الشاعر الأميركي جون جيرونو يريد أن يجعل الشعر فيروسا يعدي الناس

الشعر أقرب إلى الطاعون، وباء يجتاح البشر، يعديهم، ينتقل بينهم حاملا تفاصيل جديدة وعوالم عذراء، هكذا يرى الشاعر وفنان الأداء الأميركي جون جيرونو (79 عاما) الشعر، حيث يجب أن يتجاوز دفتي الكتاب، وينتقل إلى حياة الناس اليومية عبر وسائل الاتصال الحديثة، لذا عمد إلى تأسيس ما يعرف بـDial-A-Poem أو “اتصل لتسمع قصيدة”، ومنذ أن راودته هذه الحالة السوريالية في الستينيات انبرى يفكر في إيجاد آليات تنفيذها إجرائيا، ليجعل الوصول إلى الشعر أكثر تداولا، حتى يظل جزءا من حياتنا وفي محيطنا.
الأربعاء 2015/10/28
حينما تلقي قصيدة أمام 500 شخص تلاحظ 500 انعكاس لها

اليوم في قصر طوكيو بباريس، تُستعاد تجربة فكرة “اتصل لتسمع قصيدة”، عبر تحويل الشعر إلى حالة أكثر تفاعلية مرتبطة بالوسائط الحديثة مثل “الشاشات، الهواتف، الحواسيب اللوحيّة”، بالإضافة إلى التعاون مع شركة تخديم الهواتف أورانج في فرنسا التي تتيح حاليا خدمة الاتصال على رقم مجانيّ وسماع قصيدة.

شعر دون صفحات

ينتمي جون جيرونو إلى جيل الستينات في أميركا وهو مؤسس “أنظمة جيرونو الشعريّة” واستعادة قصر طوكيو لتجربته الشعرية والفنية تعتبر محاولة لجعل الشعر حالة أقل أرستقراطية وأكثر اقترابا من الجمهور.

وفكرة معرض للشعر جعلت القصيدة أقرب إلى أداء فني، يشترك فيه المتلقي مع التكنولوجيا من أجل سماع القصيدة، ليكون الفعل هنا متبادلا بين الطرفين، هادما للعلاقة الأحادية بين المتلقي-القصيدة، لتكون مشاركة حسيّة تنقل فيها القصيدة المعاني الغاضبة والثورية، التي تدعو إلى إعلان الانتفاضة في وجه الأنظمة القائمة والعادات الاجتماعية، بل حتى عادات وتقنيات تلقي الشعر نفسه، وخصوصا أن جيرونو يتناول المفاهيم الجنسانية، فهذا الأخير ناشط في مجال الأيدز ومهتم بنشر الثقافة الجنسانية والانفتاح على الآخر جسديا وعاطفيا وفكريا، وقصائده مليئة بالإباحية، يتحدث فيها عن مغامراته الجنسية المختلفة في أنحاء أوروبا وأميركا، لتكون القصيدة إعادة تجسيد لحالات اللذة المختلفة، وتبدو على فجاجتها، تجربة حسيّة عالية، تستبيح المستمع أو القارئ وتنتهك حرمة أحاسيسه.

ثورة ضد القيم

مشروع “اتصل لتسمع قصيدة” عمل جون جيرونو أول مرة عليه عام 1967 في نيويورك، حيث عمد إلى التعاون مع بعض الشعراء المعاصرين في تلك الفترة وتسجيل قصائدهم بأصواتهم وجعلها متوافرة على الهاتف وفي المتناول بمجرد الاتصال برقم معين، وقد عمل مع شعراء مثل جون أشربي، ديبورا هاري، إلى جانب موسيقى فيليب غلاس لخلق تجربة جديدة في التلقي لا تقوم على القراءة فقط، بل كذلك على الاستماع بخلق عوالم صوتيّة ترسم فضاء القصيدة وملامحها.

الشعر يجب أن يتجاوز دفتي الكتاب وينتقل إلى حياة الناس اليومية عبر وسائل الاتصال الجديدة

قصر طوكيو قام باستعادة تجربة جيرونو، لندخل مثلا علبة خشبية تحوي شاشة عرض، يظهر فيها هذا الأخير بمنزله يلقي لنا شعرا ويؤديه جسديا، إلى جانب صالة عرض تحوي صورا له في مختلف مراحل حياته وتنقلاته، ثم ننتقل إلى صالة أخرى جدرانها مليئة بالملصقات التي تحوي شعارات شعريّة مكثّفة مثل “الحياةُ تقتل” و”الجميع هم خيبة للأمل” و”قل لا لقيم الأسرة”، الحجم الكبير لهذه الملصقات يجعلها صادمة؛ فما نتهامس به من شعارات لا نراها علنا إلا في المظاهرات الرافضة للقمع السياسي والاجتماعي، فهي تحضر أمامنا بحجم كبير داخل صالة عرض فاخرة، ليفقد المُحرّم الذي تحاول هذه الشعارات انتهاك قدسيته، في إحالة إلى “ثقافة البوب” وما تحويه من ثوريّة على القيم الاجتماعية، خاصة أن جيرنو كان بطل فيلم فنان البوب أرت أندي وارهول “نوم 1963” والذي يمكن مشاهدته ضمن المعرض في صالة خاصة، ويُذكر أن جيرونو من الداعين إلى جعل الفن أكثر ثوريّة وديمقراطية أمام الجميع، فإلى جانب ما سبق نرى في إحدى الصالات شاشات معلقة تعرض عليها القصائد ونسمعها بأصوات عدد من المؤدين، لتكون أقرب إلى الصفعات البصريّة والصوتيّة.

هذه التجربة في نسختها الفرنسية وبموافقة جيرونو تحوي شعرا ومقاطع نثرية تعود إلى بداية القرن العشرين، وتتضمن نصوصا لأنتونان أرتو، سيمون دي بوفوار، لويس بورخيس، إلى جانب مشاركة 135 فنانا وشاعرا ومغنيا لتكون أصواتهم المألوفة بالنسبة إلينا حاملة للشعر، في محاولة لإيصال القصيدة إلى أوسع جمهور ممكن.

يقول جيرونو، في مقابلة منشورة سابقا، إن الشعر أقرب إلى المرآة، إذ هو انعكاس لعقلية المتلقي، ويضيف “حينما تلقي قصيدة أمام 500 شخص، فأنت ترى 500 انعكاس لها، وكل قصيدة تحمل خصوصية مرتبطة بهذا المتلقي” ويضيف أن المرآة تحمل الحكمة، فالأمر الذي يهمّنا أساسا هو الأصوات التي يسمعها الشاعر لا الكلمات، الأصوات وما تحمله من مشاعر وأحاسيس يريد نقلها إلى المتلقي-المرآة، في سبيل زعزعة ما يؤمن به، إذ نراه يقول في قصيدة بعنوان “قل لا لقيم الأسرة”: فقط، قل لا لقيم الأسرة ولا تترك وظيفتك الصباحية/ المخدرات مادة مقدّسة، وبعضها مواد مقدسة جدا، أرجوك قدّرها لأنها بطريقة ما تحرر العقل/ التبغ مادة مقدّسة للبعض، وبالرغم من أنك أقلعت عن التدخين، أظهر بعض الاحترام لها.

14