الشاعر الأميركي جاك هيرشمان: الشعر هو مستقبل الإنسانية

التفرقة بين الثقافات والشعوب لا تترك القصائد تكتب، والقصيدة أقوى سلاح بشري في محاربة الجشع والغباء.
الأحد 2019/06/09
جاك هيرشمان... أسس حركة شعراء العالم ليجعل لشعراء الكوكب صوتا متحدا ضد الحدود والفاشيات والظلم الامبريالي

يعتبر الشاعر الأميركي جاك هيرشمان أحد عمالقة الشعر العالمي. له أكثر من خمسين كتابا منشورا كما أنه ناشط معروف بمناهضته لكل الحروب ومدافع شرس عن الحقوق والحريات في الولايات المتحدة والعالم. لما كان في التاسعة عشرة من عمره أرسل بعض قصائده لإرنست هيمينغواي الذي أجابه في رسالة يقول فيها “لا يمكنني إعانتك يا ولد، فأنت تكتب أحسن مني لما كنت في التاسعة عشرة من عمري، ولكن المشكلة أنك تكتب مثلي وهذا ليس بجريمة، غير أنك لن تذهب بعيدا بهذا”. شخصيا، لم أكن أعرفه إلا عبر بعض كتاباته باللغة الإنكليزية.

مؤخرا شاركت في فعاليات مهرجان هانوي للشعر رفقة ثلة من شعراء العالم، وكان جاك هيرشمان من بين المشاركين. كنت في طاولة منعزلة مع شعراء أصدقاء من بينهم التركي أطأول بهرام أوغلو والبحريني قاسم حداد، وقد أحضرنا معنا شرابا نستعين به على طول السهرة، وكان المنظمون للمهرجان قد قرروا ألا يقدموا للحضور سوى الماء المعدني.

وإذا بالسيد جاك هيرشمان يقترب مني ويسألني “هل في هذه القارورة ما أظنه؟” فقلت له “نعم سيدي، إنه شيء من الشراب السحري” فطلب من زوجته الشاعرة السويدية أغنيتا فالك أن تقترب وأن تحضر كرسيا إضافيا وقضى بقية السهرة برفقتنا.

وفي بقية أيام المهرجان كانت لنا نقاشات عديدة وقراءات شعرية مشتركة اغتنمتها لإجراء هذا الحوار مع شاعر يحادث الخلود ومع ذلك بقي متواضعا ومنفتحا على الآخرين وهي علامة العظماء.

الشعور هو المفتاح. الشعور هو منطلق القصيدة. بعد ذلك تأتي الحالات الأخرى، كالوجود والفكر حول ما أثارته القصيدة

فكان سؤالي الأول له هو إن كان يعتبر نفسه سليلا لحركة “شعراء البيت” والتي نشأت في كاليفورنيا حيث يعيش هو منذ نصف قرن، فكانت إجابته كالآتي: لا يمكن قول ذلك إلا إذا اعتبرنا أن البيت جنراشن هي امتداد للحركة الشيوعية، ولكن في الحقيقة كان اهتمامها الرئيسي النضال في سبيل جعل الماريوانا أو الحشيش مسموحا باستهلاكه قانونيا لأنها تعتبر أن منظومة الرأسمالية الفاشية تتسبب في آلام لا تحصى ولذلك فإنه من المشروع المطالبة بتقنين الحشيش ليصبح الناس قادرين على احتمال واقعهم المرير. في ما يخصني شخصيا، فقد اشتغلت لمدة 42 سنة في الحركات الشيوعية، بينما “البيت” هي في الحقيقة حركة فوضوية. وهنالك فرق بين الشيوعية والفوضوية، ولتبين الفرق بينهما دعني أحيلك على كتاب ممتاز لمؤلف جيد وهو كتاب (الفوضوية أو الشيوعية) لجوزيف ستالين.

شعراء عبر العالم

أنت تعتبر أن الشعر وسيلة للعمل النضالي وتوظفه لذلك. فأنت من بين مؤسسي حركة الشعر العالمية وهي تجمع لشعراء عبر العالم لتبني مواقف من كبرى القضايا السياسية. ومؤخرا كنت أنت من أطلق حملة قراءات شعرية عبر العالم تحت شعار “من أجل عالم بلا جدران”. فما هي هذه الصلة التي تربط بين الكلمة الشعرية والحراك النضالي؟

جاك هيرشمان:جدران العالم، الحدود والخوف من المهاجرين، كل هذا يمنع القصيدة العظيمة من الوجود. التفرقة بين الثقافات والشعوب لا تترك القصائد تكتب. أعني بذلك تلك القصيدة التي يشعر فيها كل بفرح تام لأننا كلنا قصيدة. العيش مع بعضنا البعض قصيدة تثير الشعور قبل كل شيء، لا العاطفة ولا الفكر (الذي يأتي بعد ذلك) فقط الشعور، هو مفتاح المستقبل.

الشعور هو المفتاح

 أنت تستعمل القصيدة في العمل النضالي والجدل السياسي بقصد تغيير العالم والتأثير في الآراء والمواقف، لكن هل القصيدة تفكر؟ أي بمعنى آخر، هل الشعر فكر؟

جاك هيرشمان: كما قلت لك، الشعور هو المفتاح. الشعور هو منطلق القصيدة. بعد ذلك تأتي الحالات الأخرى، كالوجود والفكر حول ما أثارته القصيدة. ريلكه يقول:

Gesang ist Dasein أي “الأغنية وجود” ونحن نعلم أن كل القصائد أغان. هنا أعتقد أنه يضع إصبعه على حقيقة عظيمة.

 في أيامنا هده اختفت الأيديولوجيات وفقد الشعر العديد من قرائه. هل الذنب يعود على الشعراء؟ أم أن العالم لم يعد في حاجة للشعر والشعراء؟

جاك هيرشمان: بالعكس، أنا أعتبر ظهور حركة الهيب هوب في البرونكس بنيويورك سنة 1977 أكبر تحرك جماعي للشعراء في تاريخ العالم. أنا أتذكر إلى اليوم مغني الراب الذي استمعت إليه بجامعة ساليرنو بإيطاليا ساعة الغداء منذ أكثر من 15 سنة. لماذا؟ لأن الشعر هو المستقبل الحقيقي للإنسانية.

 أين يكمن الشعر اليوم؟ هل اتخذ أشكالا جديدة ووسائل مختلفة للوصول للناس؟

جاك هيرشمان:الشعر جوهره حقيقة الحب وحب الحقيقة. وبطريقة أو بأخرى هو يجد طريقه إلى الناس. وعلى فكرة ستكون لحركة الشعر العالمية في شهر يونيو المقبل حملة قراءات تحت عنوان “دعوة كل المناهضين للفاشية” الهدف منها هو مواجهة الشعبوية اليمينية البغيضة بكل أشكالها. الشعر هو أقوى سلاح بشري في محاربة الجشع والغباء وسوف يهزم الجناح اليميني المنتشر حاليا.

الطرد من الجامعة

جاك هيرشمان الاول إلى اليمين مع شاعرين من أميركا
جاك هيرشمان الاول إلى اليمين مع شاعرين من أميركا

 خلال حرب فيتنام كنت أستاذا بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلس وتم طردك من منصبك لأنك حرضت طلبتك على عدم تلبية دعوة التجنيد للحرب. هل يمكنك أن تعطينا تفاصيل أكثر عن ذلك؟

جاك هيرشمان:في ذلك الوقت كان لدي فصلان كل منهما فيه حوالي 600 طالب. حينها تم الإعلان في التلفزة أنه سيتم تجنيد الطلبة المؤهلين للقتال ما عدا من تحصل منهم على علامة A في الامتحان. فأعلنت أنني سوف أعطي تلك العلامة لكل الطلبة المؤهلين للقتال وطلبت من البنات وغير المؤهلين قبول علامة B ما عدا من يعترض منهم. فقبلوا كلهم ما عدا عشرة طلبة الذين طالبوا بعلامة A فأسندتها لهم أيضا. فاتهمتني الجامعة بخرق القانون الفيدرالي وتم طردي. والطريف في الأمر أنه في الأسبوع نفسه الذي تم فيه طردي أسندت إلي جائزة أحسن أستاذ في الجامعة من طرف الطلبة. أنهت تلك الحادثة نهاية مساري كأستاذ جامعي. كان هذا قبل 54 سنة.

 في تلك الفترة نفسها كان من بين طلبتك جيم موريسون الذي صار لاحقا نجم مجموعة “ذي دورس” الغنائية. هل كنت تعرفه جيدا؟

جاك هيرشمان:لا. كان واحدا من 500 طالب يحضرون الفصل. لم يكن معروفا بعد وكان يدرس السينما على ما أتذكر. لم أكن أعرفه جيدا.

الثقافة لا الدين

 يستعد مهرجان سيدي بوسعيد للشعر بتونس لاستقبالكم في دورته السادسة هذه السنة، كيف ترى العالم العربي والثقافة العربية؟ وما موقفك من الشعوب العربية التي تتوق إلى الحرية والديمقراطية؟

جاك هيرشمان: الشيء المؤسف هو أنه في العالم الغربي يتم في أغلب الأحيان تقديم العالم العربي من منظار ديني، في حين أن الثقافة العربية هي عظمة البعد العربي. هنالك الكثير مما ينبغي فعله للتعريف بالثقافة العربية والشعراء والخطاطين والموسيقيين.

صحيح أن في الولايات المتحدة هنالك ولعا ببعض عمالقة الثقافة الشرقية كابن الرومي مثلا، لكن هنالك عدد لا يحصى من أدباء العربية والفارسية وغيرهما من لغات الشرق الأوسط المعاصرين الذين هم جديرون بالتعريف.

11