الشاعر السعودي محمد الحرز: السوريالية غيرت وجهة تجربتي

الجمعة 2015/03/06
من أخطاء النقد الكبرى وضع ثنائية "شعر ورواية" في تضاد

الدمام (السعودية)- هنالك ملامح شعرية عصية على الاختباء وراء الزمن، تبقى بفتوتها المتجددة، شاهرة حضورها في وجه العالم تأثيثا وتنظيما ورؤية، وشاعرنا السعودي محمد الحرز (مواليد البحرين 1967) هو واحد من تلك التجارب العربية التي شقت طريقها للقارئ منذ أواخر التسعينات، عبر مجموعة إصدارات شعرية ونقدية بقيت في ذاكرة كل من مرّت عليه، ابتداء من “رجل يشبهني” (1999)، و”أخف من الريش أعمق من الألم” (2002)، مرورا بـ”أسمال لا تتذكر دم الفريسة” (2009)، و”سياج أقصر من الرغبات” (2013)، وانتهاء بمجموعتين أخذتا طريقهما للنشر في بداية 2015 عبر دار مسعى تحت عنوان “قصيدة مضيئة بمجاز واحد”، و”أحمل مسدسي وأتبع الليل”. “العرب” التقت بالشاعر والناقد الحرز وتحدّثت معه حول قضايا فكرية وأدبية ذات جدل على المستوى المحلي السعودي والعربي.

يعتبر الشاعر والناقد السعودي محمد الحرز في حديثه عن مجموعتيه الشعريتين “قصيدة مضيئة بمجاز واحد”، و”أحمل مسدسي وأتبع الليل” أن “طباعة مجموعتين في نفس الوقت ليس سببه ثقل التجارب ووطأتها نفسيا على المبدع فقط. هناك سبب آخر، أكثر أهمية بالنسبة إلي، على ما يبدو. كل نص نكتبه بحاجة إلى قراء متنوعين كي يضع نفسه على مسارب الحياة المختلفة ولا يضمر أو يتلاشى في زوايا النسيان. وكما نحقق ذواتنا في الطباعة والنشر كذلك النص يحقق حياته أيضا”.

سرعة تنامي المعرفة وتحولها إلى تخصصات جزئية جعلا جهود المفكرين العرب وكأن كل واحد منهم معزول في جزيرة

بين مجموعاته الشعرية قدّم الحرز للمشهد النقدي العربي والسعودي مجموعة كتب فكرية ودراسات نقدية مهمة عُرفت برصد التحولات الفكرية التي يمرّ بها المشهد الثقافي، كان منها “شعرية الكتابة والجسد”، وكتاب “القصيدة وتحولات مفهوم الكتابة”، وكتاب “أنطولوجيا الشعر السعودي” بالاشتراك مع الناقد عبدالله السفر، وكتاب “الحجر والظلال: الشعر والسرد في مختبر القراءة”، وكتاب “ضد الطمأنينة: محاولة في بناء الذات الناقدة”. وأخيرا أصدر بداية 2015 كتاب “الهوية والذاكرة”.


تجربة كتابية


قبالة المدّ الروائي وسطوة السرد على المشهد الثقافي يرى الحرز أن سطوة المد الروائي خفت قليلا عما كانت عليه في بداية التسعينات. وفي سؤال حول الشعر وقصيدة النثر بالتحديد، إن كانت تعيش عزلة معرفية؟

يقول الحرز: الرواية في التسعينات كانت تلبي مطلبين في المشهد الثقافي السعودي، الأول يتصل بالمرأة بوصفها ساردا للمكبوتات في هذه الثقافة، والآخر يتصل بالوضع السياسي العام الذي حوّل الجنس الروائي إلى رافعة لصراع الأفكار وتناقضاتها داخل المجتمع.

مؤلفات محمد الحرز عُرفت برصد التحولات الفكرية التي يمرّ بها المشهد الثقافي

الآن تبدّلت الأوضاع، والحراك السياسي أثرى بشكل واضح درجة الاهتمام بتلقي المعرفة لدى الفرد السعودي، وأصبحت دور نشر بعينها تنشر أدبيات فكرية وسياسية وفلسفية جميعها تقع في دائرة اهتمام الفرد.

لذلك لا يمكن وضع ثنائية “شعر ورواية” في تضاد، ومن ثم البحث عن مبررات غياب الشعر أو خفوته إزاء الرواية. هذه من الأخطاء الكبرى التي يقع فيها الخطاب النقدي المحلي. الشعر الحديث طبعا لا يملك خطابا مثل الرواية قابلا للتوظيف، هو ينمو دون أن يصاحبه ضجيج”.

على مدى سنوات طويلة كتب الحرز زوايا أسبوعية في العديد من الصحافة السعودية الرسمية. الأمر الذي جعلنا نتساءل معه: إلى أيّ مدى كانت الكتابة بالنسبة له حقلا من الألغام، وهل استطاع أن يفهم مزاج الرقيب خلال تلك السنوات؟

يجيب الحرز متسائلا “وهل تعتقد أن أي كاتب سعودي تمرس الكتابة في الصحافة المحلية لا يفهم كيف يتعامل مع مزاج الرقيب؟ في محاضرة لي بنادي الرياض الأدبي تحدثت فيها عن هذا الرقيب الذي أكسب الكاتب السعودي خبرة في التعامل مع أنواع عديدة من الرقابات. بالنسبة إليّ، أفادني هذا المزاج في تشذيب لغتي، والمراهنة على وضعها بين حدّي التجريد والمجاز وفق ما أحاول إنجازه شعريا ونقديا وفكريا”.

بعد إصدار الحرز عمله الأول “رجل يشبهني” سنة 1999 جرى تحوّل في كتابته الشعريّة منتقلا من خيار الوزن إلى فضاء قصيدة النثر. وعن ذلك يقول الحرز: لقد تفتّحت تجربتي الشعرية على الشكل العمودي، ولي منجز فيه يعادل مجموعة شعرية كاملة لم أغامر بطبعها، وهو أمر طبيعي لأن الشعر الغنائي المرتبط بالهوية التي أتمثلها يوميا هو نوع من الطقس التعبّدي بالدرجة الأولى، يقام في دور العبادة والحسينيات.

لكني سرعان ما تجاوزت هذا الارتباط إلى فكرة عن الشعر تكون بالنسبة إليّ كبديل عن مجموع تلك الهويات. وهذا ما بدأ تدريجيا؛ أولا مع ديوان “رجل يشبهني” ثم توسّعت في التجربة لاحقا مع الديوان الثاني والثالث، إلخ..

يرى الناقد عبدالله السفر أن بعض نصوص الحرز تأتي على خلاف النسق الكتابي المعهود عنده، حيث الالتجاء إلى السوريالية.

ويتساءل هل هو ضرب من التجريب، ومن انفتاح المخيّلة على مدى أوسع من المعتاد؟ يجيب الحرز قائلا: الكتابة تحت ضغط وتأثير التوجه السوريالي كان في ديوان “أخف من الريش أعمق من الألم”، وهو حصيلته بشكل واضح.

حين قرأت هذه التجربة في نسختها الأوروبية والعربية كنت واقعا تحت تأثير مقولة “إن الشعر هو بالأساس تجريب في اللغة”. لكني سرعان ما أدركت تلك الالتماعات التي تتصل بالحياة على شكل إشارات، دائما ما تحفزني على الإمساك بها عبر مناطق مأهولة بالمعنى والرموز، وهذا هو منظوري الذي بنيت عليه تجاربي اللاحقة.


الثقافة والربيع

محمد المحرز تحول في كتابته الشعريّة منتقلا من خيار الوزن إلى فضاء قصيدة النثر


تعرّضت الثقافة العربية وتاريخها إلى الفحص والسبر والمساءلة النقدية من حسين مروة، وأدونيس، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون، وحسن حنفي، ومحمد الحدّاد، ومحمد الرحموني، وغيرهم. ويرى الحرز أن هذه الجهود النقدية عظيمة وأن هذه الأسماء هي أسماء تنويرية في ثقافتنا العربية. لكنه يستأنف حديثه قائلا “دعني أتحدث عن نقطتين اثنتين، لأن الكشف عنهما مقارنة بخارطة التنويريين الأوروبيين يعرّي الكثير من الأوهام؛ أولا هذه الجهود تتسم بالتراكمية وليست التكميلية.

أي أن سرعة تنامي المعرفة في جميع الحقول وتحولها إلى تخصصات جزئية جعل جهود المفكرين العرب وكأن كل واحد منهم أصبح معزولا في جزيرة لا يطأها أحد، هذا مثلا حال المؤرخين عندنا، لا أحد يقرأ لنتاجهم، وليس هناك مشاريع تتواصل مع ما انتهوا إليه. عكس المفكرين الغربيين الذين استطاعوا أن يتواصلوا رغم تنوع التخصصات وتعدد النظريات والحقول، ولا أريد أن أفصّل أكثر هنا تجنبا للإطالة.

ثانيا هذه الجهود لم تسنح لها الفرصة كي تنتشر أفكارها خارج نطاق النخبة وهذا ما حدث مع المفكرين الموسوعيين في عصر الأنوار الأوروبي”.

بعد الربيع العربي انقسم معظم المثقفين العرب، وتعسكروا وفق طوائفهم، وابتدأ التصنيف الثقافي على أساس الطائفة، وليس على أساس الأيديولوجيا كما كان الحال في الستينات والسبعينات وحتى بداية الثمانينات من القرن الماضي. والمثقف السعودي ليس بمعزل عن هذه المعادلة.

كناقد يعلّق الحرز قائلا “صحيح أن المشهد السعودي لم يكن بمعزل. لكن الصحيح أيضا أن حراكه السياسي كان في دوائر نخبوية ضيقة، لم تنتشر العقيدة الأيديولوجية العربية ولم تتوسع دوائر تأثيرها السياسي على عموم المجتمع.

كانت الدولة قادرة على التحكم في الوعي السياسي حسب ما يتطلبه الصراع السياسي- السياسي العربي، وما يشترطه أيضا. لكن شروط اللعبة اختلفت بعد الأحداث الكبرى التي عصفت بالمنطقة منذ تسعينات القرن المنصرم. ومع هذه الأحداث المتلاحقة سرعان ما تسيّس المجتمع السعودي”.

15