الشاعر العراقي علي ذرب يكتب الفراغ ناصعا والقبح جميلا

جمالية القبح قطعا لا تعني تجميل القبح وتحويله إلى جميل ولكنها تذهب إلى القبح وتركز عليه، تغوص فيه لتكشف تأثيره على ما حوله، هنا الأمر يعتمد على حرفية الشاعر وقدرته على هذا التركيز، وعلى تشكيل صورة شعرية متصلة بهذا القبح تخضع لجماليتها الخاصة، كما يعتمد أيضا على تعاملنا المتساوي بين الجمال والقبح باعتبارهما موجودين، بينما الإنكار المتولد عن القبح قد يحمل الفنان على ضربين متباينين؛ فإمّا المواجهة وإمّا الالتفات حوله وتغليب الجميل، وكلاهما يتصل بالذاكرة والمحيط الاجتماعي.
الثلاثاء 2016/01/19
للأشياء القبيحة خصوصية قد لا نجدها في الأشياء الجميلة (لوحة للرسام سبهان آدم)

الشاعر العراقي علي ذرب واحد من هؤلاء الشعراء الذين التقطوا قبح واقعهم من خلال المشاهدات اليومية، وشكلوه ليصدم قارئه بلغته الفجة القاسية، الفجة هنا كنوع كتابي. 18 نصا، وهو عدد النصوص التي احتواها كتابه الصادر حديثا (2015) عن دار أكد للترجمة والنشر والتوزيع بعنوان “فراغ ناصع البياض”؛ العنوان الذي جاء حافلا بالتيه والسؤال والتناقضات والدلالات الكامنة وراء القول وفي ثناياه.

الفراغ الذي هو معنى للقلق والتيه واللاجدوى يتخذ له الشاعر صفة البياض، البياض الذي هو رمز للنقاء والصفاء والوضوح ليحضر هاهنا مرتديا أثواب الغياب والموت والوطن المقتول والإنسان التائه المحاصر بعجزه واللاجدوى التي سكنت تفاصيل أيامه؛ حضر مخادعا للمعنى، ومشكلا لرمزيته الجديدة وفق منطق العجز.

جمالية القبح

هذا التركيز المنتج أو المشكل للصورة الشعرية هو ما يحدد في ما بعد دلالاتها المعرفية والثقافية والشعرية، ورمزيتها المتصلة بواقع الشاعر ومحيطه، وعكس الجمال الذي ينبع من الإعجاب بالشيء، إذ أن القبح يتولد من النفور، نفور يولد بفعل قوة وبلاغة الشاعر صورا شعرية تبعث على الإعجاب والدهشة والاستمتاع، متعة الكتابة ومتعة القراءة، ولعل قوة التركيز على القبح هي ما تحدث عنها فان كوخ حين قال “إن للأشياء القبيحة خصوصية قد لا نجدها في الأشياء الجميلة” قول كوخ ينطوي ضمنيا على أن الشاعر لا يميل إلى إظهار القبيح لأنه قبيح، وإنما الفنان يذهب إلى القبح لأنه حالة وجودية تتصل بالكثير من المظاهر الإنسانية والأحوال والواقع المعيشي، إنها أمر وجودي يفرض ذاته في عالمنا وليست بالأمر الشاذ، وبالتالي فإن المثقف يعود ويلتقط أشياء قبيحة خلفها الإنسان معتمدا على اليومي.

الفراغ هو القلق والتيه، أما البياض فهو رمز للنقاء والصفاء والوضوح، ويحضر هاهنا مرتديا أثواب الموت والوطن المقتول

إذن الجمالية هنا لا تنبع من هذا القبح وإنما من قدرة الشاعر على تشكيله ونحته شعريا، ولعل الجيل الجديد من الشعراء العرب كانوا أكثر وعيا في هذه الناحية مما سبقوهم، حيث أخضعوا قبح واقعهم لأدواتهم الشعرية، وشكلوا تفاصيل حياتهم الممتلئة بالفواجع والبقع الحمراء والسوداء لدهشة الشعر، وليتساوى الجمال والقبح مشكلين عالما من الجمال الفني الخاص.

وإذ كانت عادة الشعر والكتابة الجنوح نحو الذاكرة، واقتناص اللحظات الهاربة واسترجاع اللحظة التي تسمى فرحا، فإن علي ذرب اختار التقاط قبح الواقع وإخضاعه لتشكيل الشعر، تشكيل استلزم إخضاع اللغة هي الأخرى لمنطق ولادة جديدة.

نصوص “فراغ ناصع البياض” جاءت منقسمة إلى قسمين، بين النص الطويل والضربة الشعرية أو ما يعرف بالومضة الشعرية، وكانت النصوص في مجملها، وحتى الطويلة، فوضوية الأفق، بحيث لا تضع لك نقطة ما تنتهي عندها، ولكنها تفتح الطريق إلى مخيلة القارئ لتوقظ فطنته وتسير به في دروب التخيل والتكوين الشعري، هي فوضوية الخلق، وحتى في الركض لمحاولة النجاة، لأن علي ذرب قد أنزل في ساحته الخاصة أنه عليك أن تجد طريقا للحياة “أصبحتُ إبريقا يتغوّط أحلامه/ في عالم يقلد المرحاض”.

جمالية القبح

علي ذرب يبدو واعيا جيّدا بالفرق بين أن تكتب نصا عن قبح ما، يولد صورة شعرية جميلة وبين كتابة نص عن القبح لتغرق في قبح آخر أو لغة قبيحة أخرى، هذا الوعي يرتكز على وعي ثقافي واجتماعي يستمد ذاته من واقع الشاعر المتسخ بألوان الحرب، والممتلئ بأصواتها وصورها وتفاصيلها، وبالتالي فإن علي ذرب يصرخ بأناقة الشعر؛ يذهب إلى حقوله ليعلن تمرده وإنكاره لهذا الواقع، وما إعلانه في مواضع كثيرة عن عجزه الإنساني والشعري إلا لأنه يعود إلى الحلم من جديد.

اغتراب نفسي

هذا الإنكار يأتي تعبيرا عن وعي إنساني وشعري بمقابل الجميل- الجميل، في معناه الوجودي جمعا أن في الطرف الآخر لهذه الجهة الغارقـة في أحمـرها وأسودها ووسخها ثمة متسع من ألوان أخرى، والتفاصيل الأخرى البعيدة عن يد الموت وفضاءات المشرحة وساحات العزاء، يقول الشاعر علي ذرب “قبل أن يحدق حذائي/ بمرايا الشوارع/ تعود باسمكِ أيتها الجداجد/ من غرف التشريح التي يبوح بها/ لمعانها المتسخ”.

بين تكثيف اللغة وبسطها، لتذهب بالقول والتشكل حيث شاءت وشاء لها علي ذرب، ومن رحم القبح المنتشر على سجادة الواقع ينبت القلق، ليتسلق النص الشعري باسطا صرخته الهادئة ومعلنا عن عجزه “ما معنى أن يمتلك الشعر لسانا ولا يمتلك حنجرة وانتصاره حينا آخر/ أعود لذات الحلم/ معي رسائل وغابة أصابع”.

حالة التحديق في الفراغ وتأمل التيه ولّدت مسافات شاسعة من الغضب، الغضب المولود من رحم الألم العميق، من انكسارات الذات وتيهها، التيه الذي ولد بالضرورة غربة إنسانية أساسها الواقع العراقي، غضب جاء على شكل سؤال إنكاري، ورسم متكرر، رسم لتفاصيل الألم “ما معنى أن تنمو بين عينيك خسارة جديدة وتحبل كفك بالعماء والرطوبة”.

من يقرأ ديوان “فراغ ناصع البياض” سيدخل في نفسه انطباعٌ بأن الوجود الإنساني مؤلم، يتشكل هذا الألم من عجزه المبنيّ على قبح واقعه (الحرب/ القتل/ الظلمة/ الشظية/ التشريح/ …)، ليتولد معنى الاغتراب معززا هذا النفور أو القبح؛ وهو قلق تباينت مستوياته ليعلو مرة وينخفض مرة أخرى، وكأن الشاعر وعبر هذا التشكيل الشعري يعيد بناء ذاته.

هذا اليأس أو القلق الذي لا يكاد يغيب عن نصوص علي ذرب ليس إنكارا للوجود الإنساني بقدر ما هو موقف لما أنتجه هذا الوجود من قبح، هو موقف شعري يتخذ من الشعور الإنساني مصدرا، بحيث يعيد تدوين المعاناة، وكأنه يبحث عن ثقب ما، ليعيد إنتاجنا شعريا وفي أمل أكبر إنسانيا.

يمكن أن نتأكد في ختام قراءة “فراغ ناصع البياض” أن جمالية وشعرية القبح لدى الشاعر علي ذرب هما وليدتا تمازج اغتراب نفسي وروحي، يقابله اغتراب وجودي أساسه هذه الحرب الدائرة، هذا التمازج وسع النص الشعري ليبقيه مفتوحا على احتمالاته المتعددة والمختلفة.

14