الشاعر المنفي خارج الوطن والقصيدة

لقد أعطى الشعراء المهجريون تجربتهم كل ما يستطيعون من جهد ومتابعة وتطوير على الرغم من الظروف الصعبة التي كان يعيشها البعض منهم.
الثلاثاء 2019/08/27
شعراء بقالب واحد (لوحة للفنان باسم دحدوح)

في تاريخ الشعرية العربية الحديثة لا يمكن الحديث عن التحولات التي شهدتها هذه الشعرية دون التوقف مليا عند تجربة الشعر المهجري، وما أضافته في سياق تحولات القصيدة الجديدة من تجديد وإثراء. لكن هذا التجديد الذي أحدثته في بنية ومقاربات هذه القصيدة لم يكن ليتحقق لولا تمثل الشعراء والكتاب المهاجرين للثقافة التي عاشوا في كنفها، وقد امتزجت عندهم بروح الثقافة التي جاؤوا يحملونها معهم.

 ومن أجل تأكيد هذا الحضور عمل هؤلاء المهجريون على إنشاء النوادي والجمعيات الأدبية والمجلات التي كانت منبرا لهم يطلون منه على ثقافة الآخر وعلى الثقافة العربية، تأكيدا للروابط الكبيرة بثقافتهم الأم. لذلك فإن ما حققه أدب المهجر من قيمة فكرية وجمالية ووجدانية لم يكن ليتحقق لولا الموهبة والقدرة على تطويرها وإغنائها حتى تحولت هذه التجربة إلى ظاهرة راسخة في تاريخ الثقافة العربية الجديدة وروافدها التي ساهمت في بث الحياة الجديدة فيها، من خلال انفتاح هذه الثقافة على الثقافة الحديثة في بلدان اغترابهم.

 والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم بعد موجات اللجوء الكبيرة التي حدثت في السنوات الماضية هل الوقت حان للحديث عن أدب المنافي أو أدب مهجري جديد خاصة وأن الهجرات العربية إلى بلدان الغرب لم تتوقف لأسباب سياسية واجتماعية منذ عقود خلت؟ لقد ولدت تجربة شعراء وأدباء المهجر بعد سنوات طويلة من المعاناة والمكابدة ساهمت في إنضاج هذه التجربة روحيا وإبداعيا، حتى استطاعت أن تشكل علامة فارقة في تاريخ الشعرية والأدب العربي.

 بينما جاء شعراء المنافي إلى منافي الغرب حاملين ألقابهم معهم التي أخذوا يقدمون أنفسهم للآخر بها قبل تقديم أسمائهم، في حين أن أغلب هذه التجارب ما زالت تبحث عن الشعر بين ما تكتبه من نصوص، وتقدم نفسها من خلالها وكأن هذا التقديم هو جواز العبور إلى ثقافة الآخر ونيل الاعتراف بموهبته، حتى بات أغلب القادمين إلى هذه المنافي شعراء وشاعرات وكتابا وكاتبات. هناك استعجال كبير في تحقيق الشهرة والحضور دون اجتهاد حقيقي في التجربة وكأن الشعر ملقى على قارعة طريق الشهرة أو اللقب، على خلاف ما كان يقوم به الشاعر المهجري من بحث وتطوير وخلق جديد ما زال شاهدا على أهمية هذه التجربة وثرائها.

تعاني أغلب النصوص التي تكتب في هذه المنافي من التناسخ والتكرار والتسطيح ما يدل على ضعف الموهبة من جهة، وغياب الاجتهاد والبحث ومحدودية المعرفة بجماليات الكتابة الشعرية أو السردية وأسرار اللغة وجمالياتها من جهة أخرى. لذلك تفتقد أغلب هذه الأصوات إلى التفرد والخبرة الأدبية وغالبا ما تلجأ إلى السرد أو ما عرف بقصيدة اليومي والهامشي أو لغة التداعيات في نصوصها دون أن نلحظ أثرا لافتا للتميز والإضافة حتى بتنا أمام تجارب تستنسخ بعضها البعض بصورة عجيبة.

 أصوات كثيرة وكتابات كثيرة وزحام على الألقاب والحضور دون أن نجد ما يبرر كل هذا على المستوى الإبداعي الذي ينتزع لقبه بالجدارة النابعة من موهبة حقيقية وتجربة عميقة تستمد قيمتها من روافدها الثقافية المتعددة وتمثل هذا الخزين المعرفي جماليا.

لقد ترك شعراء المهجر أوطانهم تحت ضغط الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة بحثا عن سبل جديدة للحياة تضمن لهم العيش الكريم، بينما ترك شعراء المنافي أوطانهم هربا من الموت وظروف الحرب الكارثية، فهم أبناء قضية ومعاناة كان يمكن لها أن تسهم في إنضاج تجاربهم وتخلق حسا إنسانيا عاليا من مكابدة في اللغة ومع اللغة للمأساة السورية بكل أبعادها وتجلياتها.

 إن روح التفرد والخلق والإبداع هي جوهر الأدب وفي هذا تكمن قيمته الجمالية التي تفرض حضوره، وليس من خلال أساليب وطرق تزيد من عزلة هذه التجارب وتباعدها، في ثقافة لم نستطع حتى الآن تمثل روحها واستيعاب خصوصيتها لتحقيق التفاعل الحي والأصيل معها بصورة تحقق مزيدا من الثراء للتجربة الشعرية العربية الحديثة.

لقد أعطى الشعراء المهجريون تجربتهم كل ما يستطيعون من جهد ومتابعة وتطوير على الرغم من الظروف الصعبة التي كان يعيشها البعض منهم، ولذلك استطاعت هذه التجربة أن تشكل علامة فارقة فرضت نفسها بقوة إبداعها وبالروح الجديدة التي ضختها في الأدب العربي. لذلك من الصعب الحديث الآن عن ظاهرة شعراء المنافي لأسباب كثيرة أقلها ضعف هذه التجارب والانشغال بالظهور على حساب الانشغال بتطوير التجربة وتعميقها، والعمل على خلق حالة شعرية وأدبية عربية تلفت الأنظار إليها وتفرض نفسها على ثقافة البلدان التي تعيش فيها.

إن ارتباط الشاعر المهجري بثقافته الأم واستمرار اتصاله معها منحا هذه التجربة عمقها وساهما في إخصابها، في حين أن البعض من شعراء الظاهرة الجديدة يضع الاعتراف به في بلدان اللجوء قبل أي اعتبار آخر مهما كانت تجربته متواضعة على المستوى الجمالي. كما أن البعض منهم أيضا جاء وهو لا يملك ثراء في معجمه اللغوي والشعري ولا تتعدى علاقته باللغة والبلاغة المسلمات منها، الأمر الذي يجعل هذه التجارب تنم عن محدودية في معجمها وعن ضعف في علاقتها مع اللغة، إضافة إلى ضعف علاقتها مع الشعرية العربية بتياراتها المختلفة. ولكي لا تظل التهمة محصورة بكثير من تجارب شعراء المنافي فإن هذه الظاهرة تكاد تكون مشتركة عند العديد من شعراء قصيدة النثر في العالم العربي أيضا.

لقد جنت قصيدة النثر بمفهومها غير المتعين عند الكثيرين على الشعر، وهو ما يظهر جليا في أشكال الكتابة المكرورة والاستنساخ والمعجم اللغوي المتشابه والفقير وانعدام المغامرة في الخلق والإبداع من أجل كتابة مختلفة تعبر عن تجربة جيل مختلف في حساسيته وتجربته ورؤيته إلى الذات والعالم. لهذا من الصعب أن نعثر على نماذج شعرية ترتقي إلى مستوى المأساة التي تعيشها الذات الشعرية بالمعنى الوطني والوجودي والروحي والإنساني. إن فقر جزء لا بأس به من هذه التجربة يعيدنا إلى السؤال الذي ما زال يلاحق قصيدة النثر سواء على مستوى المصطلح والمفهوم أو على مستوى الكتابة وانزياحاتها البلاغية والشعرية.

15