الشاعر السعودي طلال الطويرقي: نعيش في ظلامية التأويل

الاثنين 2014/05/19
الطويرقي: أثق تماما في أن الزمن هو من ينصف المبدع ولو بعد حين

السعودية- على الرغم من عمق تجربة الشاعر السعودي طلال الطويرقي إلا أننا لم نصادف جديدا له إلا أواخر سنة 2013 في مجموعته الشعرية “وكأن شيئا لم يكن” التي عانقها القارئ عبر دار “أثر” السعودية بعد أن أصدر عمله الأول سنة 2007 والمتمثل في ديوان "ليس مهما"؛ “العرب” التقت الشاعر الطويرقي لتتحدث إليه عن تجربته والمشهد الشعري السعودي والعربي وعديد المواضيع الأخرى، فكان هذا الحوار.

كتب عن تجربة الشاعر السعودي طلال الطويرقي الشاعر اليمني عبدالعزيز المقالح، وعالي القرشي وعبدالله الفيفي وعبدالمحسن يوسف، وتحدث عنها حامد الربيعي وصالح الزهراني وصابر الدايم وعبدالله السمطي وسعد الحميدين وهدى الدغفق وآخرون.. الأمر الذي يجعل الطويرقي في حالة طمأنينه لنصه. لكن هذه الحالة التي هيأها له النقاد والصحفيون لم تعطّل ممارساته في توسيع مدارك لغته الباحثة عن مناخات جديدة للاشتغال بكل امتداداتها الفكرية والعاطفية.


التصنيف لا يعنيني


لم تشغل قصيدة النثر مساحة في تجربة الطويرقي وربما يعود ذلك لكونه مازال ابنا بارا جدا للإيقاع الذي تقاسمه بين شعر التفعلية والشعر العمودي بخفّة نادرة توهم القارئ لأول وهلة أنه ضمن اشتغال نثري. يقول الطويرقي عن هذا الشأن: “لا أعتقد أن مسألة التصنيف تشغلني كثيرا، فالثقافة ممارسة واعية للتعدد والتجاور، ولا تحتمل الإقصاء ضمن معادلاتها لأنها فعل تراكمي بشكل ما".

ويضيف قوله:“أنا أومن بالتمرحل الطبيعي للتجربة، ولا أعتقد أن من لم يجرب كافة الأشكال الكتابية يستطيع أن ينجز نصا يعوّل عليه على صعيد النص الأحدث. وللحقيقة فقد كتبت النص النثري من مدة، وبين يدي تجربة نثرية خالصة سترى النور قريبا”.

الثقافة ممارسة واعية للتعدد والتجاور ولا تحتمل الإقصاء ضمن معادلاتها لأنها فعل تراكمي بشكل ما

في ديوانه الأخير “وكأن شيئا لم يكن” -وهو نص واحد طويل- ينتقل الطويرقي في عوالمه الشعرية بمرونة بين التفعلية والعمودي دون أن يرتبك القارئ بتعدد المناخات، فالقصيدة تستمر متدفقة من صورة إلى صورة وكأنها تنتقل من مشهد مسرحي إلى آخر داخل فضاءات النص نفسه. يحدّثنا الطويرقي عن تجربة الكتابة فيقول: “الشاعر الذي أثق به في داخلي هو ضابط إيقاع النص، ومايسترو اللغة في آن، ليس بوسعي حقيقة أن أقترح عليه قالبا معينا يمكن أن يكون إطارا لنصه أبدا، ولذا أترك له كامل خياراته واقتراحاته ما لم تخرج بالنص عن الشعرية بصورتها الأكبر” .

ويتابع الطويرقي قوله: “أنا مؤمن تماما بهذا الشاعر الذي قضى زمنا متقلبا في الشعرية العربية ونقدها وثقافتها، ومتمرسا في الثقافة بتشكلاتها المختلفة، فأنا لست إلا مؤدّ في جوقة معزوفته الباذخة”.


حالة طلاق


يعدّ الطويرقي من جيل الألفية الجديدة التي رسمت ملامحها في أواخر التسعينات وبدأت في تشكيل أصواتها الشعرية بداية الألفين. هذا الجيل كانت له أفكاره ورؤاه المنبتّة عن أيديولوجيات الجيل السابق. له همومه المختلفة، وقضاياه المعاصرة المغايرة، إنه جيل أكّد على حالة الطلاق الأيديولوجي مع المشروع العربي، أو المشاريع اليسارية المؤسسة على المعارضة المؤدلجة.

عن هذا الشأن يعلّق الطويرقي: “جيل الثمانينات أخذ حقه من الوهج لسببين من وجهة نظري، الأول: أن هذا الجيل واجه السهام التي وجهت نحو التجديد والحداثة حينها، ما أفرز أبطالا على صعيد المعركة لا النص وإن كان ضمن شعرائه من يستحق التقدير حتما حتى نكون حياديين وواقعيين.

والثاني: هذا الجيل أنتج نقاده ليواكبوا الحركة الشعرية نفسها ويكوّنوا حكايات بطولاتهم أيضا لكنهم ساعدوا بشكل ما في إبراز شعراء هذا الجيل، وهذا ما يؤكد قول السريحي قبل أيام من أن كثيرا من النقاد لم يرقوا إلى مقاربة تجربة الثبيتي تحديدا. أقول هذا، وأنا أثق تماما بأن النص مقدم على التأويل، لكن هذه مقتضيات الحكاية الواقعية”.

ويضيف الطويرقي: “بالعودة إلى الأيديولوجيا.. فإن عدم الأيديولوجيا هي أيديولوجيا بشكل ما، ولكن سأقول: إن هذا الجيل الذي تشكّل في الألفية الجديدة يظل جيلا منحازا لتجربته الخاصة التي لا ترتهن كثيرا لثقافة الآباء، وقد استمدّ رؤاه من همومه الخاصة، ومن يومياته البسيطة مبتعدا عن ثقل النص اللّغوي الثمانيني ليكون نصه البسيط الأكثر عمقا وشاعرية. ورغم ذلك كله أثق بأن لكل جيل رؤاه وتجربته وسياقه”.


رقيب ديني

إطلالة الطويرقي الأولى على الشعر


يعايش الكاتب السعودي قلقا كبيرا من الرقيب الديني البوليسي على منجزه، حيث قد يصل الأمر بهم للمساءلة والمحاكمة والسجن كما حصل مع بعض الشعراء السعوديين والأدباء العرب. الأمر الذي يجعل المنجز الشعري السعودي في حالة ارتباك وتوجّس من الرقيب وسلطته. وربما يدفع ذلك بعض الشعراء إلى منطقة موغلة من المجاز ليفلت من قبضة التأويل المباشر للنص.

عن ذلك يعلّق الطويرقي قائلا: “لم تعد للرقيب جدواه في هذا الزمن المفتوح، وبالتالي لن يكون سيفا مسلطا على رقبة النص أصلا. وبالطبع يكون المجاز ممكنا جدا ضمن لغة للمجاز فيها قدح معلّى، ولكن ستهرب من الرقيب بذكاء الشاعر فقط معتمدا على سطحيته التي لا تمتلك حتما عمق الشاعر في تعاطيه وتعامله الشفيف مع اللّغة والحدث”.

ويضيف الطويرقي قوله: “أعتقد أن السلطات التي تمارس على النص من خارجه هي سلطات لا منطقية خصوصا حين يكون الدين سيفها المصلّت على المبدع وإبداعه، ولعل ما شاهدنا من تجارب في هذا الصدد يجعل الشاعر يأخذ برقاب نصه نحو السلامة ليسلم من ظلامية التأويل التي لا تمت للسياق الأدبي أو الكتابي بصلة، وهناك نماذج عدة عبر التاريخ العربي دفعت ثمنا باهظا لأفكارها تحت مطرقة مجتمع لا يقبل الجديد بسهولة، لكن أثق تماما بأن الزمن هو من ينصف المبدع ولو بعد حين والأمثلة كثيرة في تراثنا”.


شهوة السرد


انتقل الكثير من الشعراء إلى تجربة السرد الروائي بعد مجموعة إصدارات شعرية، وكأن شهوة السرد تلحّ على الشعراء ليقولوا من خلاله ما لم يستطع أن يقوله الشاعر عبر نصه. الأمر نفسه واجهناه مع شاعرنا الطويرقي حيث أنه يعكف على اشتغال سردي تدور مناخاته في حارات مكة القديمة بكل ما تحمل من ألفة وفقر وألم ومفارقات المتعة في الأرض الحرام.

يتداخل الطويرقي معنا حول هذه القضية معلّقا: “في مرحلة ما بعد الحداثة تتجاور الفنون وتتساوق في ما بينها ولا يمكننا الفصل بينها بشكل حازم، فالرواية أحيانا تتلبس لباس لغة شعرية، وقد تتلبس الشعر سردية بشكل ما. وأنا مؤمن بأن من يمتلك زمام اللّغة بشكل مميّز لن يقف أمامه حائل للتعبير عن رؤاه في أي فن. ويمكنني القول: إن التجربة هي المحرك الأول لشكل النص بعيدا عن المسمّى، وليس بالضرورة أن يخوض الشاعر غمار السرد بعد ذلك”.

15