الشاعر المغربي طه عدنان: من لا نثر له لا شعر له

لا أحد يكتب قصيدته من فراغ، فالقصيدة تكتب بداية انطلاقا من تراكمات الذاكرة ومخزون القراءات الأولى، من جذور عميقة تعود إلى محيطه الحضاري والمكاني والزماني، فلا يمكن أن ينبت شاعر في الهواء من تلقاء ذاته. الشاعر المغربي طه عدنان عرف باعتماده مفردات من التراث العربي والإسلامي بقالب حداثي، وهو يعتبر نفسه مدينا شعريا لقراءاته في الموروث الشعري العربي منذ امرئ القيس مرورا بالمتنبي ومحمود درويش وأدونيس وسعدي يوسف إلى غاية صديقه الشاعر سعد سرحان. “العرب” التقته في بلجيكا وكان لنا معه هذا الحوار.
الاثنين 2015/08/31
على الشاعر الحديث أن يقوم بتجديد معجمه على مفردات الحياة المعاصرة

يعتبر الشاعر المغربي طه عدنان أنه لا يمكن لكاتب او شاعر التنصل من جذوره، لكن من ناحية أخرى يرى أنه “ربما في بعض المراحل نكون أكثر تطرّفا في التنصّل من سطوة آباء رمزيين”.

لكن المشكل بالنسبة إليه هو عندما يصبح اليتم اختيارا استراتيجيّا للشاعر يلتذّ بإعادة فصول حبكته الفرويدية بتفانٍ وعقوق كما لو أنّه بُعِث من عدم لكي يوحى إليه -بحسب ضيفنا- الذي يعتبر أنَّ الأدهى هو عندما يقتصر هذا الإلغاء على الجانب العربي في المرجعية الشعرية. فهناك من الشعراء من يستعدّ لاستعراض مرجعياته الغربية بخيلاء، حتى ولو تعلّق الأمر بشاعر سويدي مغمور، دون أن يذكر شاعرا واحدا من بني جلدته، يُعلِّل ضيفنا هذه الحالة، ربما لأن المرجعية الشقراء تبدو له أكثر وجاهة فالاعترافُ نادرا ما يتحقّق بالشاعر العربي في حياته.

الشعر والنثر

أسألُ ضيفنا الذي يُعدُّ لإصدار ديوانٍ جديد تحت عنوان “بسمتك أحلى من العلم الوطني” عن استخدام التفاصيل اليومية في الشعر، ليقول إنَّ اليوميّ مصدرٌ ثرٌّ للإبداع. لكن هناك من فهم اليوميّ بشكل مختلف، فطفق يكتب قصيدة كلّ يوم لينشرها على مواقع التواصل مستدرّا اللايكات وتعليقات المجاملة، وذلك أضعف البهتان كما يصفه، بينما هناك من صار يُحاكي الشعر المترجم بشكل مضحك، في غياب مخزون قرائي شعري عربي وفي غياب أدنى معرفة بطبيعة الجملة العربية وجمالياتها، وهذا ما يُنتِج قصائد غارقة في النثرية والضحالة معا.

يؤكِّدُ ضيفنا أنَّهُ على الشاعر الحديث أن يقوم بتجديد معجمه وفق مفردات الحياة المعاصرة لكن دونما ابتذال. خاصة بعدما اختلط الشعر على القارئ فما عاد يميّز بين جزالة اللفظ الشعري وركاكة الكلام المرسل. ولربما ساهم ارتباط القصيدة بالنثر في هذا الوضع -والحديثُ لعدنان- فبسبب قصيدة النثر، صارت أكثر الهلوسات ضحالة وإسفافا تنتمي إلى فن الشعر.

الشعر ينتصر في النهاية لذات كونية مهما ظلّت فردية يوم يتوقف الشعر عن الحفر في قلب الأساسي والمصيري والمشترك سوف لن يعني أحدا غير كاتبه

ولأن الشعر أحيانا تلزمه أكثر من قراءة حتى يتأكّد معناه فإنَّ ضيفنا عادة ما يستجير -كما يعترف- بالنثر الخالص حتى يتبيّن أسلوب الشاعر، فكما يعتقد أنَّ من لا نثر له لا شعر له، لأن النثر الصريح يفضح الشاعر المدّعي، الشاعر الذي يستجير بالغموض والتعمية والرموز التي ينطح بعضُها بعضا في قصائده المنثورة ينفضح أمره وهو يكتب نثرا خالصا، مفارقةٌ يطرحها طهَ عدنان لأنَّهُ يؤمن أنَّ النثر بَيِّنٌ، كما الحلال في معظم الأحيان، ومن هنا عبقرية الشاعر بالوهم سرعان ما تُسبِّب عسرا مزمنا في الفهم كما يقول.

حديثُهُ عن حال الشعر والشعراء، دفعني لأسأله عن ذاكرته التي تنظُر اليوم إلى مرحلةِ كتابةِ الشعر على مقاعد جامعة القاضي عياض في مراكش، عقدان من الاغتراب مرَّا على تلك المرحلة، فما هي الإضافةُ التي قدَّمَها المُغتَرَبُ لطه عدنان على المستوى الفني؟ ليجيب بالشعر أولا:

“وحين اندفعنا/ إلى باحة القلب/ فريقٌ تجمهر/ ذات اليمين/ ونحنُ انتبذْنا/ ذات الغضب/ شربنا عيون المسار المدمّى/ وبُحنا بما في الدّما/ من لهب”.

بهذا الحنين يستعيد قصائده التفعيلية خلال الزّمن الطلابي في نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات بكل أحلامه وأوهامه الثورية، معتدّا بقصائدَ تفعيليةٍ حارقةٍ كتبها بحماسٍ زائدٍ في أجواء الحركة الطلابية.

قصائدُ كان يقرؤها بالصوت الهدّار أمام حشود الرفاق بأسماعهم المدرَّبة على الشعارات وحناجرهم المتأهِّبة للهتاف وأكُفِّهم الجائعة للتصفيق، القصائد كانت وسيلة إيقاعية من وسائل النضال، أما هنا في هذه المرحلة فقد صارت النصوص تخرج متحرّرة من كل إيقاع، مرقونة بمفردات العالم الجديد، فإذا كان القرن الماضي قرن الأيديولوجيا بامتياز، فإن القرن الحالي يُعَدُّ قرن التكنولوجيا عموما والتكنولوجيا الرقمية بشكل خاص كما يراهُ طه عدنان.

طه عدنان يستعيد قصائده التفعيلية خلال الزّمن الطلابي في نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات بكل أحلامه وأوهامه الثورية

مقاومة فردية

متخفّفا من كل الأوهام والرّهانات الكبرى يُقدِم ضيفنا الحائز على جائزة مهرجان الفجيرة للمونودراما على قصيدتِه، ما أعطاهُ الوقت الكامل للإنصات إلى أشيائه الخاصة، ليُصاحب ذاته، ليعرف نفسه، يصالحها ويخاصمها ويقرف منها أحيانا كما يعترف، يكتب انطلاقا من ذاتيته الخاصة، لكن دون أن تستغرقه تلك الذات تماما. فإلى جانب الشرط النفسي، ما يكتبه محكوم حتما بالسياقات الاجتماعية والتاريخية التي تنتجه.

إنه نوع من التأريخ الشخصي للَّحظةِ الراهنة، وللمحيط الهشّ، يبتدعُ عالما شعريا يُعيد صياغة ما قد يُصادفه في الحياة. فقصائد “مرثية إلى أمادو ديالو” و”نينو” و”لاماروكسيلواز” تنهل من حيوات ومصائر شخصية. لكنّها تعكس من خلال شعرنة ألمها الفردي همّا إنسانيا، هكذا وبقوّة الإبداع. ربما هذا ما يجعل الشعر ينتصر في النهاية لذات كونية مهما ظلّت فردية -يتابعُ ضيفنا- يوم يتوقّف الشعر عن الحفر وئيدا في قلب الأساسي والمصيري والمشترك، ويُعنى فقط بالأشياء الشخصية الصغيرة والموغلة في الخصوصية، ربما سوف لن يعني أحدا غير كاتبه.

“شخصيا الهجرة أفادتني على مستوى اكتشاف ضآلة وجودي الشخصي”، هكذا يرى طه عدنان الهجرة، فهي التي فتحت لهُ آفاقا أرحب للانتماء الشاسع لهذا العالم، مع إقرارِهِ أنَّ كل مبدع يحمل معه وطنه وذاكرته ولسانه، كلّ حسب تاريخه الشخصي وخصوصية علاقته بالوطن الأم وموطن الهجرة ولغاتهما، يرى أنَّ لا لغةَ في العالم ستطاوعهُ كما تفعل العربية، لذلك اعتمدها ناطقا رسميّا باسم الوجدان مع سعيِهِ الدائمِ لطرقِ أبواب المواضيع الحديثة، اللّغة العربيّة لغة طيّعة متفتّحة ويمكنها التّأقلم بسلاسة مع مفردات البيئة المختلفة.

الشعر يأتي كنوع من المقاومة من أجل إثبات وجود فردي صغير وتافه لكنّه يستطيع محاورة أكثر الموضوعات استعلاء

فيعتبر ضيفنا أن القصيدة هي إعادة صياغة للعالم، والعالم يبدأ من حيث الذات، الشعر صرخة الفرد إثباتا للذات ونشدانا للمغايرة. لحظة مقاومة فردية ضدّ الإحساس العارم بالاضمحلال أمام آلة العولمة الجبّارة.

الشعر يأتي كنوع من المقاومة من أجل إثبات وجود فردي صغير وتافه. لكنّه يستطيع محاورة أكثر الموضوعات استعلاء، وهذا ما فعَلهُ ضيفنا في قصائده “آي لوف يو” وفي “مرثية إلى أمادو ديالو”. فالشعر عندهُ بإمكانه أن يمارس نوعا من الاستدراج إلى مجالٍ لا ينشغلُ بالسطحي والعابر بقدر ما يُعنى بالأساسي والمستقبلي، وهذا يعطيه سطوة صغيرة يمارسها الشاعر بكلّ خيلاء. حتى ولو كان ذلك دون عظيم جدوى ولا كبير تأثير.

إقامتُهُ الطويلةُ في بروكسل دفعتني لسؤالِهِ عن قبول الجمهور العربي للقصائد التي يُصدِرُها شاعرٌ يعيشُ في المغتَرب، سؤالٌ يحمِلُ صعيدين الأول المتلقي العادي والثاني الناقد؟ ليقول إنَّه ليس هناك علاقة كبيرة لما يكتب اليوم بأدب المهجر الذي واكب نزوح بعض المبدعين المسيحيين العرب في سوريا ولبنان أواخر القرن التاسع عشر إلى المهاجر، هربا من جور العثمانيين وبطشهم. ولا حتى بكتابات المنفيين الذين هربوا إلى أوروبا من جور الأنظمة الوطنية في النصف الثاني من القرن الماضي.

فالعديد من أبناء جيلهِ، من المغاربة، هاجروا بمحض اختيارهم ولأسباب ليست سياسية على الإطلاق. لذا فهم ليسوا مهجّرين ولا منفيين. إنهم شباب أقاموا في بلدان الاستقبال الأوروبية عموما وتأقلموا معها وأبدعوا داخلها أدبا قد يكون عربيا، تماما كما يمكن اعتباره رافدا من روافد الأدب المعاصر لبلدان الاستقبال.

15