الشاعر العراقي مهند يعقوب: لا نهاية للتجريب في الشعر

فكرة الخلاص بالمعنى العميق تبدو مستحيلة، تذوب غالبا في المعنى السطحي الذي يدور حول البحث عن مكان آمن، تستطيع أن تموت وتحيا فيه بإرادة يمكن تسميتها -تجاوزا- الإرادة الحرّة، فعندما يفقد الإنسان القدرة على أن يخطّئ أو يصوّب حياته دون ضغوط قاهرة أو أيديولوجيات، فإنه يسعى إلى أن يغير هذه الحياة حتى وإن كانت الظروف المحيطة به لتحقيق مثل هذه الأهداف صعبة وملتبسة، ولا تخلو من خطورة، كما حصل مع الشاعر العراقي مهند يعقوب في رحلته سيرا على الأقدام بين الجبال الوعرة، قاطعا حدود إيران مع تركيا. “العرب” تحوّلت إلى بلجيكا لتلتقي بالشاعر وتجري معه هذا الحوار.
الأربعاء 2015/08/26
يعقوب: الكتابة تستلزم التحرر من القيود التي تفرضها السلطة الدينية أو السياسية

مهنّد يعقوب الشاعر والكاتب العراقي المولود في البصرة جنوبا عام 1971 يحمل في ذاكرته تفاصيل كثيرة عن رحلة مكتملة الملامح، رحلة الخلاص من بلاد الدكتاتور، وحقل السكتين اللاصق “إيران”، كما يسمّيها في أشعاره.

“العرب” زارته حيث يقيم اليوم في شارلروا بالقرب من بروكسل العاصمة البلجيكية، وهو الذي اعتاد في بداية حياته تغيير البيوت مع عائلته، ففقد الكثير من التفاصيل البسيطة التي يحظى بها أطفال آخرون، جيرانا كانوا، أو أصدقاء، أو أقارب في المحيط، وبفقدانها قد تضيع بعض المفاصل الأساسية لكثير من الحكايات المعيشة على امتداد مدن العراق التي غادرها مهند قسرا عام 2002.

المكان والتحديث

عن تلك البيئات المتعاقبة، يقول مهنّد يعقوب إنّ المحيط الذي يعيش فيه الإنسان يفرض الكثير من المواقف ضده سواء بالكتابة أو الهجران خاصة عندما يكون ذلك المحيط يحاصره بكل أنواع النقص والمحظورات سواء على المستوى الفردي أو على المستوى الأكثر أهمية والمتعلق بالحريات الشخصية والسياسية والفكرية والاجتماعية، من هنا ربّما يصف ضيفنا علاقته بـ”الإرباك” مع الأمكنة، فالمكان بوصفه محركا جوهريا للإبداع تستبعده المناسبات المعرفية، التي دعت حقلا مثل علم النفس التحليلي إلى الاهتمام بالأدب والنصوص الأسطورية والفن كذلك، ليجعلها مرجعية لاشتغالاته، إن هذه المناسبات تولي اهتماما بالجانب الذاتي للأفراد -والحديث لضيفنا- داخل المنجز بما هو حالة تفاعل وانفعال وموقف ذاتي حيال كل شيء، وعلم النفس عندما يهتم بذوات إبداعية “قلقة” من هذا النوع فهو يبحث عن صورة العالم المختلفة داخل كل من هذه الذوات المرتبكة بوصفها صورة نادرة ومعبّرة وذات بعد فلسفي وجمالي راق، من شأنها بالضرورة أن تغير وجه العالم والحياة وتضعه في مكانة مختلفة عن السابق.

الكتابة عموما سواء كانت تجديدا أم تقليدا، لا يمكن عدها ردات فعل سريعة وحماسية، فهي تحتاج إلى وقت

المكان عند يعقوب هو مجرد حاضنة وغلاف لتفاعلات لا يستطيع أن يتحكم فيها المكان بسبب الحالة السيكولوجية التي عليها الفرد، وعمق أسئلته المبنية على أسس فلسفية وجمالية خالصة، في حين يكتب “المكان” قيمته حين يتحوّل من مجرد فضاء إلى سؤال وجودي فلسفي وجمالي آخر، وإلى موضوع تجب مواجهته بالكتابة كتعويض، وحلّ لحالة الضغط التي يتعرض لها المبدع خارج حاضنته الأم، لهذا يعتبر الشاعر مهنّد يعقوب أنّ البحث عن المكان وأثره في تشكل قائمة المبدعين المحدثين في الشعر هي محاولة شكلية، تستوفى بمستوى الطبيعة الذاتية والشخصية للمبدع الذي يرتبط إبداعه بالمرض من وجهة نظر سيكولوجية خالصة.

الشعر بعناصره المختلفة خاضع للمتغيّر الإنساني، هكذا يتابع ضيفنا حديثه حين قاطعته بأنّ الشعر الجاهلي الكلاسيكي استمرّ رغم المتغيّر الإنساني، ليقول إنّ المتغير الإنساني المقصود لا يتعلّق بجوهر العملية الشعرية بل بطريقة القول داخل الشعر، وهذا أمر تفرضه التحولات الفكرية والفلسفية والنقدية التي تهتم بالشعر وكذلك متغيرات الحياة كنمط عيش، ومن هنا يرى يعقوب أنّ حضور الشعر الكلاسيكي الآن هو حضور رؤية لا حضور شكل في ثنائيّة يبقى الشكل فيها مجرّد درس للتعلم لا إلى التأثر به واستنساخه لكتابة نص حديث.

مسرح الاتجاهات التجريبية

حديثه عن هذه المفارقة دفعني إلى سؤاله عن التحديث الشعري بوصفه خاضعا للهزّات العميقة؛ المنفى، الحروب، الثورات، ليقول إنّ التجديد أمر يخضع ابتداء للقواعد الفلسفية والنقدية التي تؤسس له وكذلك إلى التجريب، بينما الحوادث الطارئة تتشكل كمواضيع، ولم تكن الأسباب المباشرة للتجديد، فليس ما جعل حركة التجديد الشعري عربيا تظهر خلال خمسينات القرن الماضي -كما يرى ضيفنا- إلّا حالات التأثر التي حصلت مع التجارب العالمية ونقلت إلينا بواسطة الترجمة، ولم تؤثر فيها الحوادث المصيرية التي وقعت حينها في المنطقة؛ من حروب واحتلال ومشاكل متنوعة ومختلفة آنذاك، ومن هنا يرى يعقوب أنّ الكتابة عموما سواء كانت تجديدا أم تقليدا، لا يمكن عدها ردات فعل سريعة وحماسية للكتابة لأن الموضوعات الاستثنائية كالحرب مثلا تحتاج إلى وقت كي تتمظهر وعيا وتجريبا جديدين في الكتابة، وأمام النظر إلى الكتابة بمستوييها العالمي والمحلّي فلا يمكن النظر إليها دون تجنّب تقسيم القراء والمستهلكين إلى فئات حسب طبيعة النص وفنياته وطريقة القول فيه.

الشعر ابن زمانه

صاحب ديوان “سائل أزرق في محارة” نلاحظ في لوحاته الشعرية مسرحا لاتجاهات تجريبية، وكذلك في مسودّة ديوانه الذي يضع عليه اللمسات الأخيرة قبيل إصداره، وهنا أسأله عن مدى حرصه على الاتّجاه إلى البنية السردية “المونولوج والحوار” في القصيدة الشعرية، ليقول إن نصوصه جاءت في فترات زمنية متفاوتة وهذا ما انعكس على الطريقة التي يتمّ القول فيها بالنّص، حيث اختلفت إلى حدّ ما أساليب وبناء النصوص بين فترة وأخرى تبعا للمرحلة التي ترتقي فيها تلك النصوص إلى أن تكون شعرا، وتبعا للظروف النفسية والغريزية التي يكتب فيها، وهنا يعترف ضيفنا أنّه لا يعير كثيرا من الانتباه لما يصطلح عليه بالقواعد والخصوصيات أثناء الكتابة.

“لا يطير الطائر بجناحيه فقط” هكذا صدّر مجموعته الشعرية بقولة للشاعر والرسام الإنكليزي وليام بليك، فمن خلالها كما يقول يعترف بالشعر كتعويض فاللحظة الشعرية لدى الشاعر هي لحظة الإمساك بالخيط الذي يؤدي إلى صناعة صور بديلة أو صورة تحرف الواقع، وفي الولوج إلى صفحات الديوان نجد تعدّدا في المواضيع التي جاءت لتعنى بالتراجع عن القيم الذهنية والمجردة لموضوع محدّد، والارتداد فيه من فضاء الوجد كمفهوم باطني وصوفي عميق إلى ممارسة واقعية يومية تشوبها الكثير من الصفات الإنسانية المرتبكة كعدم الانسجام والتوتر.

وحول ما يحدث في العراق اليوم من رغبة في التخلّص من رواسب الفساد والتخبّط في إدارة الدولة، يقول ضيفنا إن الكتابة تستلزم شرطا جوهريا يقوم على التحرّر من القيود التي تفرضها السلطة الدينية أو السياسية. وهكذا نراه يهتف للحريّة، حيث يؤمن بها كأسلوب للحياة.

15