الشاعر السعودي علي سباع: لي ما كتبت ولكم ما تقرؤون

قلق المبدعين يدفعهم إلى الكثير من التجارب في حقل الكتابة بهدف استكمال مناطق لربما لم يكتشفها أحد في الشعر أو في السرد، لهذا نجدهم قلقين حيال تجاربهم الجديدة أمام الهندسات الشعرية الكلاسيكية الجاهزة، ويحاولون ابتكار لغتهم وسط ضجيج التجارب التي حولهم. الشاعر علي سباع واحد من أصحاب تلك التجارب التي لا تهدأ، محاولا أن يرسم مشهدها الإبداعي الخاص. وقد التقته “العرب” وكان لنا معه هذا الحوار.
الجمعة 2015/08/07
علي سباع من الجيل الشعري الجديد الذي يؤثث لقصيدته بهدوء دون أن يوقظ أحدا

بالتعاون مع الدار العربية للعلوم ناشرون ببيروت أصدرت دار أطياف السعودية مجموعة “نزهة الهارب ومشيئة الغريب” للشاعر السعودي علي سباع، المجموعة هي الثانية بعد مجموعته “بأبواب المدينة كلّها” الصادرة في 2011 عن دار “الغاوون”.

وخلال الأربع سنوات الماضية كان سباع يشتغل على مخطوط “آمنت وحدك”، الذي كان من المقرر أن يكون عملا شعريا تشكيليا مشتركا مع الفنانة التشكيلية السعودية رملاء الحلال. غير أن المجموعة الأخيرة هي التي شقّت طريقها إلى يد المتلقي أولا.

يعدّ علي سباع من الجيل الشعري الجديد الذي يؤثث لقصيدته بهدوء دون أن يجلب ضجة أو يوقظ أحدا. فقط، أولئك المهتمين باصطياد النص المختلف هم وحدهم الذين سيتنبّهون لنص سباع الموغل في الاشتغال والرمزية. فسباع يكتب من أجل أن يستمر في الكتابة دون أن تشغله فكرة هندسة النص القادم، أو شكله، أو جنسه. المهم بالنسبة إليه أن “تستمر في ممارسة الكتابة”.

حالة تأملية

يقول سباع لـ”العرب” عن مجموعته الأخيرة إنها “تأمّل في الكتابة، في منحنيات النّص، في إيجاد الصوت الداخلي بعيدا عن التصنيفات، يحدث مثلا أن نكتب ما لا يعجب أحدا لكنه يمسّ الروح الكاتبة، يحدث أن تشعر بفرادة الجمال أمام جدار الذائقة المتشكّل والمبني على قراءات مكرّرة، لكنني واثق من أنني رغم نزهتي كهارب ومشيئتي كغريب واثق من أنّه ثمّة تناص دائم، وأنّ كل محاولة تحتاج إلى وقت طويل لتشقّ الطريق أمــام ذاتـها فتستطيع الوثوق بتجربة فريدة”.

ويتابع سباع “التجربة هذه لم تكن إجابة عن أسئلة بقدر ما اختلفت عن التجارب الأخرى بتأمّل الكتابة، ومحاولة الولوج والتضحية بالنّص، في سبيل الوصول إلى ذروة ذاتية، كنت -ومازلت- خائفا من هذه التجربة، من الكتابة بهذا الأسلوب الذي يجعلك تركض وتلهث، وتركض وتلهث، وراء التفاصيل الكثيرة في حياتك، محاولا كتابتها ضمن ثرثرة طويلة وبعيدة، بقراءة النص بعد الانتهاء والشعور بأنّ هذه اللوحة الطويلة جدا تشبهك، أعني تشبهني جدا، وأقول في داخلي: لا.. لا أستطيع تغيير كلمة واحدة”.

في \'نزهة الغريب ومشيئة الهارب\' يروي لنا سباع تفاصيل الكائنات شعرا، ويذهب باتجاه السرد دون أن يقع فيه

أشعر سردا

في مجموعة “نزهة الغريب ومشيئة الهارب” يروي لنا سباع عن تفاصيل الكائنات من حوله شعرا، وكأنه يذهب قريبا جدا باتجاه السرد دون أن يقع فيه، في اشتغال شعري وصفه البعض بـ”مجموعة الشاعر السارد”.

عن ذلك يعلّق سباع “أسردُ الأشياء شعرا، هكذا ربّما، لكنني حاولت وأنا أقرأ هذه الجملة أن أعيد صياغتها بالمقلوب، هل نستطيع أن نقول أشعر الأشياء سردا، أم إنني مضطر لتغيير كلمة أشعر، لأنه لا تعني الشعر وإنما الشعور”.

ويضيف “لكن صدقني لست مضطرا لتغييرها، لأنها الجملة الأقرب: أشعر الأشياء سردا وهكذا بكل معجمي اللغوي ومخيّلتي الفارهة ومجازي أذهب إلى السرد كمتنزّه دون أن أتخلى عن ملامحي ودون المساس باتساعه، وقد قلتها في أحد النصوص: أنا النزهة في السرد والشبهة في الشعر والقصبة في الظلمة ولي ما كتبت ولكم ما تقرؤون”. يميل علي سباع إلى كون اللحظة الشعرية ممتدة، وإنها مجرّد بذرة، شرارة، وإن “الحالة الشعرية التي تليها هي الاحتراق، هي الشجرة، هي الصورة التامة للكتابة، والإحاطة بها، والحديث عنها، حتى لو كان سردا يفيض بالشعر، تماما كمن يحكي رؤيا تمتزج بين الخيال والواقع فتشتعل المخيّلة بالمجاز”.

الدمار الكبير

الشاعر علي سباع من مواليد شرق السعودية عام 1983، هذا الجيل له موقفه الخاص حيال القضايا السياسية والنكبات العربية والأيديولوجيات السابقة عليه. فهو جيل لم يؤدلج من جهة، ولم تشتغل قصيدته بالصندوق السياسي من جهة ثانية.

فرادة الجمال أمام جدار الذائقة

ويرى سباع أن جيله عاش مرحلتين، ووجد الخيارات المفتوحة بما لم يكن متاحا لمن سبقه، الخيارات المفتوحة وهبته مساحة للكتابة في جميع الاتجاهات، بالتفكير والقراءة والبحث.

يقول سباع “هذا الجيل عاش بداية دخول الإنترنت واكتشاف العالم، فترة نشره الأولى مع المنتديات الثقافية، التي أظن بأنها أثرت كثيرا في المنحني الثقافي والشعري لهذا الجيل في شبابه، وأثرت على صياغته للمشهد، وفهمه للصراعات، أتذكر أن الكثير من الأصدقاء كانوا يحدثونني بدهشة، أنهم تعرفوا على شبّان إسرائيليين عن طريق الإنترنت، وأنهم صاروا أصدقاء، في المقابل إن البعض الآخر منهم تناقشوا كثيرا حول أمور ثابتة لديهم وغيّروا من أفكارهم”.

يواصل الشاعر قوله “أظن أن مرحلة المنتديات كانت أكثر دفعا بالوعي من الفترة اللاحقة التي بنيت على صراعات تويتر والفيسبوك، لهذا أجد بأنه بالفعل لم تتم أدلجة هذا الجيل بقدر ما كان مفتوحا على الخيارات، أكثرهم بعيدٌ عن الحروب والسياسة ومليء بدهشة التطور الجديد، بين جيلين ومرحلتين ثقافيتين إحداهما ناضحة بالأيديولوجيا وأخرى بالمعلبات الإعلامية والمعارك الوهمية”.

وفي سؤال عن دور الشعر وسط دمار الربيع العربي، يجيب سباع “أؤمن تماما بأن الشعراء كلاعبي الكرة، كلٌّ له طبيعته في اللعب ومركزه المهم من التشكيلة جمعاء، بعضهم سياسيّ ويتخذ موقفا، وبعضهم كأبي نواس، والآخر كالمتنبي، لا يستطيع الشعر أن يكون كلّه موجّها، ولا أن يكون مجرّد غزلٍ أو مديح، أمام الربيع العربي ودماره هناك من مازال يشعل من الرماد شرارة، وهناك من يتغزّل بالاحتراق، وهناك من يجلس وحيدا أمام عتبة داره يصف العابرين”.

15