الشاعر الأمازيغي سي محند من مقاومة الاستعمار إلى قفص النسيان

الأحد 2014/03/09
هنا في هذا الكوح كان الشاعر يعيش

يعتبر بربر” أمازيغ” الجزائر الذين يربو تعدادهم عن عشرة ملايين نسمة شاعرهم الفريد من نوعه سي محند أومحند ذاكرتهم الثقافية وحضن هويتهم الإثنية والدرع الذي يحميها من النسيان والاندثار. لقد ولد سي محند أومحند الذي ينتسب إلى عائلة ناث حمادوش وابن قرية “إشرعون” من عرش ” ناث يراثن” في عام 1860 وتوفي في عز كهولته في عام 1906 وذلك بعد أن عاش 46 سنة فقط.

حول حياة هذا الشاعر قد نسجت الأساطير والخرافات مما جعله يتحول إلى أيقونة منقوشة في ذاكرة الأجيال. كان الشيوخ في القرى الأمازيغية يروون الكثير عن لقاء سي محند الشهير برجل الروحانية والحكمة المدعو “الشيخ سي محند ولحسين” و قيل إنه دار بينهما جدال حول الشعر على أنه هبة من الطبيعة و ليس مجرَد كلام موزون ومقفى وأنه بمثابة ماء الروح التي تحلق في الليالي المظلمة لتضيئها بأضواء أجنحتها، وتسقي الأعشاب والأشجار الميتة فتقوم من قبورها وتنتشر وترتفع في الحقول ومرتفعات الجبال. لقد سميَ الجدال الذي دار بين سي محند والشيخ سي محند ولحسين بجدال عملاقي الحكمة الروحية والموهبة الشعرية الأصيلة.

وبهذا الخصوص كان يحكى أن الملاك أوقف الشاعر”سي محند أومحند”، وبحضور الشيخ سي محند أولحسين، قرب النبع في إحدى غابات منطقة البربر وخيّره بين أن ينفخ في الماء ليتحول إلى ذهب وفضة ويصبح بذلك من أغنياء البلاد وبين أن يمنحه موهبة ارتجال الشعر فاختار “سي محند أومحند” الشعر والحكمة. وهكذا ندرك من هذه الحكاية البديعة أن الشاعر” سي محند أومحند ” لم يغوه مال الدنيا الزائل بل إنه قد اعتصم بحبل الشعر.

ومع مرور السنين قرأت لفيلسوف إغريقي نسيت اسمه، وقد يكون برمنيدس، فصلا فلسفيا يقول فيه إن أصل الكون هو الماء كما قرأت لأفلاطون في كتابه ” طايمس ” حيث وصف جسد الكون بأنه مكون من التراب والهواء والنار والماء وقال أيضا بأنَ الشكل الذي اتخذه هذا ” الكوسموس “ في البداية كان أشبه ما يكون بالدلو الذي يشبه بدوره شكل رحم المرأة.

إن َهذا القول الفلسفي الإغريقي الذي يؤكد أن الماء هو أصل الكون يدعمها الوحي الإسلامي القائل: ” وجعلنا من الماء كل شيء حي” وهنا أدركت مغزى اللقاء العفوي بين ” سي محند أومحند” وبين “الشيخ سي محند أولحسين” قرب النبع.

يعتبر الشاعر سي محند أومحند بمعيار عصرنا من الشعراء المؤسسين لحركة شعر “التروبادور” ولشعر المقاومة الوطنية بامتياز،

يجمع المؤرخون أن الشاعر سي محند قد تثقف بالثقافة الشعبية الأمازيغية العريقة كما نهل من الثقافة العربية الإسلامية في بعديها اللغوي والروحي. يعتبر “سي محند” قريبا من الصوفيين مثله مثل شخصية الشيخ “سي محند أولحسين” التي لعبت دورا في ترسيخ حب المعرفة والتعلق بالثقافة الإسلامية الروحية في المخيال الشعبي الأمازيغي. لقد ردد الرواة المعاصرون أشعار الشاعر سي محند وفعل الشيء ذاته الذين أتوا من بعده.

فالجميع يتحدث أن هذا الشاعر كان على صلة وثيقة بالعالم الشعري العلوي اللامرئي وقالوا عنه إنه الشعر كان يتدلى من شفتيه مباشرة وبعفوية، إذ لم يكن يكتب ويشطب ويعيد الكتابة ويصلح العبارات بل إنه كان يتدفق مثل الينبوع السلسبيل الذي يجري في السهول في كبرياء وعنفوان وثقة تامة.

لقد تعلّمنا من سيرة الشاعر سي محند أومحند الحرية أي التحرر من عالم المادة والمال. ويروى عن هذا الشاعر أنه اختار حياة الترحال في أرجاء الجزائر كما زار تونس على قدميه ولم يرضخ لقوانين الأسرة التقليدية. من الأخبار التي وصلتنا عنه أن السلطات الفرنسية طاردته لكي تثأر منه لأن أحد إخوانه ضرب فرنسيا وهشمه تهشيما، وهكذا فرّ سي محند من قريته ” إشرعون” المحاذية لبلدة ثيزي راشد إلى تونس، وفي طريقه إلى تونس خاض هذا الشاعر مغامرات روحية كتب عنها قصيدة رائعة تحت عنوان “الطريق إلى تونس“.

يعتبر الشاعر سي محند أومحند بمعيار عصرنا من الشعراء المؤسسين لحركة شعر “التروبادور” ولشعر المقاومة الوطنية بامتياز، ومما يؤسف له أن شعره لم يترجم إلى العربية ترجمة إبداعية تليق بموهبته الخلاقة.

وبهذا الصدد أذكر أنني التقيت مرَة أخرى، وذلك منذ عدة سنوات تقريبا، بالصديق الشاعر الفلسطيني المعروف “سميح القاسم” في تونس وتحدثنا طويلا حول الشعر والشعراء.

في ذلك اللقاء الدافئ ارتجلت مقطعا من قصيدة للشاعر “سي محند” بعد أن ترجمتها من اللغة الأمازيغية إلى اللغة العربية فقال لي بصدق عهدته فيه: “إن هذا شعر عالمي عظيم”. نعم، لم تعمل وزارة الثقافة الجزائرية منذ الاستقلال إلى يومنا هذا على ترجمة تراث “سي محند أومحند” ترجمة إبداعية إلى اللغة العربية وإلى اللغات الأجنبية والتعريف به عربيا وعلى المستوى الدولي كما لم يرفع له تمثال حيث ولد على الأقل، ولم تسمّ باسمه المؤسسات الكبرى والشوارع الرئيسية في المدن والبلدات لتخليد ذكراه في ذاكرة الأجيال المتعاقبة، وفضلا عن ذلك فإن المناهج والبرامج الدراسية الجزائرية لم تبرمج قصائده في برامج المدارس الابتدائية والتكميلية والثانوية والجامعية لينهل منها الطلاب والطالبات رغم أن عوالم هذا الشاعر تتميز بأبعاد ثقافية عصرية وتقف إلى صف التقدم والحرية.

ونقدم فيما يلي 5 قصائد للشاعر سي محند أومحند التي ترجمها إلى اللغة العربية المترجم والباحث بوحبيب حميد ترجمة شبه حرفية وضمّنها كتابه الذي يحمل عنوان ” الغجري الأخير” عن هذا الشاع، ولكي أتغلب على هذا النوع من الترجمة الحرفية قمت بإدخال الكثير من التعديلات الضرورية على هذه القصائد من أجل المحافظة على معانيها الأصلية ولكي تستقيم من الناحية الجمالية:


عشب دمي

لم تعمل وزارة الثقافة الجزائرية منذ الاستقلال إلى يومنا هذا على ترجمة تراث “سي محند أومحند” ترجمة إبداعية إلى اللغة العربية

(مقطوعات شعرية)



- 1 -


نحن الآن في القرن الرابع عشر

والثالث عشر قد انقضى

فأيها المسلح بالحكمة كن حذرا.


***


الانتهازي قد أثرى

وصار يلقي بالكلام على عواهنه

أما الأصيل فلم يبق له من أثر.


***

هم الآن يتغزلون بالغلمان

والدين قد انتهى ولم يبق منه شيء

وهاهم الرجال يتبرجون كالنساء.


- 2 -


باسم الرب أفتتح القصيدة

آملا أن تكون عصماء

و أن تجتاح السهول.


***


من يسمعها سيكتبها

و لن تغرب عن الذاكرة

و الفاهم سيبصرها.


***

إلى الإله نتوسل ليهديهم،

وإليه نبتهل

كي ينأى بهنّ عنَي

فأنا رهينة الإفلاس.


- 3 -

تمثال للشاعر اقيم في مسقط رأسه


يا حراس الفجر انهضوا

و اصدحوا بالذكر و أقيموا الصلاة

أعينوني فأنا في هذه المرة في محنة

رئتي مترعة بالكحول والخمور

فلا أنا حيَ و لا أنا بميت.


***


كل من قصدته طالبا منه أن يسترني

رأيته يبتعد

حتى أولئك الذين من عشب دمي.


***


لقد صبرت كثيرا

أربع سنوات وأكثر

ولكن الغربة قد أفلستني.

كل الذي قرأته ومرارا تلوته

قد جره السيل،

لحدَ نسيان سورة الفاتحة.


- 4 -


الدنيا في حرج قلق

أيها الفاهم يا سيَد الكلام

هناك الكثير ممن سقط ضحية لها.

يا حسرتاه، عندما كنت أملك الأموال

كنت شهيرا وميسور الحال

و الآن صرت أتكئ على قصبة هشة،

ومخبولا أتمايل وأركع للأنذال.


- 5 -


في الزمان القديم

كنت طالب الأحزاب الستين

وكانت الدواة نديم الكراس

المحن تؤرقني،

عن كل غريب بحثت،

عند مداخل كل المدن والقرى قد وقفت.

16