الشاعر بين ذراه الشعرية ومنحدراته

الاثنين 2016/02/15

يظل الشعراء الكبار دائما موضع جدل شديد الخصوبة، لا نهاية له. ويظل شعرهم يغري بإعادة النظر في ما كتب أو استقرّ في الوجدان من تصورات. لأن القول في صنيعهم الشعري لا ينفد في مناسبة واحدة. وإذا كنا نرى في إنجازاتهم مناسبات للحديث والتأمل فإن إنجازاتهم الأقل شأنا تصلح هي الأخرى مبررا لاستئناف الحديث عنهم أو حولهم من جديد. فهي التمثيل الأكمل للضعف الإنسانيّ، جسدا وفكرا، حين يعصف بالشاعر ويهبط بمخيلته إلى القاع، وقد كان هذا الموضوع مدار حديثي في الحلقة النقدية بنادي جدة الأدبيّ، الأربعاء 20 يناير 2016.

كان السياب، في قصائده، فاتح بوابات شعرية مهيبة: أنشودة المطر، النهر والموت، المسيح بعد الصلب، في المغرب العربي، إرم ذات العماد، جيكور والمدينة، رسالة من مقبرة، أغنية في شهر أغسطس.

وإذا تخيّلنا لمسيرة السياب مثلثا يضمّ جميع تجربته فإن قصائده الكبيرة هذه تمثل قمة مثلثه الشعريّ، أو التتويج الأرقى لذلك الفوران الإبداعيّ المحتدم. أما قاعدة المثلث فهي ملتقى بدايات السياب ونهاياته معا، أعني انهماكاته السياسية والاجتماعية والوجدانية بفعل وعيه الفكري في البدايات من جهة، وانهياره الجسدي والنفسي في النهايات من جهة ثانية.

وتمثل هذه القصائد الكبيرة ملتقى ضلعين شعريين، يصعد أحدهما من قاعدة المثلث، أي من بدايات السيّاب الأولى إلى نضجه، أي منذ انخراطه في الشأن العام، في حفار القبور وأخواتها. أما الضلع الآخر فهو الذي ينزل من ذرى السياب الشعرية إلى منحدراته، أي إلى قاعدة المثلث مرة أخرى. كلا الضلعين، إذن، يتصلان بقاعدة المثلث السيابيّ، إما منطلقا إلى اكتمال تدريجيّ وإما نزولا إلى منجزات أقلّ شأنا.

يبدو لي أنّ هناك، في بعض نصوص السياب، لحظتين عصيتين على الالتئام تماما: التخفي والمباشرة، منطق الحياة ومنطق النصّ، اليقين والارتياب، وكأن الشاعر ليس واحدا على الدوام، بل اثنين متباينين فنيا ونفسيا وانفعاليا، وكأن النصّ يقدّم، في أحد انشطاراته، تجربة الكائن الإنسانيّ كتلة من الهتاف المؤمن، أو الصراخ التلقائيّ، أعني ضجة الانفعال وتدافع المعنى. حيث يؤكد النصّ تطابقه مع لحظته الواقعية. أما الانشطار النصيّ الآخر فيُعنى عناية كبرى بمستويات البناء ومقتضيات الصقل الأخيرة، ويحتفي بلغة المواربة والتخفي التي تبدعها مخيلة شديدة الجمال والتوحش.

ويمكنني القول إن شعر السياب كان يبدأ وينتهي مع نوعين مؤثرين من ضغوط المعنى: وطأة الانتماء للحياة بمعناها العام في البدايات، ومحنة الانحدار إلى الموت والخيبة العاطفية في النهايات. في بدايات السياب كان صوت الكائن الملتزم، المتفائل بالظفر حينا، أو الناقم على القبح السياسيّ والاجتماعيّ حينا آخر، أعلى من صوت الشاعر، وكانت قصائده تتفجر بلوعة وطنية وإنسانية هائلة، رغم أنّ السياب، حرص على أن يوفر لبعض هذه النصوص شكلا ما، كالسرد في “المومس العمياء” و“حفار القبور” تحديدا. وكانت تلك النصوص، في الغالب، احتفاء بالمعنى وسعيا إلى الآخر المستبدّ، أو الآخر الضحية، لتعرية الأول أو تعضيد الثاني. أما في نهاياته، فقد كان السياب يغادر ذراه الشعرية العالية، نزولا عند سطوة المعنى مرة أخرى.

وإذا كان سبب احتفائه بالمعنى في بداياته وطأة الانتماء السياسيّ كما أشرنا، فإن محنة المرض في النهايات كانت سببا في هيمنة المعنى على نصوصه ثانية، فقد أخلى الكائن الشعريّ المعافى مكانه للكائن الاجتماعيّ، العاطفيّ، الأعزل، المبتلى، حتى تحوّلت بعض قصائده إلى نصوص تضرعية استغاثية تطفح بالألم والشكوى.

كانت حاجة السياب إلى الصراخ، في نهاياته، تعادل ربما حاجته إلى التعبير عن انحيازه الأيديولوجي في البدايات. وكلتا الحاجتين كانتا تهبطان بمخيلته الجامحة إلى الأرض وتضعانها في خدمة المعنى. ويصحّ ذلك أيضا على مرحلته الأخيرة، فالإنسان الموشك على الهلاك، لا يهتمّ بشكل الصرخة أو بطريقة الاستغاثة قدر اهتمامه بقوة الصرخة ذاتها.

شاعر من العراق مقيم في الإمارات

14