الشاعر السوري آرام: دمشق قصيدة تحتفي بالموت

الاثنين 2014/08/11
آرام: إن ربح الشعر ربح العالم، و إن خسر خسر وحده

انحاز إلى الحياة، واعتزم أن يكتب ضدّ الموت، هو الشّاعر السوري “آرام” من مواليد دمشق 1979، صدر له “مدارات المكان والتّحول”، و”هلوسات لموائد العقل”، وهو بصدد التّحضير لديوان جديد. أحيا عدّة أمسيات شعريّة في دمشق وباريس، التقته “العرب” لتتحدّث إليه عن الشّعر والوطن وعوالم الثّقافة والإبداع.

يعزف آرام على أوتار القلب، يدندن للرّوح، يستهويها ويحرّض مداها، يروح بها إلى أفق نورانيّ متميّز، هنالك حيث ينتعش الوجود، ويزهر الحرف، وتعبق الكلمة. في قصائده تكريس لمدرسة شعريّة مغايرة، سمتها التمرّد، وقبلتها الضّوء والجمال.


جاذبية الكتابة


عن بداياته يستذكر الشاعر قائلا: «كنت بحاجة ماسّة إلى الجمال الذي لم يكن متوفرا حولي، كان ذلك أحد الأسباب التي دفعتني إلى الكتابة. في صغري عملت في أكثر من مهنة، ولم أنجح في مهنة واحدة. ذات مرّة كنت عائدا من عملي في مطعم صغير بدمشق، وجدت بالصّدفة بعض دواوين الشّعر على الرصيف، من بين كتب معروضة للبيع، فاشتريت بعضها، ومن لحظتها بدأت حياتي».

ويضيف قوله: «ما الذي يمكن أن يجذبك إلى البحر، إلى السّماء، إلى الفجر، إلى اللّيل، إلى العطر، إلى ابتسامة تغريك بالحياة، إلى الشّجر، إلى المطر، إلى المجهول، إلى المغامرة والاكتشاف؟ الكتابة وحدها تجذبني إلى ذلك".

يرى آرام أن كتابة الشّعر لا يمكن أن تكون عملا ميكانيكيّا، فالشّاعر لا يدخل إلى غرفة الشّعر، مرتديا ثياب الشّغل، يبدأ بتجهيز الفكرة، ثمّ العاطفة، ثمّ المعنى، ثمّ الصورة، ثمّ الكلمات. من يكتب بهذه الطّريقة، في رأيه، إنّما يرتكب مجزرة، ولا يكتب قصيدة. القصيدة بالنّسبة إليه تحدث كالبرق، وفجأة يهطل مطر الشعر. أمّا القارئ، فعلى الشّاعر أن يدعوه ليكتب القصيدة معه، فيقرأها معه، وينفجر معها، ثمّ يصبح إحدى شظاياها.

عن أطوار تجربته الشعرية ومساراتها، يؤكد آرام أن كلّ تجربة من الممكن أن تزدهر وتتطوّر، وبالتالي أن تنضج، وربّما تنضب أيضا. أما تجربته، فهو يعتبرها مازالت في بداياتها، طبعا هو لا يستطيع أن يحكم عليها الآن، ويفضل ترك أمر تقييم تجربته، لاحقا، لغيره. فالشاعر يريد أن يصل إلى حيث يأخذه الشعر، وهو حقيقةَ لا خرائط لديه، ولا يؤمن بشاعر يحمل خرائط بين يديه، فهذا نقيض الشعر، في نظره، فالشعر هو ذلك الترحال، تلك المغامرة، ذلك الموعد الدائم مع المجهول. الوصول ليس ما يشغل باله، بقدر ما تشغله الرحلة في حدّ ذاتها. حين تقلع طائرة الشعر لا يفكّر الشاعر، بأي أرض ستهبط، كلّ ما يعنيه هو السفر وحلم السفر.

على الشاعر أن يدعو القارئ ليكتب القصيدة معه، فيقرأها معه، وينفجر معها، ثم يصبح إحدى شظاياها

في ما يخص تغيير اسمه من “إيهاب الحلبي”، وهو اسم الشاعر الحقيقي، إلى “آرام” الاسم الذي يوقّع به دواوينه، وإن كان هذا الفعل يستبطن حالة تمرّد على معطيات الحياة الأولى أو هو سعي للقاء الذّات أدبيا. يقر الشاعر أنه لم يختر هذا الاسم لأسباب قوميّة أو أيديولوجيّة أو لأي نوازع من هذا القبيل، فهو عربي بالولادة، بل لأنّه لم يجد في اسمه الحقيقي ما يلائم الشعر، فهو اسم عادي ليس فيه أيّ وقع، وقد توقّع منذ البداية أنه لن يخدمه شعريا.

لذلك فكّر قبل أن ينشر أيّ عمل أنّ عليه أن يجد حلا لاسمه، فكان اسم “آرام” يستذكر الشاعر أنه عثر على هذا الاسم بالصدفة وهو يقرأ المثيولوجيا، فأعجبه قبل أن يعرف معناه. في اعتقاده هو اسم موسيقي، قديم، غريب، وغير متداول، إلا قليلا، فيه طاقة كبيرة وحساسية تلائمه وتلائم رؤيته في الشعر، فاختاره وصار يوقّع به قصائده. رغم أنه نادم على تغييره لاسمه الذي أورثه أعداء كثرا على غرار أدونيس.

في قصائد الشاعر كمّ كبير من التمرّد بالإمكان ملاحظته في أشدّ الكلمات عذوبة وطلاوة، تمرّد على الوقائع، الأفكار، الدين والكائنات جميعها. عن السّبب في هذه الرّوح المتمرّدة ومأتاها.

رؤية شعرية فائقة الجمال


فعل تمرد


يشير آرام إلى أن الشعر هو في حدّ ذاته فعل تمرّد، وحالة تمرّد، لا يمكن أن يخضع لأيّ نظام، ولو حدث ووُضع الشعر في نظام إلزامي ما، سينفجر أو سينتحر أو سيلوذ بالفرار. كما أنّ الشعر حالة عصيان وفعل معصية، ولا يمكنه أن يمشي على الصّراط المستقيم، الشعر ليس مربّية، ولا راهبة، ولا أستاذ شريعة، ولا مدرّس جغرافيا، ولا يمكنه أن يعمل موظفا خلف مكتب ثلاثين عاما.

الشّعر، في رأي آرام، تصديع وزعزعة وتغيير وتقويض وثورة دائمة، لكي يصبح الجمال والحب والحرية ، سادة الكون ، الشعر لا يشتغل أجيرا عند أحد، يعمل لحسابه الشخصي، إن ربح، ربح العالم، و إن خسر، خسر وحده.

عن معنى أن يدوّن الشاعر قصيدته من شرفة تطلّ على بحر من الموت والدّمار والدّماء، عن وجوده في دمشق التي تقطر دما.

يقول الشاعر: «دمشق اليوم مدينة تحتفي بالموت، أو الموت يحتفي بها، وهذا صحيح، ولا يمكن إنكار ذلك أو تجاهله. ربّما من الأجدر أن أقول الحقيقة، إنّه لم تبق هناك شرفات أطلّ منها على شيء، وإن وُجدت هذه الشرفة، لا أجرؤ على الوقوف عليها، خشية أن تصيبني رصاصة طائشة. ليست دمشق فحسب، معظم المدن السورية الآن تتعرّض للاغتيال، أصبحنا جميعا خبراء في الموت. احترفنا الموت وتعايشنا معه، حتى صار فردا من أفراد العائلة. الفجيعة أصبحت منتشرة في الهواء، القهر على كلّ فم. لكنني سأواصل أغنيتي، حتى لو تقرّحت حنجرتي وفاض منها الدّم، وسأكتب قصيدتي حتى وإن لم تبق محبرة واحدة في دمشق، سأكتبها بدمي".

بعد أن صارت سوريا منفى لمواطنيها ولمثقّفيها وللعالم أجمع وللإنسانية. يحكي الشاعر عن معنى الوطن، وعن المنافي، فيقول: «وطني هو حيث أستطيع أن أحتسي فنجان قهوة، دون أن تساورني أفكار الرحيل. كلّ وطن يجعلك تفكّر في الهجرة أكثر ممّا تتنفّس، ليس إلَا مقبرة. وغالبا يُولد “الوطن المنفى” من “الثّقافة المنفى”. ليس هناك منفى حقيقي، وآخر وهمي. المنفى منفى في الشّرق أو الغرب، في الشّمال أو في الجنوب. المنفى باختصار حيث لا تستطيع أن تحيا إنسانيّتك كإنسان. كلّ جغرافية لا مكان فيها للكرامة الإنسانية، هي بالضّرورة منفى. ولكن بالطّبع حين ينفينا مسقـــــط الـــرأس يصبـــح منفــى المنــافي، ويكون أشدّ إيلاما».

آرام لا تعنيه مسألة الرّبح والخسارة، بقدر ما يعنيه أن يبقى وطنه شامخا حتى بين الخراب، حتى ولو كان محتفيا بخساراته، لكنه يتساءل: «هل تخسر الوردة حين تذبل؟ هل يخسر العصفور حين يموت؟".

يعتقد الشاعر أن خلال آلاف السنين التي مرّت، آلاف المعارك وقعت، والحبّ مازال صامدا. سينتصر الحب، ليس لنا خيار آخر، ولا يمكننا أن نقبل بهزيمته، لأن هزيمة الحب، تعادل هزيمة الله.

15