخوة ولا تستند إلى حائط معرفي صلب نظرا إلى عدم مقدرتنا على كبح جماح التكنولوجيا

ويتابع “دعنا أولا نطرح سؤالا: من هو المثقف؟ في وقتنا الحاضر، اختلفت معايير الثقافة ومواصفات المثقف، فمع دخول السوشيال ميديا وانفتاح باب التكنولوجيا على مصراعيه اختلفت القيم والقيمة”.

أما مثقف السلطة، برأي ضيفنا، فهو الذي يجلس الآن خلف الشاشة ولوحة المفاتيح ويصيغ بلغته موقف السلطة ويضغط على زر النشر. ويتابع كلامه قائلا “نحن نعيش ثقافة شفاهية، تعتمد على السماع والنقل ولا تتحرى التأكد والقراءة، نعتمد على جمل وقوالب لغوية جاهزة للتحدث أو حتى للكتابة، ما جعل ثقافتنا هشة ورخوة ولا تستند على حائط معرفي صلب وقوي، والأسباب كثيرة لكن أهمها، عدم مقدرتنا على كبح جماح التكنولوجيا الرقمية واندفاعنا نحوها”.

كما يعتبر أن الربيع العربي، فضح المثقف العربي، وكشف حقيقته، عاريا من مجازاته، بشكل آخر أظهره على حقيقته، حين دقت ساعة الحقيقة، في الساحات والميادين العربية، يقول الشاعر “فشل المثقف في اختبار الربيع العربي، بل سقط سقوطا مدويا، لقد وضع نفسه في مدرجات المتفرجين واكتفى إما بافتعال الشغب وإما بالتشجيع، ولم يقم بدوره، والمفارقة أنه كان ينتظر هذه الفرصة للمشاركة وحين سنحت له اكتفى بالمشاهدة أو ببيع مواقفه لقاء ثمن بخس.

ويتابع “قلة من المثقفين دفعوا ثمن مواقفهم في زمن التحولات العربية الكبرى، إضافة إلى تغير القيم في زمننا الحاضر، فالخيانة أصبحت وجهة نظر، والشر ارتدى قناع الخير والعكس كذلك”.

15