الشاعر الإنكليزي ديفيد هارسينت يفوز بجائزة تي. إس. إليوت

الأربعاء 2015/01/14
الشاعر الإنكليزي ديفيد هارسينت خائف من نهاية الكوكب

لندن – أخيراً نال الشاعر الإنكليزي ديفيد هارسينت (1942) جائزة تي إس إليوت المقدَّمة من جمعية كِتاب الشعر البريطانية عن ديوانه الحادي عشر “أغاني النار”. ظل هارسينت يطارد الجائزة منذ عام 1998، وهذه هي محاولته الخامسة، والناجحة، لاقتناص هذا الشرف.

لا يُعتبر الشاعر ديفيد هارسينت مع ذلك غريبا عن الاحتفاء النقدي، فجعبته حافلة بصنوف التكريم، من بينها جائزة فوروارد عن ديوانه “الفَيْلَق” (2005) وجائزة جريفين الدولية للشعر عن ديوانه “الليل” (2011). يعمل هارسينت أستاذا في الكتابة الإبداعية بجامعة روهامبتون وزميلا في الجمعية الملكية للأدب.

تم تأسيس جائزة تي إس إليوت، الجائزة الشعرية الأهم في العالم، عام 1993 احتفالا بعيد إنشاء جمعية كِتاب الشعر الأربعين وتكريما للشاعر البريطاني المؤسس لها. احتفت الجائزة برموز متألقة كالإنكليزي تيد هيوز والاسكتلندية آن دافي والأيرلندي شيموس هيني ومواطن جزيرة سانت لوسيا ديرك ولكوت. وقد فاز بالجائزة في العام الماضي ديوان “اختلاف المنظر” للشاعرة الأيرلندية شينيد موريسي.


تكريم إليوت


احتفالا بالذكرى الخمسين لوفاة أشهر شعراء العصر الحديث تي إس إليوت، حامل جائزة نوبل عام 1948 وصاحب قصيدتيّ “الأرض اليباب” و”أغنية حب جيه ألفريد بروفروك”، رفع القائمون على الإرث الأدبي للشاعر قيمة الجائزة من 15000 جنيه إسترليني إلى 20000 جنيه إسترليني، كما شددوا على دعمهم للجائزة بأن صاروا راعيها الوحيد بعد انتهاء عقد رعاية لها امتد ثلاث سنوات مع شركة الاستثمار أورام.

اختارت لجنة التحكيم المكونة من هيلين دانمور وشون بورودال وفيونا سامبسون ديوان هارسينت من بين مئة وثلاثة عشر كتابا قدَّمها الناشرون لتعكس على حد قول رئيستها الشاعرة دانمور “حساسية موسيقية وبراعة وطموحا يمتاز بها شعراؤها”. تفوق ديوان هارسينت على ديوان “ليلة مخلِصة وعفيفة” للشاعرة الأميركية لويز جلوك الفائزة بجائزة بوليتسر وديوان “تعلُم صناعة عود في الناصرة” للشاعرة البريطانية روث بادل، وأيضا ديوان “خطابٌ مكتوبٌ في هدوء مؤقت أثناء القتال” للجندي السابق في حرب العراق الأميركي كيفين باورز.

طوف جليدي
بقعةٌ من جليد فوق جليد،

من بياض فوق بياض

والبهاء في لحظات الغياب.

انعدمت الأصوات ذات يوم

عدا الرياح تنادي أشباحها،

حين تراءى الأفق كالندبة على الزجاج،

حين تباطأت دقات قلبك مع البرودة،

حين جلبت أحلامك طائراً أبيض

على سماء بيضاء وموسيقى لا سبيل لسماعها

إلا من وقت إلى آخر على الجانب الآخر من الليل.

والآن، يبدو الأفق لطخةً؛

الآن ثمة ثقل رهيب في الهواء

ووصمة مقطوعة قوياً عميقاً في التجلد السرمدي.

التكسر والانزلاق؛ قعقعة ماكينة هائلة

تدير مكابسها، قعقعة كل شيء يزل؛

والمياه تتعالى سريعاً، وتتلاشى الموسيقى.

ويُعد هذا الفوز انتصارا أي انتصار بعد أن تميز هارسينت على جون بيرنسايد ومايكل لونجلي وهوجو ويليامز، وكلهم فائزون سابقون بالجائزة. وللمرة الثانية هذا الشهر تحصل دار نشر فابر على جائزة كبرى بعد أن فازت الكاتبة الإنكليزية كيت سوندرس بجائزة كوستا للأطفال عن كتابها “خمسة أطفال على الجبهة الغربية”.

وفي كلمتها وصفت دانمور هارسينت “بشاعر الأيام الكئيبة الخطرة”، معلنةً أن ديوان “أغاني النار” يسبر “اللغة والعاطفة بألمعية فنية وسلطة نبوية”. صرح هارسينت أنه استوحى الديوان من “تدمير الكرة الأرضية” بفعل التغيرات المناخية، وكذلك قلْق ابنه الأصغر من “موت الكرة الأرضية المتوقد”.

وقال لوكالة رويترز في حفل توزيع الجائزة بمعرض والاس للمجموعات الفنية إنه “يأمل لو يُقْدم السياسيون على خطوة لإبطال هذا التأثير”.

“أحيانا ما أتساءل إن كان المسؤولون عن مجريات العالم ينظرون إلى هذه المشاكل العصية فيما يبدو على الحل، مشاكل نهْب الكوكب، أتساءل إن كان لديهم أطفال أو أحفاد، هل يفكرون أبدا في المستقبل؟”

وسواء القصائد المنفردة أو السلاسل الدرامية المتعاقبة أو القصائد المترابطة، لا يعالج ديوان “أغاني النار” هذه القضايا البيئية على نحو مباشر وإن كانت قصيدة “أغاني النار” عبارة عن “فانتازيا سوداء عن نهاية العالم” كما وصفها الشاعر. فيها يتجسد الراوي في جسد الحالم المفتون والنشوة والابتهاج الروحي يغمرانه.

وبحكم طبيعته الدموية وتناوله لتقوض البشرية، يصدم الديوان القارئ بصور تعكس عنفا، فهناك أشخاص يستشهدون بعد حرقهم على خازوق، وفئران قذرة تعدو، وكتب تحترق وألسنة اللهب تتعالى منها، وحروب وتفسخ مادي ونفسي. إنها رموز الانحطاط المعاصر في أحلك لحظاته الشعرية.

ومع كل هذه الكآبة لا يخسر الشاعر موسيقاه أو تنسل صوره البلاغية إلى ما هو دون الشعرية النابغة، من “بُرْعُم مغموس في الماء” أعلى قلب المسيح المصلوب إلى “سفعة الذرة والكرنب” والجناس الاستهلالي.

الغاطسة
أعمق قليلاً، وسيغيب عنها الضوء.

بالكاد يمكن لمس السطح في البداية،

ظلالٌ قد تكون سحباً

أو طيوراً تحلق في السماء.

تحط وجهَها على الغشاء

كي تنهل من آخر عالَم جاءت منه،

إحساسٌ ضئيل بأصوات تخبو

وهي تنساب مما يشْبه النهار إلى ما يشْبه الليل

درجة رمادية مخضرة أولاً ثم تتحول إلى أزرق،

ثم إلى ما يفوق الأزرق،

ثم إلى أزرق لم تقع عليه عين قط عداها،

انجرافٌ يتمهل إلى الظلمة

يشرع في تمزيق كل ما امتلكته أو رامته،

كل ما كانت عليه في أي لحظة.


مطاردة الأحلام


يرى الشاعر النار مدلولا أبديا يطارد أحلام الفانين ويسيطر على معطيات الحضارة، يكتب في إحدى قصائده، “قصة ما قبل النوم هي النار، حكاية الجان هي النار، الوعد بالضوء لرجل يحتضر ما هو إلا وعد بالنار. ماذا يمكن قوله في النهاية؟”.

وبنبرة صلبة كما الفولاذ، ولكن شعرية الجوهر، يطالعنا الشاعر بسيرة موحشة في قصيدة “أغانٍ من الأرض نفسها” وبسرد متجزئ تجزؤ الحياة في قصيدة “كتاب الأحلام”، وفي أربع قصائد تحت عنوان “نار” تتوالى سطور معذِبة من الانفصال والتمزق البشري.

وبين القصيدة والأخرى يتوه الفارق بين الحلم والذكرى، بين الماضي والنبوءة، يتوغل العامل الفردي في الجمعي.

في قصيدة “ألم” تنفتح الأسطورة على أسطورة تالية، وتتدحرج الكلمات متقلبةً بضربات ملتاعة خاطفة، “هنا، تصرخ امرأة في وجه أخرى. هنا، يضرب شخص آخر. هنا، تتراجع المرأة وإلا لن تكونا امرأتين إلا في الحلم”.

تعتقد الناقدة فيونا سامسون أنه من المستحيل أن نطالع هذه القصائد دون أن نشعر بأن تهديدها المتكرر “سوف تندلع النيران” تهديد شخصي وكذلك جماعي.

كان الناقد آدم نيوي بجريدة الجارديان البريطانية قد وصف الديوان بأنه “تيار من الرؤى والأحلام المحمومة، سفر الرؤيا يتحقق من خلال الحرب والكوارث البيئية أو القدرة البشرية اللانهائية على خداع الذات والتعذيب”.

وشأن الشاعر الأيرلندي دابليو بي ييتس يلعب هارسينت في ديوانه على رموز الكتاب المقدس، وعند قراءته، تسمعه الأذن سماعها لسفر الرؤيا، وإنما بنسخة حديثة متطورة. لا مناص من أن ينتزع الديوان من القارئ رد فعل بدائياً سواء كان انزعاجا دقيقا أو رعبا متماديا خليقا بإنسان الغابة. إن النار هي الرمز الغالب، بحمرتها وتوهجها وتوقها إلى الفتك والتبديد. ومثلما بثت في الأرض يوما الخلاص والبعث، بإمكانها محو كل شيء.

14