الشاعر السعودي أحمد قران الزهراني: نحن في الطريق الصحيح

الشاعر أحمد قرّان الزهراني يرى أن الكتابة حالة وجودية يشعر معها الكاتب أن العالم بين يديه، فمن خلال الكتابة يتطلع إلى تغيير الواقع إلى واقع أجمل.
الاثنين 2019/07/01
الكتابة ملجأ للذين عاشوا من أجلها

تمتلئ يوميات الشاعر السعودي أحمد قرّان الزهراني بالشعر وبالعمل الأكاديمي الذي يجد نفسه بينهما مقسّما ضمن أفق معرفي يوّلد أفكاره فيه؛ حينا إبداعا، وحينا آخر دراسة واستقصاء، فهو بين عالميه الباحث الجاد، والشاعر المشغول باللغة وبألغامها. “العرب” توقفت معه في هذا الحوار الذي تناول هموم الكتابة والبحث وقضايا مرتبطة بالمشهد الثقافي السعودي.

يتوقف الشاعر أحمد قرّان الزهراني بعد سنوات طويلة من الكتابة ومن الشعر ومن الاشتغال الأكاديمي ليفكر متأملا في جدوى الكتابة في ظل هذا الفضاء الذي امتلأ بالمتناقضات مثلما امتلأ بالعبث في كل أشكال الكتابة، ولا يستثني من هذا التساؤل شكلا كتابيا، سواء أكان علميا أو إبداعيا، حيث مساحات النشر المفتوحة دون تدقيق وفرز، مما ساهم -حسب رأيه- في نشر الكتابات الرديئة.

رغم ذلك يرى أن الكتابة ملجأ للذين عاشوا من أجلها وأصبحوا لا يتنفسون خارج إطارها. يقول “الكتابة حالة وجودية يشعر معها الكاتب أن العالم بين يديه وأنه يمتلك ما لا يمتلكه غيره، فمن خلال الكتابة نتطلع إلى تغيير الواقع إلى واقع أجمل، أكثر حركية وحرية وسلاما”.

مشهد ثقافي

عن قراءته للمشهد السعودي المعاصر يقول الزهراني “كلنا يعرف المصطلح القومي السابق الذي كان يطلقه بعض المثقفين العرب وأقصد بذلك ‘مدن المتن ومدن الهامش‘، وبالطبع كانت السعودية خارج هذا التصنيف، ولكن مع الطفرة التعليمية التي عاشتها السعودية في العقود السابقة، مرورا بمرحلة الحداثة، وليس انتهاء بالحضور الثقافي المؤثر للثقافة السعودية على المستوى العربي، أصبحت كل مدن السعودية متنا أكثر من مدن المتن العربية السابقة”.

ويضيف “ما أريد قوله أن المشهد الثقافي السعودي بكل تجلياته، والشعر بشكل خاص، تجاوز التجارب الشعرية العربية، ليس بكثرة الشعراء فحسب، بل بمستوياتهم الفنية العميقة وبتجاربهم المتنوعة، وأصبحت تجاربهم الشعرية محط الدراسات العلمية في الجامعات العربية، لأن التجربة الشعرية السعودية ناضجة ومتكاملة ومتنوعة”.

من خلال أطروحته الأكاديمية التي طبعها مركز دراسات الوحدة العربية ضمن سلسلة أطروحات الدكتوراه عام 2015، بعنوان “السلطة السياسية والإعلام في الوطن العربي”، توقفنا مع الزهراني حول كيف يرى حرية الرأي والتعبير في ما يخص الإعلام السعودي على وجه الخصوص، لاسيما بعد التحولات الوطنية الأخيرة؟ وكيف يستشرف المستقبل؟

تأملات في جدوى الكتابة
تأملات في جدوى الكتابة

يجيب الشاعر “الحريات العامة تبدأ بعد حرية التعبير، حيث أن حرية الرأي والتعبير هي أساس الحريات، وليس هناك مجال لحرية التعبير أكثر من وسائل الإعلام، فمتى ما كانت هناك حرية في وسائل الإعلام كان البناء والتنمية ومحاربة الفساد والتفوق العلمي والتكنولوجي وتصحيح المسارات الخاطئة وتنشئة أجيال تتقبل الرأي الآخر وتؤمن بدوره في التقدم الحضاري”.

ويتابع “أما بالنسبة إلى الإعلام السعودي فهناك مدٌّ وجزر، حسب القضايا المطروحة والفضاء المتاح، فحينا تتقلص الخطوط الحمراء، وتتسع مساحة حرية الرأي، حتى ننتشي فرحا بذلك، وحينا آخر تضيق المساحة وتتسع الخطوط الحمراء، ولهذا لا نستطيع أن نحكم على حرية الرأي والتعبير في الإعلام السعودي، ولكن في ظل هذه التحولات الاجتماعية والثقافية الكبيرة للمجتمع السعودي الأمل كبير في أن يصاحبها انفتاح إعلامي داخلي ومساحة من الحرية في الرأي”.

مرحلة جديدة

يعلم القارئ أن تيار الصحوة شكّل ارتدادا للحداثة ومعطياتها في السعودية من خلال منابر دينية واجتماعية تعددت باتساع البلاد، وفي الحديث عن الصحوة في السعودية التي قوّضت مؤخرا بشكل رسمي، يؤكد الزهراني أن أي صراع لا يستند إلى مفاهيم معرفية وأطر علمية هو انتكاس للتطور والتحديث خاصة إذا كان هذا الصراع في أغلبه صراعا شفاهيا، يقوم على محاربة الآخر وفكرته دون النظر إلى إيجابيات الفكرة.

يقول الزهراني “هذا ما حدث في الصراع بين التيار الحداثي والصحوي وأنا هنا أتعمد هذين المصطلحين ‘الحداثي والصحوي‘ لأن التيار الليبرالي يستوعب الآخر، ويتعاطى معه، ويناقشه، والتيار الديني أيضا يحاور الآخر لتحقيق منفعة عامة، وليس لتحقيق منفعة ذاتية. التيار الحداثي والتيار الصحوي كانا يتصارعان من أجل منافع خاصة بكل تيار”.

وفي الشأن نفسه يرى الشاعر أن “رؤية 2030 جاءت في وقت وصلت فيه السعودية إلى مرحلة الكهولة، وضاق أفق التطور حتى كاد ينسد، وبدأت بوادر العجز على الاستمرارية بذات القوة والتأثير التي كانت عليه في العقود الماضية، ولعل محور ذلك هو الاقتصاد الذي كان يعتمد كلية على النفط، وكان لا بد من رؤية للتغيير الكلي اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، وهي منظومة متكاملة. فجاء الأمير محمد بن سلمان ليقرأ الواقع والمستقبل، ومن خلال ذلك اكتشف أين نحن من العالم، وما هي الحالة الحضارية التي تعيشها البلاد، فكانت الرؤية التي بدأت في التغيير الشامل”.

ويضيف “ولأن التغيير السياسي والاقتصادي والثقافي لا يمكن له النجاح إلا بالتغيير الاجتماعي فقد بدأ بذلك، فألغى العديد من الهيئات ودمج بعض الوزارات واعتمد على أن مفهوم الإسلام دين الوسطية، ويقبل كل الاختلافات، وبالتالي الثابت بالدليل القاطع على الحرمانية لا مساس فيه، أما ما كان محل اختلاف بين العلماء فيتم التيسير فيه، فجاءت التغييرات الجذرية في بنية الدولة والمجتمع، وأصبح ‘العلاج بالصدمة‘ هو العلاج الذي استخدمه الأمير محمد بن سلمان لمجتمع يتصارع فيه تياران ‘الصحوة والحداثة‘ صراعا غير منتج، وبلا فائدة عائدة على المجتمع السعودي. توقفت الصحوة والمؤسسات المحسوبة عليها مقابل أن المجتمع كله يعيش حالة حداثية في كافة جوانب الحياة”.

المشهد الثقافي السعودي، وخاصة الشعر، تجاوز التجارب الشعرية العربية في المستوى الفني والتجارب المتنوعة

وفي ختام الحوار توقفنا مع ضيفنا عند مبادرات وزارة الثقافة التي دشّنت مؤخرا، وعن مرئيات واستشراف المثقفين لها. يقول أحمد قرّان الزهراني “القراءة الأولية لما يقوم به وزير الثقافة من تحركات وتغييرات ومبادرات تشي بأننا في بداية الطريق الصحيح للنهوض بالثقافة المحلية بكل تنوعاتها، فالمبادرات ركزت في بداياتها على المثقف بشكل خاص، خدمته والاعتناء به وبمنتجه الثقافي، وكأن الوزير يريد أن يقول للمثقفين ‘الاهتمام الأول بكم ثم بعد ذلك بالمنتج الثقافي‘. وهي خطوة ذكية ومهمة، لأن المثقف السعودي عانى كثيرا من الإهمال رغم محاولة الوزارة في مرحلة سابقة الاهتمام بجزئيات قليلة بالمثقفين، لكن المثقف لم يكن يثق في المؤسسات الرسمية، وتأتي هذه المرحلة لتوحي بالاهتمام بالمثقف ومنتجه والثقافة بشكل عام، وعلى وزارة الثقافة إن أرادت أن تكون حديثة ألا تستند إلى تجارب سابقة”.

ونذكر أن الشاعر أحمد قرّان الزهراني يعمل أستاذا للإعلام بكلية الاتصال والإعلام بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة، وقد شغل منصب المدير العام الأسبق لإدارة الأندية بالسعودية، وقد صدرت له مجموعة دواوين شعرية، نذكر منها “دماء الثلج” 1998 و“امرأة من حلم” 2000 و“بياض” 2003 و“لا تجرح الماء” 2009، بالإضافة إلى بحوثه الأكاديمية وكتاباته الصحافية التي تتناول الشأن الثقافي العام.

15