الشاعر الليبي عمر الكدي: الشعر رفض الخروج معي إلى المنفى

الجمعة 2013/11/22
الكدي: شخصياتي تشبهني وتشبه غيري

استغرق عمر الكدّي خمسة عشر عاما وهو يفكّر في فصول روايته "حوليات الخراب" أي قبل أن يغادر ليبيا إلى هولندا كلاجئ عام 1999، ولكنه حين شرع يكتبها لم تستغرق منه سوى 23 يوما، وذلك بسبب تحطّم الأشياء في ليبيا منذ العام 2012، وتغيرت الأحوال التي فرضتها الأحداث التي تمرّ بها بلاده. وفي هذا الحوار سنسعى إلى التعرّف على مناخات الكدّي الإبداعية وسبب هجره للشعر باتجاه السرد الروائي.

كتب الكدّي المقالة والشعر وظلت الرواية خارج طموحه الكتابي لأنها تحتاج إلى التفرغ الكامل حسب قوله. اعتمد مدرسة الواقعية السحرية، كتيار جديد في الكتابة. صدر له: في عام 2013 ديوان "بلاد تحبّها وتزدريك"، ويضمّ أربع مجموعات شعرية، ورواية "حرب ماريش وثوراتها الثلاث"، بالإضافة إلى مجموعة قصصية بعنوان "حراس الجحيم". وفي هذا العام صدرت له رواية "حوليات الخراب" وله تحت الطبع مجموعة شعرية بعنوان "منفى".

تعويذة النسيان

عن الكتابة يقول عمر الكدّي: نكتب حتى نقاوم الموت والفناء؛ كان هذا واضحا منذ أن نقش ورسم الإنسان الأول الحيوانات التي يصطادها على جدران الكهوف، تلك الرسومات التي تحولت إلى حروف، فالكتابة هي تعويذة ضدّ النسيان، ومحاولة لتدوين التجارب للأجيال القادمة، ومراكمة المعارف والخبرات. هذا بشكل عام أما بشكل خاص فالكتابة هي محاولة لإثبات الذات، وتحدّي السائد والنمطي، وتطوير الخيال، وإخراج المخفي من العتمة إلى النور.

"نجيب" بطل رواية "حروب ماريش وثوراتها الثلاث" يشبه الكدّي في بعض حالاته؛ وفي هذا الأمر يردّ بالقول: نجيب خليط من عدة شخصيات فهو يشبهني ويشبه غيري، وحتى عندما نكتب عن أنفسنا تتمرّد الشخصية الروائية على الشخصية الحقيقية، وتختار مسارات أخرى.

وهذا ما حدث مع نجيب. رواية حروب ماريش ليست سيرة ذاتية، وإن تطرقت إلى بعض خبراتي ومشاهداتي، هي توثيق لفترة من التاريخ الليبي حسبما سمعته شفهيا من أشخاص كثيرين مروا في حياتي، وبالتأكيد فإن الروائي لا يستطيع الابتعاد عن خبراته لذلك عادة ما تشبهنا الشخصيات الروائية، ولكنها في نفس الوقت تختلف عنا، خاصة عندما تجتمع في الشخصية الواحدة عدّة شخصيات.

وعن القصيدة يقول: "مازال لديّ متسع للقصيدة، خاصة وأن مجموعتي الجديدة "منفى" تحت الطبع، وهي عبارة عن قصيدة طويلة عن المنفى، بالإضافة إلى أربع قصائد أخرى، الأولى عن امرئ القيس، والثانية عن أبي نواس، والثالثة عن أبي الطيب المتنبي، والرابعة عن أبي العلاء المعري، ولكن أعترف أن النثر منذ خروجي من ليبيا طغى على الشعر وربما يعود السبب إلى المنفى نفسه، وحتى في قصيدة منفى كنت أشكو من هجر الشعر لي، وكأنه رفض الخروج معي إلى المنفى.

طغاة خياليون

في روايته "حوليات الخراب" هناك حضور لأسماء مثقفة ليبية معروفة في المشهد الثقافي الليبي بشكل ساخر "علي صدقي عبد القادر" و"علي فهمي خشيم"؛ وحول هل يعتبر ذلك نوعا من التشهير؟ يجيب الكدّي: "هذه شخصيات مستقلة ولها أسماء مختلفة وإن تشابهت مع شخصيات حقيقية. الأمر ليس تشهيرا وإنما محاولة لرصد الأوجه المختلفة للمثقف الليبي في علاقته مع السلطة، وأيضا في علاقته مع الحداثة، فالشاعر صدقي ناجي في الرواية يشبه رفاعة الطهطاوي أكثر مما يشبه علي صدقي عبد القادر، أو هو مزيج من هذا وذاك، طبعا من واجب الأدب أن يسلط الضوء على الجوانب المعتمة من المجتمع، هذا هو دوره الحقيقي، وأن ينظر إلى ثقافته بشكل نقدي، وإلا تحول إلى مجرد هتاف وتمجيد لهذه الثقافة".

وعن التشابه في العناوين بين كتاب "الحوليات الليبية" و"حوليات الخراب" يبيّن الكدّي أن "الرواية كان اسمها "الحوليات اللوبية.. حوليات الخراب"، ولكن الناشر طلب حذف الجزء الأول من العنوان.

وأضاف الكدّي: نعم اعتمدت في كتابة الرواية على الوقائع التاريخية كما ظهرت في كتاب الحوليات الليبية للمؤرخ الفرنسي شارل فيرو، وفي الواقع الذي كتب الرواية هو مؤرخ فرنسي اسمه يشبه شارل فيرو وهو شارل هيرو، بينما كتب الجزء الثاني حفيده".

تتناول رواية "حوليات الخراب" ثلاثة عشر طاغية توالوا على حكم ليبيا -أو "مدمر"- تستلهم الرواية أحداثها من تاريخ هؤلاء ولكن بلباس سردي معاصر، وهو ما يقول عنه الكدّي: "بقدر ما تتناول الرواية أحداثا بعيدة في الزمن فإنها تركز على اللحظة الراهنة، وعلى تداعيات ثورة فبراير".

ويضيف الكدّي: "بدأت التفكير في كتابة هذه الرواية منذ 15 سنة عندما كنت في ليبيا، وكنت أحدث أصدقائي عن شخصيات الرواية، وخاصة الطغاة الثلاثة الخياليين، ولكن عندما جلست لكتابتها في مدّة 23 يوما تغيّرت فيها أشياء كثيرة، فرضها سقوط القذافي وانتصار ثورة فبراير، والتداعيات التي أعقبت هذا الانتصار.

ثمة تأثر شديد بمدرسة الواقعية السحرية، وهي مدرسة تعتمد على أسطرة الوقائع التاريخية، وحتى في قصصي القصيرة التي طبعت في كتاب "حراس الجحيم"، كنت أتعمد هذه الأسطرة وتضخيم الوقائع مثلما يفعل رسام الكاريكاتير، وبالتأكيد فإن البحث عن طرق جديدة للكتابة هو ما يميز التيار الجديد في الأدب العالمي".

حكومة ضعيفة

وعن وجهة نظره في قول البعض بتحول مفهوم المواطنة في دول الربيع العربي إلى مسألة صراع وهوية يقول: "لم يتجسد مفهوم المواطنة بعد.

أي أن تتعامل الدولة مع المواطن بغض النظر عن عرقه وقبيلته ودينه، ولكن حتى نصل إلى هذا المفهوم لا بدّ من الصراع بين أفكار متصادمة، فثمة من يريد دولة دينية وثمة من يريد دولة مدنية، ولا يمكن التفاهم أو التنازل بين هذين التيارين، وقد استغرق الأمر في أوروبا سنوات طويلة من الحروب الدموية حتى وصلت المجتمعات إلى مفهوم المواطنة".

في ظل واقع ليبي مؤلم؛ كيف يقرأ عمر الكدّي المشهد من الخارج؟ يجيبنا الكاتب قائلا: "المشهد من الخارج مؤسف ومأساوي، وغالبا من ينظر إلى المشهد من الخارج ينظر إليه ككتلة واحدة، ويستطيع الإلمام بشمولية المشهد، ولكن قد يعتقد أن الأمور أسوأ مما هي عليه في الواقع، وقد لاحظت ذلك من خلال الزملاء والزميلات الذين يعودون من إجازاتهم في ليبيا، ومن خلالهم أعرف أن الأمور ليست كما تظهر من خلال وسائل الإعلام".

ويضيف قوله: "في ظل حكومة ضعيفة لا تستطيع حماية رئيسها من الخطف لا يمكننا الحكم على الإعلام الليبي بطريقة صحيحة. حرية الإعلام يمكن الحكم عليها بشكل أدق عندما تكون الحكومة قوية وتستطيع فرض إرادتها، مثلا تقدّمت ليبيا في حرية الإعلام، بينما تراجعت مصر بعد تدخل الجيش وعزل مرسي، ولكن في ليبيا حتى وزير الإعلام المستقيل منع من دخول قناة الوطنية".

وحول الاعتقاد بأن "الساطور" هو عمر الكدّي مع أن الحكاية مختلفة؛ فعن بداية هذه الحكاية يقول: "الساطور هو الفنان حسن دهيميش، وهو فنان معروف قبل الثورة باسم الساطور وكان متخصصا في نقد القذافي، وكنت أعرفه قبل الثورة وأتصل به لأقترح عليه بعض الأفكار، وبعد الثورة التقينا بالدوحة في قناة ليبيا لكل الأحرار، ومنذ ذلك اليوم أصبحت أقترح عليه الأفكار تقريبا بشكل يومي، وحتى يؤكد أن هذه الفكرة لي، كان يكتب اسمي تحت الساطور الذي يشير إليه، وهكذا اعتقد الكثيرون أنني الساطور".

15