الشاعر جعفر العلوي: كيف يمكن أن تقنع وطنا بأنك تحبه

الخميس 2014/03/20
العلوي: نملك ما يكفي من النظريات التي تحاصرنا في كل شيء

جعفر العلوي صوت مختلف وسط أصوات متوازية، من خلال علاقته القوية بالحياة والنص المكتوب، وفق تطوّر اللغة العربية الحديثة بمعناها المعاصر والملازمة لتغييرات الحياة والشارع؛ “العرب” التقت بالشاعر للحديث إليه حول تجربته الإبداعية في ديوانه الجديد “للتوضيح فقط” وعن عديد المسائل الأخرى.

الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث يرى أن الشعر يوجد خارج القصيدة، وهو أمر حاولنا معرفة مدى انطباقه على نصوص الشاعر جعفر العلوي، فقال: “أعتقد أنه خارج كل حدود يمكن أن تجعل منه كائنا مدجّنا ومحاصرا على اختلاف أشكال الحصار وتنوعاته”.

ويضيف العلوي قائلا: “أجدني مأخوذا باستلاب الشعر من كل ما يحاول شاعر أبويّ ما أو ناقد أن يضعه كمعيار ليبني عليه ومن خلاله رأيا في قصيدة ما. الشعر خارج القصيدة نعم، لأنك ربما تشاهد لوحة فنية فترى فيها قصيدة ربما تلعب بروحك عبارة في فيلم سينمائي ما، أو مقطع موسيقي أو ربما مشهد عابر لطفل على جسر مشاة، يحمل كيسا فارغا مربوطا بحبال طويلة فتقف طويلا أمامه، هذا شعر ربما يكون أكثر حميمية من القصيدة، وبالطبع هو أكثر حميمية من القصيدة المتكلّفة ومن هنا يعتقد جعفر “أن الشعر يأتي، من الصورة الشعرية الملقاة خارج القصيدة منذ اللحظة المفارقة لذاكرة هشّة تصطدم يوميا بخيالات الخيبة من الطفولة، ومن الفشل في إيجاد حل متوازن ومنطقي لأخطاء الحب والعائلة والأصدقاء، من اليوميّ الذي يلقي بوجعه، ومن الماضي الذي تعززه فكرة الكتابة، الشعر المسكون بالهاجس اللحظي والآني الذي ربما يكون الماضي محرّكا له من الذات التي ترتبط بشكل غريب بكل هواجس الحياة والإنسانية والتمرّد والحب والضعف، كل ذلك محفز للشعر”.


القصيدة والآخر


عن المعيار الشعري الذي تستخدمه في تحديد شركائه القراء المزعومين، وإلى من يتوجه جعفر العلوي بشعره، عن هذه المسألة يقول العلوي: لا أكتب محدّدا أهدافي، في البداية كانت الفكرة أن أصنع مجموعة شعرية، وأنا الآن أكتب دون أن يكون لديّ هوس النشر، وبالطبع دون أن يكون هناك “القارئ الهدف”.

الشعر يأتي من اللحظة المفارقة ومن ذاكرة هشّة تصطدم يوميا بخيالات الخيبة

ويضيف قوله: “يهمّني جدا أن يقرأ لي الآخر، الآخر الذي لا أختاره بعناية الذي أكتب له دون أن أتحسس ملامح وجهه الذي لا أعرفه إطلاقا وأكتشفه بعد الكتابة وأتفاجأ به، أشعر بأنّ لدي كما هائلا من القصائد التي لم تقرأ بعد، قصائد ربما أقرأها لحبيبتي فقط أو لأمي دون أن يكون لديّ هاجس النشر ليس ثمة معيار، هناك لحظة معينة، هناك ذاكرة، هنالك خيبة ما، وهناك قصيدة فقط”.

يقول بعضهم حين يكتمل الفن يموت، توجد إشكالية عند البعض حول تعريف مفهوم ممارسة الشعر ما بين الحرفة والممارسة الفنية له، يقول العلوي موضحا رأيه في هذه المسألة: “ألا تعتقد أننا نملك ما يكفي من النظريات التي تحاصرنا في كل شيء؟ يجب أن يكون الشعر متنفسا لنا للهروب من تعقيدات الحياة ونظرياتها، لا أن نفتح من خلاله بابا آخر ثم نغلقه علينا، ثمة قارئ يستشعر القصيدة الجيدة من القصيدة الرديئة علينا أن نوكل لهذا القارئ بالتحديد مهمته الأساس وهي التقييم ماعدا ذلك علينا أن ننشغل بالكتابة وإنتاج القصيدة وبالرغم من ذلك أرى أنه لم يعد بالإمكان في هذا العصر إخفاء القصيدة المصطنعة، والتجربة -وإن كان هناك حرفيّ بارع في نسجها- ستثبت يوما بعد يوم صدقها وحقيقتها أو خواءها لندع التجربة تشعل نفسها وهجا أو رمادا”.


تقاسم الخيبة

وعن ديوانه الجديد “للتوضيح فقط” يقول العلوي: «كان الديوان حصيلة تجارب عديدة من الخيبات مع العائلة والأصدقاء والعشيقة والوطن، الناقد العراقي صلاح حسن كتب عن المجموعة الشعرية أن الشاعر فيها “بدلا من البكاء، اختار السخرية من نفسه لكي لا يشعر الآخرون بأخطائهم”. أعتقد أنه أقرب توصيف لتجربة “للتوضيح فقط”، حيث كانت محاولة لتقاسم الخيبة بشكل “عقلاني” و”منطقي” مع الجميع إلى أيّ حدّ أنا متورط في ذلك؟ بالشكل الذي يجعلني أنزعج جدا من قراءة التجربة حتى اليوم بعد ثلاث سنوات من نشرها».

علينا أن نوكل للقارئ بالتحديد مهمته الأساس وهي تقييم النصوص

ويعلق: «في تجربة “للتوضيح فقط” كان يبدو أن هناك شيئا غامضا أحمل مفاتيح توضيحه، التجربة الثانية هي خلاصة الإخفاقات في الفهم وتوضيح الأشياء، أحاول في التجربة المقبلة التي تحمل مبدئيا عنوان “أنا لا أفهم” أن أسمّي الأشياء بمسمياتها، ثمة علاقة شاسعة بين أن تكتب عن فكرة معينة وأن تفهمها ناهيك عن محاولة شرحها وتوضيحها لذلك يبدو النص في المجموعة الثانية حائر جدا ومتعثر أمام الأسئلة، تأتي التجربة الثانية لتقول بلسان الطالب الغبي والكسول “اُطردني من الفصل أيها العالم، أنا لا أفهم”».

هل ما يزال للشعر اليوم أيّ دور يلعبه في معيش الإنسان؟ بمعنى آخر، يقودنا السؤال إلى سؤال آخر وصورته: لماذا نكتب اليوم؟ يقول العلوي: «للشعر أدوار عديدة رئيسة وثانوية لم يتوقف يوما عن لعبها ولن يتوقف، لا يمكن عزل الشعر عن سينما الحياة أو مسرحها إلا إذا وضعناه في إطار معين.

هذا يحيلنا إلى المقولة التي ذكرتها أنت في أول سؤال “الشعر هو خارج القصيدة” إذا سلمنا بأنه في الخارج، فإنه هناك متحرر من كل ما يمكن أن يقيده، متحرر حتى من فكرة انتهاء دوره أو زواله لذلك نكتب، لهذا النفق الطويل الذي لم ينته حتى الآن، وفي الحقيقة إنه لا أحد يعرف ما إذا كان سيكون في نهايته ثمة ضوء، أو عتمة أخرى». وعن حدود الشكل الفني للقصيدة وعلاقته بتجربة الخط، يقول العلوي: “لا أعرف إن كان هناك جديد في القصيدة، بالنسبة إليّ تأسرني فكرة التجريب، وفي حالة القصيدة والخط أيضا فإن البداية كانت مختلفة جدا، والنتيجة النهائية التي وصلت إليها هي حصيلة مواصلة التجريب في الخط تحديدا، كانت الفكرة عائمة وغير واضحة في رأسي لذلك كانت تجاربي فيه بسيطة وعلى استحياء ولكنها لاقت صدى واسعا ممّا جعلني أحاول تقديمها بشكل مختلف وأكثر جديّة بالطبع؛ لا يمكن القول بأن هذه التجارب الآن هي المحصلة النهائية. لا يمكن الوقوف عند نقطة معينة حين تحاول أن تقدّم شيئا مختلفا لذلك مازلت أصرّ على التريث الذي يجعلك أكثر اتزانا وأكثر بعدا عمّا تريد أن تقدّمه، هذا البعد الذي يجعلك تحكم بشكل جيّد على نتاجك قبل أن تعرضه على المتلقي”.

15