الشاعر الهولندي روتخر كوبلاند عاش سعادة خطرة

الخميس 2015/04/02
ترجمت جل أعمال كوبلاند إلى العربية

بغداد- روتخر كوبلاند شاعر وكاتب من الطراز الفريد، أستاذ كرسي الدراسات النفسية في هولندا، ويعدّ من أكثر الشعراء الهولنديين قراءة، فلغته واقعية متقشفة وقريبة من القارئ. أصدر ديوانه الأول “بين الماشية” عام 1966 حيث يستخدم المفارقة في قصائده التي كثيرا ما تكون في أماكن مألوفة وأوضاع قريبة من حياة القارئ. حصل في العام 1988 على جائزة أدبية مرموقة للغته الواضحة المكثفة التي تكاد أن تكون علمية، أصدر عام 2001 “الشوق إلى السيجارة” وفي عام 2008 “عندما شاهدت” وتوالت بعد ذلك إصداراته.

ترجمت نصوصه إلى الفرنسية والألمانية والأنكليزية وها هي الآن مترجمة إلى العربية بين يدي القارئ العربي في كتاب بعنوان “سعادة خطرة”، صادر عن دار نشر ميزوبوتاميا في بغداد 2015، ترجمه الشاعر العراقي صلاح حسن.

ولد الشاعر روتخر كوبلاند في العام 1934 في مدينة خروننكن شمال هولندا وتوفي عام 2012، مخلفا إرثا علميا وأدبيا كبيرا وهو عالم نفسي لكن شهرته كشاعر غطت على شهرته كعالم نفس.

قصائد مختارة للشاعر روتخر كوبلاند
الخسة الصغيرة

أستطيع أن أحتمل كل شيء،/ منظر الحبوب المتيبسة،/ الأزهار الذاوية، العزلة/ وأستطيع أن أنظر إلى البطاطا وهي تقتلع/ من الحقل دون أن يرف لي جفن،/ في مثل هذه الأمور أكون صلبا حقا.

لكن أن أرى خسة صغيرة في أيلول،/ زرعت للتوّ، لم تنضج بعد/ في حاضنة رطبة، لا/.

إوز

ماذا كنت تعني بقولك: عميق/ هذه الكلمة تعني ما أشعر به الآن: عميق./ هناك حشد من الإوز يعبر السماء/ الثلجية الصافية في ديسمبر/ هذا ما كنت أعنيه انظر: إوز/ يا إلهي ما أعلى أصواتهم الرفيعة/ هذا لأنهن يصرخن سويا/ كحظ أعمى/ نحن نعرف العمق ونسميه السماء/ إنه شعور قديم، نوع من الرقة/ أقدم مني/ طيلة حياتي كنت أرى وأسمع هذا/ وعندما كنت طفلا حلمت أن الإوز/ يريد أن يأخذني معه/ عرفت الآن أنني يجب أن أنسى ذلك/.

مازلنا ننظر ونسمع

تحت شجرة التفاح/ وصلت البيت، الساعة كانت/ الثامنة وقلّما يكون الطقس معتدلا/ في مثل هذا الوقت من السنة،/ مقعد الحديقة جاهز/ تحت شجرة التفاح/ جلست متطلعا إلى الجار الذي/ ما زال يعزق أرض الحديقة،/ الليل انبثق من الأرض وضوء/ مُزرَقّ تدلّى من شجرة التفاح/ وببطء أصبحت أكثر جمالا/ مِن أن تكون كذلك حقّا،/ اختفى روتين النهار أمام رائحة/ التبن، هناك دُمىً ملقاة على العشب/ وبعيدا في البيت ضحك الأطفال في الحمّام/ يصل مكان جلوسي، تحت/ شجرة التفاح/ ثمّ سمعت أجنحة/ الإوز في السماء/ سمعت كيف تصبح/ هادئة وفارغة/ ولحسن الحظ جاء أحدهم وجلس/ بجانبي، وتحديدا أنت الذي/ جاء بجانبي تحت/ شجرة التفاح ، هذا الدفء/ والقرب قلّما يحدث/ في مثل عُمرينا/.

ت: ص.ح

يستخدم في كثير من الأحيان مشاكل مرضاه النفسية في نصوصه، كما يظهر ذلك في المفارقات التي تحفل بها قصائده المبكرة التي تبدو لأول وهلة بسيطة، لكن قراءة متأنية لهذه النصوص تظهر عمقها وطبيعة موضوعها المعقد في أغلب الأحيان.

يستثمر كوبلاند الطبيعة من كل جوانبها وعلاقتها بالإنسان والحيوان، ويربط ذلك دائما بالمصير البشري من خلال تناوله ثيمة الموت البيولوجي والنفسي سواء كان يتحدث عن الإنسان أو الحيوان أو النبات، لأن الطبيعة بالنسبة إليه كلّ واحدٌ لا يتجزأ، وغالبا ما يقلب الأدوار ويجعل الحوار يدور على ألسنة الحيوانات. منذ ديوانه الأول وحتى آخر ديوان صادر له بقي مخلصا للطبيعة بشموليتها، وقد يكون لعيشه في مدينة خروننكن بحقولها وغاباتها ومراعيها الجميلة أثر كبير على ذلك؛ فالمناظر الخلابة لهذه الحقول وكثرة الحيوانات المختلفة التي ترعى هناك تسحر المرء وتدعوه إلى تأملها، فهي تبدو مثل جنة فسيحة هادئة لا يعكر صفوها أحد.

يخصص كوبلاند مساحات متساوية للنبات والحيوان والإنسان في نصوصه كما في قصيدته الشهيرة “الخسة الصغيرة” التي أصبحت عنوانا لمجلة أدبية، واسما لمؤسسة تعنى بالترجمة، نظرا لصعوبة ترجمة شعره المليء بالمشاعر المتناقضة والمتذبذبة. كما يخصص المساحة نفسها للحيوان خصوصا الكلب الذي يتماهى معه إلى درجة التطابق، ويتبادل معه الأدوار بحيث يجعله يتحدث بالنيابة عنه كما في قصيدة “بورتريت مع كلب”. أما عن الإنسان فهو لا يكتفي بوصف مشاعره الداخلية، بل يخصص لكل فئة عمرية نصوصا تتحدث عن هذه المشاعر، فهناك نصوص مخصصة للأطفال وأخرى للمراهقين ولمتوسطي العمر وللشيخوخة، كما يحدث في نصوص “مغادرة البنات” ونص “تحت شجرة التفاح” ونص “بلا عنوان”.

ومع أنه طبيب نفسي فإنه لم يذكر مفردة الجنون في هذه النصوص ولو مرة واحدة، لأنه يعتبر أن الجنون هو مرض مثل أيّ مرض يصيب الإنسان، لذلك يختار مفردات رقيقة وشفافة لوصف هؤلاء المرضى، الذين يشفق عليهم، لأنهم لا حظّ لهم، إذ أنهم ولدوا بهذه العاهات كما هو الحال في نص “الأحمق قرب النافذة”.

يبقى أن نقول إن الشاعر روتخر كوبلاند هو من الشعراء المؤسسين للقصيدة الحديثة في الشعر الهولندي المعاصر، وقد أصدر أكثر من أحد عشر ديوانا شعريا وعددا من المختارات الشعرية، وتحولت نصوصه إلى أفلام وإلى لوحات نحتية وجداريات في شوارع المدن الهولندية واختير أن يكون شاعرا للأمة الهولندية عام 2005.

15