الشاعر حميد سعيد: ثقافة الأسئلة في مواجهة الجمود والتعصّب

الثلاثاء 2014/01/28
حميد سعيد: الشعر يعبر عن حالات وقضايا تعجز وسائل التعبير الأخرى عن تحقيقها

طنجة - يعتبر حميّد سعيد من أشهر الشعراء العراقيين، وقد تناول سيرته وشعره عديد الكتاب منهم يوسف سعيد في كتابه الموسوم بـ”حرائق الشعر”. هذا إلى جانب عشرات الدراسات والمقالات في مجلات “الأقلام” و”الشعر 69" و”آفاق عربية”. هذا الحوار ينصبّ على تبيّن ملامح تجربته الإبداعية ونظرته إلى أهم القضايا الشعرية الراهنة وعن عديد المسائل الأخرى.

امتدت تجربة حميد سعيد على أكثر من نصف قرن، عرف خلالها عديد التقلبات والتطورات، يقول حميد سعيد: “من دون ادعاء، وآمل أن يقبل هذا القول على عواهنه، إذ بعد كل هذه التجربة الوجودية الثمينة، حياة ومعرفة، لا أظن أنني بحاجة إلى أي ادعاء، وما أردت قوله، إن تجربتي الشعرية رافقها مقوّمان، الأول هو هذا التواصل مع القراءة التي لم تنقطع منذ العاشرة من العمر حتى الآن، والثاني اقتران هذه القراءة بشيء من التفتح والوعي النقدي.وفي ظل ما أشرت إليه، ليس من اقتراب أو تماس دائمين، وليس من قطيعة دائمة أيضا، وليس كل التجارب المهمة التي تستقبل باهتمام وتفاعل متاحة للمتلقّي دائما، وفي وقتها، فقد تطلّع على تجربة ما في وقت متأخر، وبخاصة أن ليس في حياتنا الثقافية، دوريات مختصة بما ينشر من تجارب شعرية تلفت النظر إلى ما هو جديد ومهم.

كما أن مؤسسات توزيع الكتاب في الوطن العربي، لم تنجح في توزيع حيوي للكتاب المطبوع أو الدوريات، بين القراء العرب في أقطارهم ومهاجرهم، بل تراجعت عما كانت عليه في العقود السابقة. لذا يفوتني كما يفوت غيري، ما يستحق القراءة من تجارب شعرية جديدة”.

ويضيف قائلا: “لقد قرأت الشعر العربي القديم والمعاصر قراءة متأنية، وتعمّقت هذه القراءة في مرحلة الدراسة الجامعية، إذ انتسبت إلى قسم تاريخ الأدب العربي في كلية الآداب، حيث تتيح المناهج الدراسية على امتداد أربعة أعوام فرصة الاطلاع على الشعر العربي في تحولاته ومتغيراته.

ولم أكن حتى في هذه المرحلة محاصرا بحدود المنهج الدراسي، بل كنت أقترب مما أحبّ ولا أبتعد عما أجد فيه ما لا يقربني إليه.

أقرأ لبودلير وللخيام ولشوقي وللجواهري، ومثل هذه القراءات، هي التي تنفتح بتجربتي الشعرية على أفق أوسع

وفي هذه المرحلة كنت أقرب إلى ما اختاره أبو تمام من الشعر العربي في كتابه “الحماسة” وظل يرافقني حيث أكون، وإلى شعر العذريين، وسحرتني لغة جرير التي أعدها أحد مصادر لغتي الشعرية، بنى ومعجما. أما المتنبي، فهو الشاعر الذي ما فارقته يوما، وكلما قرأت له صرت أكثر قربا منه، أما أبو نواس، هذا الشاعر الاستثنائي، فقد اكتشفته متأخرا بعد قطيعة طويلة نسبيا، وهو عندي من أهم شعراء العالم المهمين في جميع العصور.

وكلما كانت حداثة الشعر حقيقية، لا بدّ أن تمدّ جذورها بعيدا في الماضي بقدر ما تنفتح على الحاضر، وبهذا الوعي تجدني أقرأ في آن واحد، مجموعة شعرية لشاعر شاب ولزوميات أبي العلاء مثلا، وقد أقرأ لبودلير أو للخيام، في ذات الوقت الذي أقرأ فيه لشوقي أو للجواهري، ومثل هذه القراءات، هي التي تنفتح بتجربتي الشعرية على أفق أوسع".


ثقافة الأسئلة


في محتوى العديد من نصوصه الشعرية، معنى ومبنى، تظل الأسئلة مفتوحة وكأنه لا يعير اعتبارا للأجوبة، هل هذا يعني أنه لا يريد لهذه القصيدة أن تنتهي، يقول حميد سعيد في هذا الشأن: “إذا كنت قد أدركت ما يذهب إليه السؤال بدقة يمكنني القول، بأنه يطرح قضيتين متداخلتين، فكرية وجمالية، فعلى صعيد الفكر، منذ بداية وعينا بالحياة، نجد أنفسنا محاصرين بالإجابات، تربويا واجتماعيا ودينيا وفكريا، حتى قبل أن تسأل يسبقك الجواب، وجميع مصادر الأجوبة، تعدّ أجوبتها قاطعة ونهائية، وإن أي تشكيك بها وأي تساؤل بشأنها، خروج على مقدس ما، ينبغي محاصرته وقمعه.

ولو تأملنا بعمق، طبيعة علاقتنا بالأجوبة التي أشرت إليها، لوجدنا أنها هي التي تحدد الأسئلة مسبقا، وكثيرة هي المصادر التي فُرضت علينا وتعايشنا معها، التي تفترض سؤالا، بل تفرضه، لتقدم الجواب الحاضر والنهائي”.

ويضيف سعيد قائلا: “من خلال تجربتي الثقافية والحياتية في آن، وجدت أن ثقافة الأسئلة هي المؤهلة لمواجهة الجمود والتعصب، والسؤال ليس هو الصياغة التي تبحث عن معلومة ما وتنتهي بعلامة الاستفهام، بل هو محاولة للتوسع في المعرفة.

وبهذا التوجّه أحاول الاعتراض على كل ما مرَّ بي من تغييب للأسئلة، في البيت والمحيطين الاجتماعي والسياسي، بل حتى في محيط التعليم بكل مراحله، لقد كنت طالبا هادئاً بعيدا عن الإثارة، وفي الصف الأول من دراستي الجامعية، سألت أستاذ علم الحديث، سؤالا بريئا، لم أقصد منه المشاكسة، فما كان من الأستاذ إلاّ أن طلب منّي مغادرة الدرس، ثم بعد أيام أجرى لنا امتحانا، فحصلت على أعلى درجة بين الطلبة الممتحنين، فكان ذلك الأستاذ وهو رجل طيّب، في حيرة من أمره بشأني! لأنه لم يفرق بين السؤال والمسِّ بمقدساته هو، لا مقدسات المعرفة”.

"الانتظار هو البحث عن لحظة اقتراب النص في الكتابة من المثال"

ويتابع قوله: “أما على الصعيد الجمالي، فإن السؤال، هو فعل تجديد في مجموع بنى القصيدة، وليس في بنيتها الفكرية فحسب، ونحن نعرف إن الشعر العربي ظلَّ يشتغل حتى في نماذجه العالية، على المعنى، حتى كأن الشعر هو المعنى، وما زال الشعراء، وبخاصة أولئك الذين أدمنوا منابر المناسبات والمهرجانات، يبحثون عن معنى يداهنون به المتلقّي، ويكرسّون هذا المعنى في نهاية المورد حيث يتوقفون بانتظار التصفيق وصيحات المطالبة بالإعادة. ولهذا السبب، نجد أن بعض الشعراء، قد اتسم شعرهم بالتكرار والبعد عن التحولات، فإن كان ثمة متغيّر ما، فهو لا يتجاوز أن يكون في موضوع القصيدة.

وإذا كان السؤال، يشير في ما ورد فيه، إن كنت لا أريد للقصيدة أن تنتهي؟

بمعنى أن لا تنتهي عند حدود معينة ومواصفات معينة، فأقول: "نعم، ما زلت حتى الآن، أحاول أن لا أكرر قصيدة ولا أقف عند مواصفات مرحلة، من المراحل التي عرفتها تجربتي الشعرية. وما زلت أجدد في جملة بنى قصيدتي، وفي ما أتناول فيها من قضايا".


ورقة بحجم الكف


ترتبط كتابات حميد سعيد الشعرية، بالتأمل والانتظار، فما الذي يتأمله سعيد في هذه القصيدة، وما الذي ينتظره منها، يقول في هذا الصدد: “كلنا يعرف كم هي كثيرة أحاديث الشعراء عن طقوس الكتابة، وبعضهم يمنحها مواصفات متخيلة، حتى لو كان يمارسها فعلا، أي أنه يتخيلها حين يكتب قصيدته أكثر مما يمارسها. لكن طقوس الكتابة، مهما كانت هذه الطقوس، ليست سوى عادات الشاعر وهو يكتب قصيدته، ولذلك حين أُسأَلُ عن طقوس الكتابة عندي، يكون الجواب: لا طقوس عندي في الكتابة، ثم أحاول الحديث عن عاداتي في الكتابة، وكأنني أريد أن أقول: إن الشعراء الذين يتحدثون عن طقوس الكتابة الشعرية عندهم، كان الأجدر بهم أن يتحدثوا عن عاداتهم في الكتابة الشعرية، وسأتحدث باختصار عن عاداتي في الكتابة الشعرية، ذلك لأنني تحدثت من قبل عنها كثيرا، ولأن السؤال يقودني إلى هذا الحديث”. ويتابع قائلا: “كل ما أحتاجه، أوراق صغيرة بحجم الكف، تزيد أو تنقص قليلا -وحبذا لو كانت الورقة أنيقة- وقلم سهل الانزلاق على سطح الورقة، وحبذا لو كان أكثر من قلم وبأكثر من لون، فأكتب في أي وقت وفي أي مكان.

لكن هذه الكتابة، مرحلة متأخرة في كينونة القصيدة إذ تبدأ قبل الكتابة بالتشكّل في المدى الوهمي الممتدّ بين الذهن والمخيلة، وفي مرحلة التشكّل التي تطول حينا وتقصر حينا آخر، أكاد أراها في كل حين وأنتظرها حيث أكون، أدرك لحظة الوحدة بين الإيقاع الداخلي والإيقاع الخارجي، التي تمهد لأن يكون النص في الكتابة متماثلا مع النص الذي تشكّل في ما وصفته بالمدى الوهمي الممتد بين الذهن والمخيلة.

حميد سعيد
من مواليد الحلة عام 1941، انتخب رئيسا لاتحاد الأدباء في العراق، وأمينا عاما لاتحاد الكتاب العرب.

له عديد الدواوين الشعرية منها “شواطئ لم تعرف الدفء” و”لغة الأبراج الطينية” و”قراءة ثامنة” و”الأغاني الغجرية” و”حرائق الحضور” و”مملكة عبدالله ” و”باتجاه أفق أوسع" و”فوضى في غير عنوانها”.

أي إن التأمل هو فعل إنضاج المثال، والانتظار هو البحث عن لحظة اقتراب النص في الكتابة من المثال، حيث أمسك بالقلم وابدأ الكتابة”.


انفتاح على الحياة


“الشعر فتح لي بابا على جوهره”، هذه المقولة للشاعر حميد سعيد، عن القصد منها يقول: “هل هي مقولة غامضة إلى هذا الحد؟ فتحتاج إلى شرح القصد منها! إن كل ما تحدثت عنه في إجاباتي السابقة عن الشعر يؤكد معنى هذه المقولة التي صدرت عني ليس في مجال التنظير وإنما للكشف عن علاقتي بالشعر وإحساسي به، فالشعر ليس المعنى، بل هو الحالة التي يُعبَّرُ عنها أولاً، والتي تصل إلى المتلقي فيعيشها.

إن الشعر منذ طفولته ومع بداياته الأولى، في غناء إنسان الغابة ومن ثمّ في الأساطير التي رافقت حضارات المدن الأولى، ومع أناشيد المعابد وترانيم الملاحين وأهازيج العمال، كان له فضاؤه الذي يتجاوز فضاء اللغة الأدائية، وفي جميع المتغيرات التي رافقت تاريخ الشعر في العالم، ظلَّ هذا الاختلاف بين فضاء الشعر وفضاء اللغة الأدائية، وهذا ما يتكرر في الرسم أيضا، حتى في الرسم الواقعي فإن فضاء اللوحة في الرؤية أوسع من مربعها، لذا كانت متغيرات الرسم دائما، باتجاه التحرر من ثوابت الواقع، حتى وصل إلى التجريد الذي يكاد أن يكون هو الرسم، وكذلك الموسيقى، ورغم إيقاعاتها الدقيقة وتناظر البنى اللحنية فيها، فإن تلقيها لا يتجاوز أفق التجريد. وليس من إبداع حقيقي، ومنه الإبداع الشعري إلاّ وكان في انفتاحه على الحياة يتجاوز التشخيص إلى التجريد، وهذا هو جوهر الإبداع".


العاشق المتصوف


هناك من يذهب إلى إن الشعر أفقٌ لاستيعاب تناقضات الكون، عن هذا الرأي يقول حميد سعيد: “ربما.. لكنني غير مؤهل، لأن أجيب على سؤالك هذا بالإيجاب، ذلك أن الإجابة ينبغي أن تعتمد على معرفة بتناقضات الكــون، وهــذا أمــرٌ جــدُّ عسير، بــالنسبـة إلـيّ. لا أدري لماذا، تبادر إلى ذهني منذ اللحظة التي حاولت أن أقترب فيها من السؤال، ما قاله “نوفاليس": إن شطرا شعريا واحدا، هو محصلة كثير من حالات ومواقف، ونتاج زيارات مدن ومدن.. فهل في مقولة ” نوفاليس"هذه، ما يعدُّ إجابةً على ما ورد في السؤال، ومهما كانت الإجابة على السؤال، فإن الشعر يعبر عن حالات وقضايا، تعجز وسائل التعبير الأخرى عن تحقيقها. لذا نجد أن كل أجناس الكتابة، فكرية وإبداعية، تقترب من الشعر وتُدخِله في الأمداء التي تتحرك وتحقق فعلها فيها”.

أكثر من خمسة عقود، والشاعر حميد سعيد يخطّ القصيدة تلو الأخرى، ويرتقي في سلم الكتابة، التي ما فتئت تنضج من سنة إلى أخرى، قراءة وكتابة، خلاصة روحية مستمدة من صيرورة الانتماء للقصيدة، وتاريخ الانتساب إليها.

15