الشاعر الفرنسي فيليب جاكوتيه: موسيقى الشعر من نوع آخر

الشاعر فيليب جاكوتيه يرى أن كل كاتب يشعر بالسعادة حين يجد صدى لما قام به حتى وإن كان لا ينتظر ذلك في البداية.
السبت 2020/10/17
فيليب جاكوتيه: أمنح الكثير من الأهمية للقاء زهرة أو مرج

الشعر موسيقى وصور بالأساس، لكن أن نجزم بذلك فيه نوع من التعميم، فأي موسيقى للشعر؟ وأي صور؟ تساؤلان قد يفضيان إلى تفكيك عملية الكتابة الشعرية، لا من حيث التقنية بل من حيث التجربة الفريدة لكل شاعر على حدة، فالشعر يدور في فلك آخر من التقنيات المتغيرة وفق مشاعر الشاعر.

بدأب وصبر كبيرين بنى الشاعر الفرنسي فيليب جاكوتيه، عمارة شعرية متفردة، خاصة، لا تجد شراكتها إلا مع نفسه؛ لقد نجح طيلة هذا الدرب الشعري الطويل في أن يبقى بعيدا عن التيارات الأدبية والشعرية المتصارعة وبعيدا عن الراهنية ليخط مسارا جعله واحدا من أبرز الأصوات المعاصرة. هذا الأمر، ربما جعله يدخل في سلسلة “لابلياد الشهيرة” وهو بعد على قيد الحياة، إذ قليلون هم من دخلوا هذه السلسلة ولا يزالون يتابعون نشاطهم الكتابي.

هكذا يقدم الشاعر والمترجم اللبناني إسكندر حبش لمختاراته “هذا النور الذي يجتازني.. حوارات في المكان والشعر والترجمة” التي تضم حوارات وقصائد لجاكوتيه، حيث يشكل رؤية كاشفة لتجربة فريدة في الشعر الفرنسي، فكان اختياره لأبرز وأهم الأسئلة التي وجهت لجاكوتيه، وكشف فيها تفاصيل الكتابة عنده، واختياره لقصائد تؤكد الجماليات الفنية التي سعى إلى تأصيلها وشكلت فارقا في تجربته.

البحث عن الكلمة

يوضح حبش في تقديمه للمختارات، الصادرة عن دار خطوط وظلال الأردنية، أنه ارتأى أن يجمع الأسئلة والأجوبة في سياق واحد لتبدو وكأنها وحدة واحدة، تحاول أن تطلّ على تفاصيل الكتابة عنده؛ بمعنى أنه جمع ما يتعلق بالترجمة في فصل واحد، وما يتعلق بالكتابة الشعرية والنثرية في فصل آخر، وما يحيل إلى الأمكنة في فصل مستق أيضا، وهكذا دواليك، ليقدم لمحة عن مسارات هذا الشاعر. وهي مسارات، ارتأى المترجم أن يكملها ببعض المختارات الصغيرة من شعره، لعلها تعطي انطباعا عن عالم جاكوتيه المتفرد.

يقول جاكوتيه ردا على سؤال حول كتابه “دفاتر ـ 1995 ـ 1998″ الذي ضم الأحلام التي حلمها “أشعر أن ما أكتبه يصبح قامتا أكثر فأكثر، الأحزان المتعاقبة التي عرفتها تسم كتبي، تحيلها متنافرة. بيد أنني أحاول أن أمتلك أكثر النظرات برودة وأقلّها جبنا. حضور الأحلام هذا وأعترف بأنني لم أتحقق بأنها كانت قوية جدا، ربما كان طريقة لملء الفراغ. اللقاءات، الدهشات التي تثريها الطبيعة أصبحت نادرة في واقع الأمر. مع الزمن، يتعب النظر. الذاكرة أيضا، إلا أنني أسرع في تسجيل القليل الذي أنقذه من حياتي النهارية أو الليلية. من مدة، زارني بعض المترجمين الألمان، كانوا يبحثون في لغتهم عن معادل لعنوان أحد كتبي ‘دفتر الخضرة’، عبثا، ذات ليلة، وجدت العنوان بدقة. إلا أنني لم أسجله. وعندما استيقظت، كان من المستحيل تذكره”.

رؤية كاشفة لتجربة فريدة في الشعر الفرنسي
رؤية كاشفة لتجربة فريدة في الشعر الفرنسي

ويرى أن “كل كاتب يشعر بالسعادة حين يجد صدى لما قام به، حتى وإن كان لا ينتظر ذلك في البداية. كما نعرف، أنا شخص يشك بنفسه وبما يكتبه. هذه الأصداء التي كانت متصاعدة على مر السنين، كانت تشكل راحة ولكنها راحة للحظات، إذ سرعان ما كنت أعود لأسقط في الشك. بالرغم من كل شيء، هذا الاستقبال لعملي لابد أن يثير النشاط”.

ويتابع “أما في ما يخص الأطروحات الجامعية التي تناولت أعمالي، فسأضيف بأنني شخص لم يكن يحب لا التعليقات ولا التحليلات، أشعر أحيانا بالانزعاج تجاه أولئك الذين يقضون الوقت وهم يدرسون كتبي لدرجة أنهم لا يعود بإمكانهم بعد ذلك قراءتها والحكم عليها مثلما كانوا يتمنون. أذكر أن ريلكه قال ذات يوم إنه لم يقرأ ما كتب عنه مطلقا. لا أعتقد أن ذلك الأمر كان صحيحا، وإن كنت أظن أنه بقي بالقرب من هذا المبدأ أي أنه كان يتصفح الكتب التي خصصت عنه”.

حول عمله الأدبي شعرا ونثرا وكيف يحدد هذا الانتقال بين إدراكه للمكان الذي يقدم إليه إشارة ما وبين الكتابة، وبين المنظر الحقيقي وبين كتابة المنظر، يقول جاكوتيه “هنا تكمن كل مغامرة كتبي بدءا من ‘النزهة تحت الأشجار’، وبالتالي هي الكتب التي كتبتها هنا، والتي تشكل نصف المجموعة التي نشرتها. هناك من جهة القصائد ما أعتبرها فعلية، ومن جهة ثانية تعاقب هذه الكتب التي تعود لتروي في العمق ولو قليلا الأمر عينه، لكنها تعود لترويه لأن التجربة نفسها تعود لتعاش من جديد في أغلب الأحيان، ولأنها تبدو مركزية بالكامل. في هذه النثريات وانطلاقا من لقاء يمكن لي أن أصفه بأنه إشراقي حاولت أن أحيط بالكلمات، هذه اللحظات المعيشة وكأنها طقوس صغيرة، متواضعة في أغلب الأحيان، لكنها بدت لي أنها تحوي نوعا من العبارة الأساسية بشكل كامل”.

ويضيف “كانت هذه اللحظات، لحظات نزهات من دون هدف، ودون أي نية أدبية بطبيعة الحال، وكانت تجعلني في تماس مباشر مع العالم الطبيعي. شعرت بالدهشة من جراء العاطفة التي يمكن أن تحدثها في داخلي، وهي آسرة في البداية، لتتخفف في ما بعد إذ أنها تتكرر. مع هذا تتفرد كتابتي عبر حفر هذه التجربة، لكي أقولها ولكي أجعلها تشع في الوقت عينه. يبدو لي أنه من الأساسي أن تجعل ما أعطي لك مشعا، وذلك عائد بعمق لأسباب إنسانية أساسية، وبخاصة لكي تحتوي العدمية. ونتيجة لذلك، أصبح من الضروري بالنسبة إليّ وبشكل مطلق، أن أقول هذه التجربة لأنني لست شخصا هاذيا بل الأحرى أنا شخص متوزان ومتعقل أحاول أن أفهم ذلك كله، أن أحدد إن كان شرعيا حقا أن أمنح الكثير من الأهمية للقاء زهرة أو مرج”.

ويتابع “زد على ذلك يمكننا أن نتحدث عن العمل، بشأن النثر كما بشأن القصائد، قياسا إلى أن هذين الأمرين يخرجان من اندفاعة واحدة بشكل عام، إما على شكل نشيد قصير أو نشيد طويل أكثر إرباكا، إلا أنه يجري من طرف إلى آخر، باستمرارية تحملها العاطفة. فيما أكتبه من نثر تشكل حصة التأمل والبحث عن الكلمة الصائبة والتعديل الصريح، جزءا من النص. العمل على هذا النثر كان إذن يكمن في محاولة القبض بدقة على ما حدث لي، على ما رأيته، على قوله بأفضل طريقة ممكنة”.

ويواصل الشاعر “مازلت أرى أن ذلك أمرا صعبا للغاية. بيد أنه ليس عملا حول الكلمات، ولا عملا إعداديا أدبيا صافيا على طريقة فلوبير لإيجاد حلّ للمشكلة. بل على العكس، لقد قلت لنفسي في بعض الأحيان إن الصعوبة في تمرير هذه الدهشة، داخل الكلمات، هو حلّ أفضل من أن تأتيني الصورة أو الاستعارة أو أي نمط جيد، وحدها تقريبا، حين أترك نفسي لعنان أحلام اليقظة. بالطبع، لا يعود الأمر أيضا إلى حلّ هذه المشكلة عبر إيجاد مفتاح لهذه التجربة بل في البحث فعلا عن الكلمة من أجل التعبير عنها بطريقة لم أعد أشعر معها بعدم الرضا من النتيجة، وفي أن أحس بأن شيئا أساسيا يمر عبر هذه الصفحات”.

الموسيقى والصورة

الشاعر  فيليب جاكوتيه بنى عمارة شعرية متفردة خاصة لا تجد شراكتها إلا مع نفسه
الشاعر  فيليب جاكوتيه بنى عمارة شعرية متفردة خاصة لا تجد شراكتها إلا مع نفسه

يلفت جاكوتيه إلى أن الموسيقى كانت حاضرة دوما في أعماله ومن دون أن يعود ذلك إلى انحداره من بلد يصنعون فيها الموسيقى بكثرة، ويعترف بأن الموسيقى لم تتوقف عن مرافقته منذ أن كان مراهقا. مشددا على أنه في مجال الفن تبقى الموسيقى هي الوحيدة التي تواجه بكثافة كبيرة وبانتصار عظيم كل نوع من أنواع اليأس. وليس جاكوتيه أول من يقول ذلك، حتى أن شخصا عدميا مثل سيوران يقوله أيضا.

ويؤكد الشاعر على أن الموسيقى هي أكثر الفنون شمولا وأكثرها استقلالية، وهي تُشكل جزءا من هذه الموارد التي تتيح لنا أن نبقى ثابتين على الأرض، إذ تمر فترات يجعلك كل شيء فيها تفقد توازنك.

ويلفت جاكوتيه إلى أن هناك موسيقى في الشعر لكنها موسيقى من نوع آخر. الموسيقى في رأيه تشعرك بأنك محمول إلى الأعلى عبرها، كما يمكنها أن تترجم بالطريقة عينها التي يترجم بها الشاعر لقاءاته مع كائنات أو لقاءات مع الطبيعة، أو لقاء مع تحفة فنية.

أما بالنسبة إلى الرسم، فقد كان جاكوتيه أقل حساسية منه وهو شاب، يقول “لقد اكتشفته متأخرا، وبخاصة عبر الحياة المشتركة مع زوجتي، التي هي رسامة، ربما واقع أن أتواجه كل يوم مع المناظر الطبيعية، قد ساهم بالطبع، في تكثيف هذا الاهتمام بالرسم. وكما نجد في الموسيقى، فإن هناك إضاءة على العالم  قامت بها الأعمال الفنية الكبيرة، من البدايات وإلى غاية اليوم، تشكل جزءا من موارد الكائن. لكن إن كانت نصوصي النثرية تشبه اللوحات كثيرا فإن ذلك يشعرني بالضيق، أتمنى ألا يكون هناك في هذا العمل شيء خاص عائد إلى طبيعة نظام الكلمات”.

ويضيف “مع ذلك من الصواب أن أقول إنني وبتقديري لأعمال سيزان الذي أعجبت به دائما، وبخاصة المائيات التي رسمها في الفترة الأخيرة من حياته، أقول كان عليه وبطريقته الخاصة، أن يشعر بشيء ما يشبه النظام الذي أشعر به أنا تجاه المناظر الطبيعية. لا يتحدد هذا الرسم بما هو مرئي، بل ثمة ما يجتاحه أكثر فأكثر عبر نوع من النور الذي يقضم الألوان والأشكال بطريقة مدهشة. ما أشعر به تجاه هذه اللوحات قريب جدا مما أتمنى أن أكون نجحت فيه مع الكلمات”.

ويؤكد فيليب جاكوتيه ردا على رفضه للصورة بأنها “توحي بغنى خاطئ وبشرود ضال وبقناع. عندما كتبت مثلا ‘رافعا عيني من على حافة سرير المنازع نحو النافذة، حيث تتراءى السماء.. حيث تمر الصور’، لم يكن لدي بذاءة التفكير بمسائل شعرية، لقد كان الأمر يتعلق بظواهر ما يتعلق بوجوه هذا العالم المرئي الذي لا أنفك عن الالتجاء إليها”.

ويشدد على أنه عندما يعني بكلمة صور التشابه والاستعارات، فهو يفضل “الهايكو”، يفضله على كل أشكال الوجدانية، حيث هناك “المَشاهد” ليست بالضرورة مستمدة من الذاكرة ومن الخيال ومن الأحلام كي نشعر بسلطتها، أي أن تكون ببساطة موضوعا في ضواحي أمر آخر، ليس أقل حضورا على المستوى ذاته، كما أنه سيزيل سلطته بطريقة أكثر قوة وأكثر عريا. ويشير إلى أنه وقف المئات من المرات أمام هذا المثال، بالرغم من أنه كان واعيا بأن الصورة هي إحدى فضائل أدوات الشعر.

شعر

13