الشاعر الكويتي دخيل الخليفة: الشعر تحول إلى ملهاة

عربيا، هنالك قامات شعرية تجاوزت طوق الجغرافيا، وعبرت حدود المكان، لتقفز وسط منطقة اللامنتمي، وتتخذ من الإنسان وحده وطنا تكتب عن واقعه وهمومه وأحلامه بمعزل عن جنسيته ودينه وطائفته وانتماءاته؛ ترصد مخاوفه، وترسم له على جدار الكون حلما صاغته من الشعر لتنطق باسمه عاليا. ضيفنا اليوم الشاعر دخيل الخليفة هو واحد من الشعراء القلائل في الوطن العربي تجاوز نصه الحالة المحلية نحو فضاء إنساني شاسع. “العرب” التقت الشاعر فكان لنا معه هذا الحوار حول الشعر والكتابة وعن اهتماماته الثقافية والسياسية الأخرى.
الاثنين 2015/11/16
غياب الدعم الحكومي للثقافة، وتشجيع الغث، ستفرز كلها أياما سوداء

أصدر الشاعر دخيل الخليفة (مواليد الكويت 1964) عبر دار مسعى البحرينية مؤخرا مجموعته الشعرية الأخيرة “صاعدا إلى أسفل البئر” التي تأتي بعد أربع مجموعات شعرية ابتدأها بمجموعة “عيون على بوابة المنفى” (1993)، و”بحر يجلس القرفصاء” (1997)، و”صحراء تخرج من فضاء القميص” (2007)، ثم “يد مقطوعة تطرق الباب” (2012).

مشهد مرتبك

يقف الكثير من القراء، ومن الكتّاب أيضا أمام سؤال معرفي مشغول بمدى البعد النفعي من الكتابة والاشتغال على القصيدة، ودخيل الخليفة أحد الشعراء الذين عكفوا لسنوات طويلة حارثا في الشعر وفي القصيدة وفي النص المختلف. ما يجعلنا أمام سؤال عن مدى إيمانه بالشعر وبقدرته على التغيير أو صنع أسطورة ما في العالم. يقول دخيل: لم أعد مؤمنا بإمكانية التغيير، ما حدث أخيرا من ثورات شعبية حوّل أي نقطة ضوء إلى بؤرة صادمة، اكتشفنا أننا أمة هرمة، متخلفة، تتقن تفسير الأحلام التي تراها في منامها فقط، وأننا نعاني من فراغ فكري ومعرفي كبير، الشعوب اكتشفت أن مثقفيها محض خرافة، وأنهم مجرد صور كرتونية، فما بالك بالشاعر وهو جزء من هذا الحراك، الشعر تحول إلى ملهاة اجتماعية، إلى حاجة للمتعة والرسائل الإلكترونية، ولم يعد محركا للجماهير بظهور محركات أقوى تأثيرا منه بكثير في زمن الثورة التكنولوجية.

عمل الخليفة لسنوات طويلة في الحقل الإعلامي والصحفي، متقلّدا بمسؤولية الإعلامي والشاعر عدّة وظائف ومناصب منذ 1996 حين عمل محررا في قسم المحليات بصحيفة السياسة الكويتية، ثم في سنة 1999 عمل سكرتيرا لتحرير مجلة المجالس، ثم في 2000 أصبح مسؤولا على قسم الملاحق ومحررا في أقسام المحليات والخارجيات والرياضة بصحيفة الأنباء الكويتية، ثم في الفترة من عام 2007 حتى 2010 عيّن سكرتيرا لتحرير صحيفة أوان، وعمل أثناءها محررا في قسم الأخبار بفضائية الكوت، ثم مديرا لتحرير موقع آراء الإلكتروني في الفترة من 2012 حتى 2014.

الشعر تحول إلى حاجة للمتعة والرسائل الإلكترونية، ولم يعد محركا للجماهير بظهور محركات أقوى تأثيرا منه

يعبّر الخليفة عن هذه السنوات الطويلة من العمل المضني اليومي، وعن مدى حرية الرأي والتعبير في ما يخص الصحافة الخليجية على وجه الخصوص والعربية في العموم ولا سيما بعد الربيع العربي قائلا: هل مارسنا حرية التعبير حتى ننتكس؟ هذه الشعوب العربية محكومة بالحديد، لأن حكوماتها تدرك أنها شعوب لا تؤمن بنعمة الحرية، الديمقراطية في أي بقعة من العالم تحتاج إلى “تربية” وتدريب، أي تتطلب زمنا طويلا تتخلله بعض التضحيات، نحن محكومون بعصابات دينية، وعسكرية، ورجال أعمال. ثم إن الشعوب العربية لم يحكمها سياسيون حقيقيون مخلصون لشعوبهم أكثر من إخلاصهم لسرقة المال العام، انظر ما حصل في العراق مثلا، توقعنا بعد إزالة النظام الدكتاتوري أن يشهد حالة انتعاش وحريات، فاكتشفنا أنه وصل إلى أقصى مراحل التخلف بعد أن قبضت عليه العصابات الدينية. ولعل حالتي لبنان والكويت مماثلتان لذلك أيضا، فقد تراجعت الحريات في البلدين وإن كانا أفضل من سواهما حتى الآن”.

المبدعون “البدون” في الكويت بلغوا شأنا كبيرا، وتقدموا على المستوى الإنساني والإبداعي لمنطقة لا يمكن تجاهلها أو القفز عليها من قبل الحكومات والمؤسسات. ويواجه المتابع للمشهد الثقافي الكويتي أسماء مهمة صنعت ذاكرتها الخاصة في وعي المتلقي، مثل سعدية مفرّح، ودخيل الخليفة، ومحمد النبهان، وسليمان الفليح، وخليفة الشمري، وناصر الظفيري، وآخرين شقوا طريقهم الإبداعي متحدين الظروف الحياتية القاسية، بعضهم اختار الهجرة بعيدا عن جحيم الوطن، والبعض الآخر ظل في الكويت دون جنسية تحميه.

ويعتبر الخليفة أن “المبدع البدون” حينما يكتب، يتخيل 60 عاما من الحرمان والإقصاء والتهميش، لذلك يبني وطنه على الورقة، ولا يمكن الإلقاء باللائمة على الحكومات المتعاقبة وحدها، القضية تعكس أزمة مجتمع أساسا، فأي مجتمع حي، نابض، يشعر بالإنسان، لا يمكن أن يدوس على البشر نتيجة تفكير عنصري، أو هوس مادي، والبدون جزء من المكوّن الاجتماعي للشعب الكويتي.

المشهد الثقافي العربي أصبح مرتبكا

وفي سؤال عن تجدد المواقف على المستوى العربي، والربيع وما بعده، وارتباكات الهويات العربية الجامعة التي حاولت أن تصنع خارطة طريق جديدة للخروج من المأزق الكوني، وكيف يستشرف دخيل الخليفة المرحلة القادمة في المشهد الثقافي العربي عامة، والكويتي على وجه الخصوص يجيب الخليفة أنه لا يؤمن بوجود أي هوية تجمع المثقفين العرب، حتى الماركسي منهم تحوّل إلى طائفي كبير ينام تحت عمامة رجل الدين. فالثقافة العربية حتى الآن، في رأيه، إما مستوردة أو تعتمد على حالات فردية.

ويتابع الخليفة: المشهد الثقافي العربي مرتبك، أما الكويتي فيعيش الارتباك ذاته، إذ المبدعون قلة الآن، وقد انتشرت حالة خطيرة جدا، تتمثل في نشر النتاج الرديء، الذي يجد إقبالا كبيرا من مجاميع شبابية مختلفة، فهل ثمة مستقبل جيد ينتظرنا على الصعيد الثقافي؟ إن غياب الدعم الحكومي للثقافة، وغياب المشاريع الحقيقية للترجمة وتشجيع الغث، ستفرز كلها أياما سوداء بلا شك.

النشر الجديد

في خطوة ذات تحدّ ثقافي كبير أسس دخيل الخليفة مع القاص جاسم الشمري والمترجم سعد كريم دار “مسارات” الكويتية للنشر والتوزيع في مارس 2015، واضعين في اعتبارهم نشر وتوزيع الكتب الإبداعية والإصدارات التي تهتم بتنمية الفرد، متسلّحين في مشروعهم بتجربتهم الثقافية والإبداعية. يقول الخليفة: أردنا أن ندخل بشكل جيد، ركّزنا على الترجمة، ومتابعة المبدعين سواء من الكبار أو الشباب، لكن المشكلة الآن أن ثمة أشياء تكسر أي طموح إلى تقديم أدب مختلف، الآن، تغيرت أساليب النشر، وطرق التسويق والتوزيع، والأفدح هو تغير ذائقة المتلقي، تخيّل أي كاتب خواطر يمتلك 100 ألف متابع في تويتر، أو أنستغرام يبيع في عام واحد أكثر من أدونيس ودرويش وسعدي يوسف مجتمعين.

توقفنا مع ضيفنا على المشهد الثقافي الكويتي، وتحديدا “ملتقى الثلاثاء الثقافي” الذي يرأسه الخليفة مع نخبة من المثقفين الكويتيين والعرب، والماضي على تأسيسه حوالي 20 سنة. يقول الخليفة: ملتقى الثلاثاء تأسس في سبتمبر 1996، كان أول ملتقى ثقافي أسبوعي خاص في الكويت، استضفنا فيه بجهودنا الخاصة مثقفين عربا كثرا، لكن كل أحلامنا بتطوير العمل اصطدمت بغياب الدعم المادي. ويضيف: لا يوجد تعاون مع بقية الملتقيات، وإن كان الأمر واردا. لدينا أفكار جميلة لم نتمكن من تنفيذها حتى الآن لغياب الدعم.

15