الشاعر العراقي باسم فرات: حين أسافر أتحوّل إلى طفل مغامر

الرحالة والشاعر باسم فرات ينطلق في مشروعه الخاص بأدب الرحلات من مناطق بعيدة لا يفكر في السفر إليها إلا كرحّالة مغامر، ويعتبر أنه لا شعر ولا إبداع بلا مغامرة.
الجمعة 2019/07/05
لا شعر ولا إبداع بلا مغامرة

الشاعر العراقي باسم فرات ليس كغيره، تجربة شعرية على علاقة وثيقة بالسفر، كأن الرّيح تحته يسيّرها وفق ما يقتضيه نصه. كتب فرات رحلاته شعرا وكتبها أيضا في شكل أدب رحلة، حيث تنقّل بين 35 بلدا، عاش فيها وعايش أعماقها الحضارية والثقافية بروح الشاعر وقلب المغامر وانفتاح المثقف. “العرب” التقت الشاعر في حوار حول أهمية الرحلة.

باسم فرات شاعر ورحالة عراقي، يؤمن بأن لا إبداع بلا مغامرة، زار 35 بلدا كرحالة، تسلّق الجبال وأمضى أياما في الغابات. حاول أن يندمج مع سكان البلدان التي زارها، وهنا نسأله كيف استطاع أن يحقق الاندماج والتماهي مع المجتمعات المختلفة، فيقول “الحب، حين تحمل طاقة كبيرة من الحب، وتنشأ في مدينة، وبيئة تغذيك بحب الوطن والتنوع واحترام الخصوصية فإن هذا يجعلك لا ترى نفسك مركز الكون بل تراها جزءا من هذا العالم ومع الجميع تكتمل بينما وحدك لا شيء”.

أدب الرحلة

يقول فرات “نشأت في بيئة أرضعتني احترام خصوصيات الآخرين واختياراتهم، وكان كبار السن في بيئتي يتباهون بتنوّع المدينة التي عاب عليها رأس النظام السابق هذا التنوع. من هنا وجدتني أتآلف مع الأمكنة وأجدها مدارس بل مكتبات أغرف منها المعرفة، علما بأننا مهما قرأنا عن البلدان والمجتمعات فإن العيش في كنفها له نكهة مختلفة وأكثر واقعية، وتمنحنا رؤيتها الخاصة وتجربتنا المتفردة بالتلقي”.

جنون الشعر
جنون الشعر

ينطلق باسم فرات في مشروعه الخاص بأدب الرحلات الذي أسسه عبر أربعة كتب حتى الآن، من مناطق بعيدة لا يفكر في السفر إليها إلا كرحّالة مغامر، ويلفت فرات إلى أنه لا شعر ولا إبداع بلا مغامرة، لكنّ الكثير من المبدعين يعوضون عدم مقدرتهم على الترحال في الأمكنة، بالترحال عبر الثقافات ومحاولات هضمها والمغامرة اللغوية والتجريب عبر شعرنة حياتهم، والكثير منهم ينجح ولكن بدرجات.

ويضيف “شخصيًّا أشعر بامتنان للظروف التي ساعدتني على أن أعيش جنون الشعر حياتيًّا وهوس اكتشاف الأشياء والطبيعة والثقافات النائية التي هي أطراف وهامشية بالنسبة إلينا نحن المفتونين بأوروبا لاسيما باريس ولندن وبرلين وغيرها من المدن الأوروبية. أعترف بأني حين أخرج في جولة في أعماق الغابات أتحول إلى طفل لا يفكّر بالعواقب ويعتقد أن الكون كلّه ملكه، وهذا ما أوقعني بمواقف محرجة، أدّى بعضها إلى إصابات احتاجت إلى شهور طويلة بل وسنوات كي تخفّ أو تتلاشى. يبقى الشعر هو دافعي الأول وهوسي المعرفي”.

وحول هذا الاهتمام بأدب الرحلات، يقول فرات “لم أفكر يوما في التوجّه لممارسة نوع آخر من الكتابة غير الشعر. الشعر همّي الأكبر وهوسي وجنوني وطموحي وغاية الغايات، لكن حديثي مع الأصدقاء عن هيروشيما، والتقاط صور كتابية عن المجتمع الياباني، كانت حافزا للأصدقاء ليلحّوا عليّ بتدوين تجربتي هذه. لم أستجب حتى وصلت إلى الإكوادور، فكان الإلحاح أكبر، لاسيما بعد تجربتي المميّزة في جنوب شرق آسيا”.

ويلفت الشاعر إلى أن تدوين رحلاته تطوّر معه، حتى أنه شعر بأن أدب الرحلات نافذة لي لينقل إلى أصدقائه وللغته العربية، جزءا من حياة تلك الشعوب وتاريخها وجغرافية البلدان وحياتها الاجتماعية والثقافية، إذ بات يؤمن بأن أدب الرحلات أحد جسور التلاقح الحضاري ونشر المحبة بين الشعوب، لاسيما أنني أركّز في ما أكتب، على الإيجابيات الموجودة عند تلك الشعوب، ونادرا ما أتطرق للسلبيات.

في ترحاله الكثير كان قريبا من الموت أكثر من مرة، وهنا نسأله عن تسلقه لجبال غواغوا بيتشينتشا لماذا هي الأخطر من وجهة نظره، فيقول “نعم، تعرضت لحالات خطرة، وتعرضت للموت عدة مرات، حتى أني أحاول أن أجمع الحوادث كلها، ما ذكرته في كتبي وما لم أذكره، لتكون كتابا مستقلًّا. أما التركيز على جبال غواغوا بيتشينتشا، فعلى امتداد الطريق كنتُ قويًّا مفعمًا بالبهجة واللياقة والرغبة العارمة في الوصول إلى القمة، على ارتفاع 4700 متر فوق مستوى سطح البحر، لكني حين حققت هذا، وكان الليل يسري بلا أنيس في هذا القفر، كان ضيق التنفّس سببا لعدم النوم تلك الليلة، كنتُ أجبر نفسي على التنفس، واجتاحني شعور بأني لو غفوت فسوف أغادر هذه الحياة، كانت أصعب ليلة في حياتي على الإطلاق لا تضاهيها سوى ليلة رحيل أُمي”.

ملامسة لعمق المجتمعات
ملامسة لعمق المجتمعات

سفر مستمر

يقول صاحب كتاب “طواف بوذا” إن “عدم الاستقرار هو الطبيعي في حياتي. حين تحين ساعة الفراق والمغادرة أعيش أكثر لحظات حياتي إيلاما، أي الاحتفاظ بأكبر قدر من الكتب في حوزتي، حيث يمكنني أن أتخلّص من كل شيء إلّا الكتب، لاسيما المهداة، فالذين أهدوني كتبهم شرّفوني بها، فكيف لي أن أتركها في بلد غريب عليها، وإذا كان المتنبي الكبير قال عن نفسه ‘ولكن الفتى العربي فيها.. غريب الوجه واليد اللسان’ فإني أرى هذه الكتب كائناتٍ حيّة وهي ستكون أكثر غربة حين أتركها في أحضان لغة أجنبية ليس فيها مَن يفقه ما أبدعه مؤلفوها. أمام هذا الاحترام والتقدير للكتب، تقف حقيقة واقعية لا يمكن نكرانها، وهي أن الطائرات لا تسمح إلّا بوزن محدد، ولي في ذلك مغامرات دوّنت بعضها في كتبي وتستحق أن أفرد لها فصلا خاصّا. لكني أعترف بأني ابن الحنين البار، لأن الحنين عندي هو الوفاء للمكان والأشياء والناس بطبيعة الحال“.

وعن عدد البلدان التي زارها كرحالة وماذا منحته هذه الأمكنة، يقول الشاعر “لم أزر بلدانا كثيرة، إنما هي خمسة وثلاثون بلدا، وبكل تأكيد هناك الملايين من البشر زاروا بلدانا أكثر مما زرت بكثير، وهنا يبرز الفرق بين الرحالة والمسافر، أو بين الرحالة وغير الرحالة، فالرحالة من شروطه أن يلامس عمق المجتمعات ويعيشها، يتناول أطعمتهم ويندمج معهم؛ وأود أن أختصر الأمر بما يقوله لي الكثير من الصديقات والأصدقاء، جملة ذات مغزى كبير توضح حقيقتي لمن يودّ أن يتأملها وهي أنني ما إن أحلّ ببلد حتى تصبح ملامحي من هذا البلد، أصبح واحدا منه، فقد أصبحت يابانيًّا في اليابان ولاويًّا في لاوس، وإكوادوريًّا في الإكوادور وسودانيًّا في السودان على الرغم من أن غالبية بشرة السودانيين تتمتع بسمرة جميلة أفتقر إليها”.

ويرى صاحب كتاب “لا عشبة عند ماهوتا” أن الرحالة، لا يصف فقط بل يتعلم ويهضم ثقافات الشعوب ويتمثلها في كتاباته بوصفه جزءا منها؛ وهذه الأمكنة والبلدان منحتني إيمانا بالتنوّع، وأن نسب أي مدينة أو بلد لأي مجموعة لغوية (قومية، إثنية، عرق) – كأن نقول هذه مدينة عربية أو بلد عربي أو تركي أو فارسي- جريمة كبرى حين لا يكون لهذه المجموعة اللغوية حضور ثقافي واجتماعي وكثافة سكانية كبيرة على امتداد أجيال وأجيال بحيث أنها شكّلت الذاكرة الجمعية للمكان، ولها حصة الأسد في تراثه التدويني، كما هو الحال في العراق، فعلى الرغم من التنوع القومي والإثني والديني في العراق؛ يكاد يكون أكثر من 98 بالمئة من تراثه الذي سبق قيام الدولة الحديثة (1921م.) باللغة العربية؛ بل تأكد لي أن أي مجموعة لغوية (إثنية) لا تملك المئات من الكتب بلغتها قبل الحرب العالمية الأولى وأضعاف هذا قبل قيام الجمهورية العراقية (1958م.) هي مجموعة حديثة النزوح للعراق وطارئة عليه. الأماكن ليست بطبيعتها فقط بل بتراثها التدويني وميراثها الاجتماعي.

الرحالة ليس المسافر، فهو لا يصف فقط بل يتعلم ويهضم ثقافات الشعوب ويتمثلها في كتاباته بوصفه جزءا منها

في هيروشيما، التي زارها وهي تحتفل بانتصار الحياة على الموت، كتب قصائد كان الهمّ العراقي حاضرا بين كلماتها، يوضح فرات “أجمل مرحلة في تجربتي الحياتية والشعرية هي مرحلة هيروشيما، ولقد تركت خلفي كل شيء في زي الجديدة (نيوزيلندا) وانتقلت للعيش هناك قبل احتفالات اليابانيين بالذكرى الستين لإلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما، وكانت مجازفة عظيمة تستحق التضحية مثلما تستحق أن أخاطب نفسي قائلا: لقد كنت على صواب أيّها الهائم بالجمال والمعرفة والدهشة”.

ويقول فرات “تمنّيت وما زلت أتمنى أن نتعلّم نحن العراقيين من مأساة هيروشيما، أن ننظر إلى الماضي وإلى مآسينا بوصفها دافعا ومحفزا على الإيمان بالسلام ونبذ العنف والتطرف مهما كان شكله؛ عقائديّا أو قوميّا ومزاعم بناء سرديات ذات ماض عريق وأمجاد كبرى، والاستحواذ على تاريخ الأمم الغابرة”.

15