الشاعر السعودي قاسم المقبل: ترعبني قصاصات الأوراق

هنالك شعراء اختاروا أن يمدّوا قصائدهم بهدوء في الظل، دون أن يشغلهم ضجيج الضوء ولوازم البقاء وسط الناس وجحيمهم الذي غالبا ما يربك عزلة الشاعر وتأملاته، فيقيم لغته في عوالم لم يجربها أو يختبرها أحد قبله، ثم يعود إلينا بقصائده محملة بسلال من الدهشة. "العرب" التقت بشاعر العزلة الدائمة قاسم المقبل للحديث حول الشعر والكتابة.
الجمعة 2016/01/15
الشاعر كائن مغدور

بعد تردد دام قرابة عشرين سنة بين التأمل والكتابة والشطب والإثبات أصدر الشاعر السعودي قاسم المقبل مؤخرا مجموعته الشعرية الأولى عن دار مسعى البحرينية حاملة عنوان “فاصلة لمجاز آخر”، وتأتي هذه المجموعة بعد صدى طويل شق من خلاله المقبل طريقه لقرائه تارة عبر النشر الصحفي، وتارة أخرى عبر أمسياته الشعرية القليلة التي كان يقرأ فيها شيئا من تجربته.

ومن الواضح أن هذا الإصدار لم يبح بكامل ملامح تجربة المقبل الشعرية، فلا يزال في الدُرج بعض التجارب التي يفكر جادا في نشرها، جزء منه شبه مكتمل ويحمل عنوانه المستقل كعنوان “مراودات” أو “هوامش على خاصرة الليل”، والآخر يحتاج إلى بلورة نهائية حتى تكتمل الصورة. فالأمر، حسب المقبل، يحتاج إلى مزيد من الوقت والعمل.

عن التأخر في النشر يقول المقبل: نعم تأخرت في النشر، وما نشر هو جزء من تجربتي، ولكني لن أقول كما قال الشاعر العربي “وماذا تبتغي الشعراء مني”. من أسباب الـتأخر سبب يعود إلى الصعوبة في الاستعداد النفسي بالرجوع إلى ولادات النصوص، ولذا ترعبني قصاصات الأوراق التي تتناثر فوق مكتبي وتتسلل إلى جيوبي، ومنها ما يعود إلى الكسل والانشغالات الحياتية، وهناك سبب آخر؛ إنّ مسألة النشر مربكة جدا في وطننا العربي وينتابني، ككاتب، التردد في ظل غياب حقوق الكاتب.

ويحدثنا عن تجربته في “فاصلة لمجاز آخر” قائلا: حاولت في هذه المجموعة أن أقدّم محطات مختلفة لتجربتي الشعرية، وعند تصفحك لها سوف تجد مناخات متعددة، تبدأ المجموعة بهذا الكائن (كائن الشعر) الذي يسرقني ويلقي بي فوق جزيرته حيث وعد اللّاوعد إن جاز لي التعبير، وتختتم بكيان الشاعر الذي يصطدم في كل لحظة بالمحرضات، وما بين هذا وذاك تتسرب حياتي وتجاربي التي أعايشها وأتكئ عليها بشكل مباشر في كتابة النص وما فيها من حالات إنسانية، تحضر الأم والحبيبة والأب والطفولة والوطن، وفي الأخير النصوص متروكة لقارئها، فهو المحور الذي يتذوقها.

التاريخ يعري الواقع

يشعر القارئ للمجموعة بسطوة الحالة الروحانية إلى درجة نسيان الواقع بحقيقته الدموية ولا سيما بعد معطيات الربيع العربي. فالنصوص ترتفع بلغتها إلى مناطق من التماهي الشعري مع الكون والأشياء من حولنا، وفي هذا الشعور يتدفق النص داخلنا، فنلحظ كقراء أن المعجم اللغوي لدى قاسم المقبل متأثر بالقرآن وبقاموس النصوص الصوفية. عن ذلك يعلّق ضيفنا: الكتابة عمل شاق وليس كما ينظر إليها البعض على أنها ترف وفائض، أن تكتب يعني أن تمتطي رأسك صخرة سيزيف، والشاعر كائن مغدور به في كثير من الأحيان، ينتابه الشعور بالمباغتة للحالة الشعرية. في مكان ما تتركه اللغة، ويصوّب عليه التاريخ دمويته، والواقع خيباته المتكررة، ودمويته الطافحة وفجائعه التي لا تهدأ، ومنها جميعا ينهل الشاعر، فيعايش ويشاكس ويناور ليتفجر نصه ويخرج على شكل ثيمات، بعضها يتكئ على التاريخ لا لكي يستعيده، وإنما ليعرّي الواقع، والبعض الآخر يرتطم بالواقع مباشرة، وفي رأيي إنّ كل نص يسبح في قاموسه الخاص المرهون بطبيعة التجربة التي خاضها الكاتب وإن تقاربت الملامح القاموسية، وهنا، أودّ أن أحيلك إلى نص “بوصلة” أو “أقل كثيرا” على سبيل المثال لا الحصر، ثم قل لي ما رأيك في هذه العبارة “قبعة لا تهيل عليّ غبار المكائد” أليست مجترحة للواقع؟

كل نص يسبح في قاموسه التي خاضها بطبيعة التجربة المخوضة من قبل الكاتب، وإن تقاربت الملامح القاموسية

قاسم المقبل من مواليد القطيف (شرق السعودية) 1975، هذا الجيل له موقفه الخاص حيال القضايا السياسية والنكبات العربية والأيدولوجيات السابقة عليه. فهو جيل لم يؤدلج من جهة، ولم تشتغل قصيدته في الصندوق السياسي من جهة ثانية. جاء قبل تيار الصحوة بفرعيه السني والشيعي بسنوات قليلة فوجد طفولته تسبح في تفاصيله دون أن يكون له دخل في مآلاته الثقافية. ويؤكد المقبل على أن هذا الجيل يفتقد في بداياته إلى الرافعة والحاضنة التي تسوّق له كشاعر. يقول المقبل: كثير من الانتماءات الحزبية والسياسية كانت هي الداعم المالي والمسوّق المنبري للكثير من الشعراء ومساعدتهم في الانطلاق إلى آفاق متعددة، وعلى هذا الأساس سقط الكثير من شعراء جيل الثمانينات بداية في كمّاشة المحلية إلا القليل منهم، إلى أن بدأت بوادر الانفتاح على عالم الإنترنت وما بعده.

ويتابع: ثمة مشكلة أخرى يعاني منها هذا الجيل وما بعده بشكل عام وتكمن هذه المشكلة في افتقاده إلى القراءة النقدية الهادفة، فمشكلة الناقد لدينا إما أن ينظر بالعين العوراء ولا يرى إلاّ النقطة السوداء في المساحة البيضاء، أو هو مشغول بملاحقة الجديد من نظريات نقدية حديثة ونصوص أجنبية، والكثير من القراءات النقدية المكتوبة لا تعدو أن تكون مقاربات صحفية ذوقية.

أجيال ثقافية

حول رأيه في الجيل الثقافي السابق منذ الثمانينات في السعودية، حيث المثقفون أخذوا أكثر من حقهم في النشر والحضور والكتابة رغم بساطة وسذاجة بعض التجارب المقدمة. وهل يرى أنهم يجب أن يتركوا منابرهم لجيل ثقافي جديد؟ يجيب قاسم المقبل: لا طبعا. إلاّ إذا تعاملنا مع الكتابة واعتبرناها كتابة آلية مقولبة واستنفدت حصتها من الإبداع، واستهلكت نفسها وبالتالي سقطت في فـخ التكرار. هذا لا يعني أن ينازع الجيل الجديد الجيل اللاحق مكانته، أو يسلب الجيل السابق الجيل اللاحق حقه، فالكتابة والإبداع بحر ليس عليه من أسوار سوى شروط إبداعه، ولكلّ أسئلته واشتغالاته وهواجسه وحساسيته تجاه اللغة والأشياء والقضايا، وخصوصا بعد الهجمة الشرسة للوفرة المعلوماتية والثورة الهائلة لشبكات التواصل الاجتماعي.

الانتماءات الحزبية والسياسية كانت هي الداعم المالي والمسوق المنبري للكثير من الشعراء لكن أسماءهم انطفأت اليوم

وفي حديثه معنا يوضّح المقبل بأنه لا يمارس أي سلطة على نصه والأمر عنده في ما يخص كتابة النص يشبه الهبوط على جزيرة مجهولة لا تعرف ما ستجد فيها وما ستجني منها وكيف ستخرج منها، لذا يترك المقبل للنص حرية الجريان وهو يراوده عن نفسه. يقول: هنا، أفضل ألاّ أنشر النص على أن أضع على رقبته سكين الرقيب، بيد أن الرقيب مشكلة يتعامل معها كل كاتب، خصوصا في أوطاننا العربية، فالرقيب يقرأ النص بطريقة حجرية ويرسم لك خطوطا وعلامات كالعلامات المرورية التي يجب عليك ألاّ تحيد عنها وهذا من وجهة نظري مخالف لطبيعة الشعر، والذكي في النهاية من يستطيع أنْ يقول ما يريد.

وفي ختام اللقاء يحدثنا قاسم المقبل عن منتدى الغدير الثقافي في القطيف الذي يعدّ أحد أعضائه القدامى، مع مؤسسين نحتوا أسماءهم في المشهد الأدبي مثل شفيق العبادي ومحسن الشبركة ومحمد الماجد وحبيب محمود وحسن المصطفى وخالد عبدالله وآخرين. يقول المقبل: إن ما يميز منتدى الغدير أعضاؤه ومتكأه التاريخي الذي يستند عليه في المنطقة حيث تأسس سنة 1985 تقريبا، ولم تكن ثمّة منتديات ثقافية آنذاك، ولعل جيل المؤسسين للمنتدى هم من الأوائل الذين كتبوا القصيدة الحديثة بشكلها التفعيلي في منطقة القطيف، وأنا واحد من الذين التحقوا بمنتدى الغدير بعد نشأته لأكثر من عشر سنوات. عندما دخلت المنتدى لم أجد إلاّ الألفة والدعم الصادق المتواصل والتشجيع، وكثيرا ما كانت الحوارات الأسبوعية رافدا مهما في الاضطلاع على ما هو جديد.

15