الشاعر إسماعيل خطاب طفولته رسمها ملجأ للأيتام ومصيره كتبته رصاصة إيرانية

الأربعاء 2015/04/08
شاعر عاصر الحرب العراقية الإيرانية، واكتوى بنارها ومات برصاصة غادرة

تبدو حياة الشاعر العراقي الراحل إسماعيل خطاب القصيرة، غير كافية لتقييم تجربته الشعرية التي حملت تساؤلاته العميقة عن جدوى الحياة، وهو يعيشها في أفق الانتكاسات الإنسانية، وليس فيها ما يبشر بأفق جديد. وكانت حياته القصيرة الممتدة بين ولادته في البصرة عام 1950، واستشهاده في قاطع عمليات الشمال إبّان الحرب العراقية الإيرانية في 26 أكتوبر 1987، محتشدة بالآلام ومحبطة التطلعات.

ولد إسماعيل خطاب يتيما في مدينة البصرة، عام 1950، حيث احتضنته أمه وأمدته بالحنان والرعاية في أحد أحياء مدينة البصرة القديمة ويسمى “حي الأحرار”، المدينة التي كانت معروفة آنذاك بشناشيلها الوارفة والرائعة وأزقتها الضيقة.

سنوات الطفولة والمراهقة عاشها الراحل في ملجأ للأيتام على وفق ظروف قاسية عاشتها عائلته الكبيرة بعد وفاة والده، وعندما بلغ من العمر مبلغ الشباب تكفل برعاية أمه وبسبب ذلك أيضا لم يتمّ دراسته الجامعية، إذ عمل إلى جانب دراسته الأولية في أعمال شتى ومضنية من أجل أن يحصل على قوت يومه.

ظروف قاسية

على الرغم من كل هذه الظروف استطاع إسماعيل خطاب أن يثقف نفسه ثقافة خاصة اطلع فيها على الشعر العربي والعالمي وكتب منذ وقت مبكر شعرا موزونا -كنت قد اطلعت عليه في ذلك الوقت- وفق أوزان الشعر الخليلية.

ومنذ عام 1966 أو قبله بقليل، (عمره ستة عشر عاما) أدرك الشاعر دراما دنيا الإنسان وهي تجلده، وتبعده عن أعماقها تجاه العزلة والإحباط وليل اليأس والندامة ويتضح ذلك من عناوين قصائده المبكرة التي كتبها في منتصف ستينات القرن العشرين “الموت في الأحداق، عندما تأزف الساعة، وجه الشاعر في كل العصور، الإنسان والقيد، الموت في نهاية الرواق، نداء عبر شرائط النسيان، أصداء لم تتحقق” التي تشي بذلك الإحباط الكبير وهو في مقتبل العمر، فماذا ننتظر منه وقد عاصر الحرب العراقية الإيرانية، واكتوى بنارها.

في ثنايا قصائده تتردد مفردات البحر والرياح والليل والشواطئ والسواحل والمراكب العائمة ومعاني الألم والمعاناة

يقول في إحدى قصائده المبكرة “يا أصحابي/ الدنيا سفن تنساب بلا ربان/ تقطع أبعادا، أبعادا/ تقذف بالإنسان/ في ليل اليأس، إلى بحر الحرمان”.

وفي مقطع من قصيدة أخرى نراه يكرر نداءات الشاعر بدر شاكر السياب في محنته التي أودت بحياته منشدا “أواه ضاعت الحياة/ مني كرهت هذه الحياة/ لعلني أنام نومتي الأخيرة/ أزفر خيط العمر في الظهيرة”.

وفي قصيدة “وجه الشاعر في كل العصور” يبني الشاعر تصوره عن الحياة بالأسئلة المصيرية التي لا تجد سوى الخواء والوحدة والاغتراب.

يقول “أين أذهب/ وحدودي تتقطع/ في بيوت الفقراء/ تتعرى خلف أسوار الحياة/ آه من يرفع عني الظلمات/ فأنا أحمل مرآة العصور/ وبقايا كلمات/ تحرق الإنسان عند الصلوات/ آه من يرفع عني الظلمات”.

إن بدايات الشاعر، منتصف الستينات، كانت أصداء لحياته الشاقة وللأفكار العبثية والوجودية التي سادت في الثقافة العراقية منذ منتصف الستينات وأنتجت أدبا يتسم بالتمرد على قوانين الجنس الأدبي -الشعر بشكل خاص- محملا بأفكار العزلة والغربة، والضياع الإنساني، لكنه في عقد السبعينات، يبني عالما مختلفا، تتردد فيه أحلام أفق جديد، تبنيه الذات مع الآخر، مما ينمي فهما بالانتماء إلى الآخر والتعبير عن هواجسه وأحلامه المحبطة.

يقول الشاعر الراحل إسماعيل خطاب في قصيدته (انتظار) “دمائي تقاسم أغصانها الجائعون/ فيا لوعة الروح في وقدة الهاجرة/ ويا لوعة النهر حين يمد الجذور الحبيسة/ ويا لوعة الموت حين يشيخ اللهيب”.

ويتضح انتماء الشاعر إلى الجموع الجائعة بظهور ضمير الأنا الجمعي في قصائد أواخر السبعينات من القرن العشرين والمقطع يقطر لوعة وحزنا على ضياع الأمل وانطفاء شعلته.

يقول في قصيدته (الخروج من باب الدمع) “وركضنا في مسامات المدينة/ واختلطنا في ثياب الفقراء/ فلماذا تتلاشى خطواتي/ وأنا لم أتعدّ الزوبعة”.

إسماعيل خطاب

☚حياته المخصبة تبددت بالهم الإنساني الذي يعلي الجمال في نفس الإنسان منشدا سعادته وأحلامه المستحيلة

ويبلغ الأمل أقصاه حين تكون الذات ضوءا مبصرا ينير الحاضر ويتخطاه إلى المستقبل البعيد “أقود في إضاءتي/ دهرا من الأحلام/ أصغي إلى ولادة الحاضر”.

وتتردد في ثنايا قصائده التي كتبها في منتصف السبعينات مفردات البحر والرياح والليل والشواطئ والسواحل والمراكب العائمة تعبيرا عن فضاء شاسع، ورؤية شاملة للحياة، تبدو الذات فيها متمردة على أقدارها وقوانين العسف فيها، متأثرا بأجواء الشاعر أدونيس الذي كان أحد مشجعي الشاعر إسماعيل الخطاب “أزيح ضجيج القوافل/ فنهرب ظلين في نسغ وردة/ نكون حصاة حزينة/ لكل المراكب/ أحدد خيط فناري/ وأمضي بوجهك هذا مدار الرياح الرهينة”.

مفردات الجنون والحلم

في القصائد التي كتبها في الثمانينات، حيث قيام الحرب العراقية الإيرانية، نلحظ ذلك الغموض في ثنايا القصيدة ومن خلال عناوينها أيضا (تجريد، تجريد 2، تجريد 3 وتجريد 4، تيه، النهاية)، كان يستهلها بجمل شعرية مثل “رداء الجنون/ يزملني كلما تعصف الريح في جسدي” أو “بعيدا تكون الطفولة/ نهرا غريبا/ فأشهد أني وحيد”.

وفي قصيدة أخرى كتبها في سبتمبر 1985، بعد مرور خمس سنوات على قيام الحرب العراقية الإيرانية يكرر فيها عبارة “وحيدا حزينا أواجه خوفي/ وحيدا حزينا أواجه خوفي”.

وفي هذه القصائد تتكرر مفردات الجنون والجحيم، وعتمة الليل، والحزن، كلها إرهاصات جندي معذب يخوض حربا لا يؤمن بها وبمشعليها.

يقول خطاب “لماذا/ نواجه في عتمة الليل أسرارنا/ ونلبس أنفسنا في جنون/ نحاول أن نرتقي الحزن فينا/ ونصعد نحو الملل/ غبارا/ مرايا صدئة”.

وفي قصيدة “النهاية”، التي كتبها في منطقة الشيب قبل مقتله بسنة واحدة، يقول “أتيه في مخاوفي/ مرتديا وجها نحاسيا ثقيلا/ يعكس في نفسي/ أوهامها الحزينة/ في ظلمة الأحلام”.

لقد انطفأ عالم الشاعر الراحل إسماعيل خطاب فجأة، حين قوضته رصاصة بكماء، في حرب لم يكن يؤمن بها، فتبددت حياته المخصبة بالهم الإنساني، الذي يعلي الجمال في نفس الإنسان منشدا لسعادته ولأحلامه المستحيلة.

يقول في قصيدة (مسافة المصلوب) “أقود في إضاءتي/ دهرا من الأحلام/ أصغي إلى ولادة الحاضر”.

وبذلك انطفأت شعلة متوهجة، لم يقدر لها أن تكمل حياتها لتضيء، وتنشد لأحلام الناس، وتعبّد طريقا للجمال والحب والفرح الإنساني النبيل.

ختاما لا بدّ من التذكير بأن معظم المقاطع الخاصة بحياة الشاعر الراحل إسماعيل خطاب مقتبسة من دراسة نوري حساني علوان المعنونة بـ”شـعر إسماعيل الخطاب دراسة إيقاعية”، والمنشورة في أحد المواقع الإلكترونية.

14