الشاعر رفعت سلام: الصفحة البيضاء نهائية والشعر لا نهائي

الشاعر المصري يؤكد أن حلم الشاعر عصي على التحقيق وعصي على الوأد أيضاً، والإيروتيكي هو البُعد الغائب في مجمل الشعرية العربية.
الأحد 2019/06/30
صوت الشاعر هو الصوت الصارخ في البرية وفي خرائب العالم

إحباطاتٌ خاصة وعامة يقف أمامها الشاعر عاجزًا سوى عن الصراخ علّ صوته يصل إلى أحدهم، يظل يعدو ويصرخ مُجابهًا أوهامه ومُسائلًا أمانيه الموؤودة عن خيبات متتالية شيّدت صروحها المُرتفعة على رُفات حلم بعالم أكثر إنسانية وعدالة، بوطن قادر على أن يُنفض عن ذاته تاريخ القهر والظلم ليلتمع في فضائه حُلم الحريّة الذي يبدو مُستحيلًا في كنف ذاكرة من الظلامية والتنكيل بدُعاة الكرامة والحريّة. وإزاء كل ذلك يستمسك الشاعر بقصيدته، يُسائلها عن الأحلام المُنكسرة على أرض الواقع الصلفة، عن ضعفه وضعفها إزاء مآلات واقع مُخزٍ، عن ماضيها وحاضرها ومُستقبلها في ظل إحباطات مُتتالية ومُتكررة، يستنهض قديمها من رقادها ليجعلها شريكة في حاضره القاسي، ويستنطق الراهن منها عن المُستقبل، عن بارقة أمل ما زال يحلم أن تتولّد وتبقى.

تبدو قصيدة رفعت سلاّم مُتخمة بالعديد من الانكسارات والإحباطات، تلك الانكسارات التي رافقت جيلًا شكّلت وعيه باكرًا الهزيمة الحزيرانية المُنكرة، ووجد ذاته المُتهشمة إزاء واقع لا يستطيع أن يصير جزءًا منه، اغترابٌ عن وطن بات لا يشبه أبناءه، كان راسمًا لملامح الخيبة التي ضجت بها القصيدة، خيبةٌ تصاعدت وتيرتها عقدًا بعد الآخر، وكانت الثورة المصرية قبل ثماني سنوات بارقة أمل سُرعان ما انطفأت جذوتها ليلتحم الشاعر من جديد مع خيط انكساراته وآماله المُحطّمة.

في هذا الحوار مع “الجديد” يتحدث الشاعر المصري المُنتمي لجيل سبعينات القرن العشرين في الشعرية المصرية عن مشواره ومشروعه الشعري بدءًا من ديوانه الأول “وردة الفوضى الجميلة” (1987)، وصولًا إلى ديوانه الأخير “أرعى الشياه على المياه” (2018)، مُتطرقين للحديث عن الشعر  وآفاق التجديد في القصيدة الحداثيّة.

الجديد: في عملك الشعري الأخير “أرعى الشياه على المياه” سعيٌ لتثبيت أركان شكل شعري مغاير، تتداخل الصور والرسومات مع النص المكتوب في قسمين مُخالفةً للشكل السائد، يُمكن القول إن الشكل جاء ثوريًا، وهو في ذلك يتعاضد مع المضمون ويحمل رسالته على نحوٍ ما، مع القصيدة التي تبحث عن خلاص وتغيير ثوري، لا يقنع بجماليات زائفة أو مظاهر تطور قد تبدو أصيلة لكنها في حقيقتها خادعة.. كيف فكرت في هذا الأمر؟ وإلى أيّ مدى خططت لذلك التعاضد الذي يحضر في أعمال أخرى أيضًا؟

رفعت سلاّم: هناك تجربة سابقة لي تحمل عنوان “حجَر يطفو على الماء”، هي التي افتتحت لي هذا الأفق (2006-2008). فأثناء الكتابة الشعرية، أحيانًا ما تخطر لي بعض الأفكار الوامضة، انطلاقًا من الهموم والانشغالات الإبداعية التي تسيطر عليّ. وكان السؤال الملحّ عليَّ: كيف يمكن توسيع أفق الكتابة ليتسع لما لم يخطر على قلب بشر؟ وماذا بعد “تعدد الأصوات” وتزامنها وتتاليها وتشابكها مع بعضها البعض.

كلما مضيت في كتابة النص، ترسّخت الفكرة في رأسي؛ فليتسع أفق النص بأكثر مما هو عليه؛ ولأمتلك الجرأة على إضافة «البصري»

فأثناء كتابة مسودة “حجر يطفو..” قمت برسم شكلٍ ما على قصاصة ورق جانبية.. وخطر ببالي السؤال: هل يمكن لي أن أدس الرسم وسط الكتابة، على نحوٍ ما؟ لمَ.. لا؟ فلأجرب. ولماذا لا تواتينا -نحن الشعراء- جرأة الرسم واللعب بالخطوط شأن الكلمات؟

وكلما مضيت في كتابة النص، ترسّخت الفكرة في رأسي؛ فليتسع أفق النص بأكثر مما هو عليه؛ ولأمتلك الجرأة على إضافة “البصري”/التشكيلي إلى اللغوي في كل صفحة، لا كزينة أو حلية زائدة يمكن حذفها، بل كعنصر عضوي في بنية العمل، مثلما أضفت من قبل “الهوامش” في جميع صفحات “إشراقات رفعت سلاّم”.

وبعد صدور “حجَر يطفو..” (2008)، وتأملي للتجربة، رضيت عنها بداخلي. لكني لم أتحمس لتكرارها في العمل التالي مباشرةً، “هكذا تكلم الكركدن” (2012)، ربما بحكم نفوري الغريزي من “التكرار” في ذاته. وصدر “هكذا تكلم الكركدن” في بنية مغايرة متعددة داخليًّا، لكن بلا رسوم. وكان عليَّ أن أنتظر إلى نهايات عام 2017 وبدايات العام الماضي (2018) لأكتب “أرعى الشياه على المياه”، بلا حرج من تأكيد وتطوير تجربة “حجَر يطفو..” التشكيلية.

هو -في ظني- الانطلاق من مبدأ “التعددية” في العمل الإبداعي؛ تعددية الأصوات/”الأنوات” واللغات والإيقاعات، الذي كان لابد أن يستوعب -في تعدديته- اندماج البصري واللغوي في بنية واحدة شاملة، جامعة. ولم يكن ذلك ممكنًا بالرضوخ إلى “النمطية” السائدة، المستهلكة؛ بل بالبحث عن آفق آخر وأرض أخرى.

فالشعر لا نهائي، لكن الصفحة نهائية. فكيف يمكن “حشر” اللانهائي في النهائي؟ اللامحدود في المحدود؟ ذلك ما فرض مثلاً احتلال النصوص والرسوم لما نسميه “هوامش” الصفحة المحيطة بالنصوص كفراغ وهمي. ففي الحقيقة، لا فراغ في العالم. ولا بد دائمًا من توسيع الآفاق والمساحات والطبوغرافيات لنقبض على أقصى ما يمكننا من “اللانهائي” في “النهائي”. فالصفحات هي سجن الشعر. فكيف نمتلك الحرية في هذا السجن؟ تلك هي المشكلة.

جماليات فوضوية القصيدة بالانطلاق من جذور الغرابة
جماليات فوضوية القصيدة بالانطلاق من جذور الغرابة

الجديد: “كانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغَمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله ‘ليكن نور’، فكان نور. ورأى الله أن النور حسن. وفصل الله بين النور والظلمة. ودعا الله النور نهارًا، والظلمة دعاها ليلا. وكان مساء وكان صباح يوما واحدا. ودعا الله هذا اليوم 25 يناير 2011”.. تلك القُدسيّة التي أضفيتها على الثورة المصرية من خلال هذا التناص مع العهد القديم تُنتهك مرارًا في الديوان، هنا جُرح انتهاك قُدسيّة صنعها المصريون على أعينهم.. هل هذا الديوان جُرح نازف ومرثية مولود قُتِل في مهده؟

رفعت سلاّم: نعم، هناك قدسيةٌ ما، وهناك انتهاكها الدموي. والمُقدس هو ما يصنعه الإنسان في صعوده إلى الحلم؛ حلم شعب وتاريخ طويل من القهر والقمع والإذلال، ربما يبدأ من العصور الفرعونية، إلى الآن. وفي 25 يناير، أمسك الشعب المصري بحلمه التاريخي العصيّ، وواجه التاريخ وقوى الظلمات المختلفة بصدر عارٍ، بلا سلاح سوى الإرادة المجردة في مواجهة ترسانة مدججة بأعتى الأسلحة، لكن قوى الظلمات كانت – للأسف- أكثر حنكة وظلامية وشراسة من براءة الجموع، وتضحياتهم الدامية المتواصلة حتى الآن.

إنه الحلم المغدور الذي لن يبرح ذاكرة المصريين ووعيهم أبدًا. لكنه الحلم الذي عرَّى -في نفس الوقت- العالم وكسر البراءة والأقنعة/الأوهام الزائفة. فلا خديعة بعد الآن، ولا غفران. فهل انطفأ الحلم؟ لا أظن. هل تم وأده في المهد؟ لا أظن. فهو حلم عصي على التحقق، وعلى الوأد، في نفس الوقت. ولا ينطفئ في القلب الحلم.

أصوات الإنسان

الجديد: “فماذا سترعى الآن، أيها اللئيم؟ سأرعى الملل العظيم”، “إلى من أتكلم اليوم، في الأرض الخراب”، “أيتها الأحلام المغدورة. أيتها الأوهام المقبورة. من فينا يطارد الآخر؟”.. صرخات تتكرر عبر نصك الشعري. هل هذا هو يأس الشاعر وشعوره بأن كلمته لا يُسمع لها صدى؟ ما حدود تأثير الشاعر في أزمنة الخراب تلك؟

رفعت سلاّم: إنها أصوات الألم والعذاب الإنساني، عبر التواريخ والأساطير الغابرة والراهنة، لا صوتي الشخصي. أصواتٌ قادمة من ظلمات العصور الفرعونية، عابرةً إلى ظلمات الراهن، بكل وحشيته وفظاظته. هكذا صرخ مفكر ذات يوم “فرعوني”: “إلى مَن أتكلم اليوم؟”.. لتعبر صرخته الأزمان والعصور إلى الراهن الخراب.

و”اليأس″ -على النقيض مما يبدو ويشيع- شعور إنساني بليغ، يعكس انكسار الحلم، وخيبة المسعَى، وخواء العالم. هو “هشيم العالم” في الروح، وغسقه في القلب، والوعي الأليم الجارح باندحار الغناء والأمل في تغيير العالم. وهو ليس “سُبة”؛ لكنه ربما يكون -أحيانًا- راحة، ولو مؤقتة، من تلك الأحلام الموجعة، العصية، ذات الأثمان الباهظة. فهو -في هذه الحالة- مأوًى من عواصف العالم وأحجار سجيل التي تتهاطل فوق الرأس المهمومة.

فأنا -أقصد “الأنا” الشعرية في النص- وريثة الفلاح المصري الفصيح، الصارخ في البرية على حقه المستباح، والشاعر الفرعوني المتسائل “لمن أتكلم اليوم”، إلى حكماء العهد القديم وميراث العهد الجديد، إلى القرآن والمتصوّفة وشعراء المعلقات إلى المعري والمتنبي؛ وريثة الثورات المجهضة للشعب المصري على مر التاريخ، وجثمان طوبان باي المتأرجح مشنوقًا على باب زويلة لثلاثة أيام، إلى ضحايا الغزوات الأجنبية والمجازر المتوالية، إلى العجز الجارح عن مقاومة البطش القاهر الدموي.. أما صوت الشاعر فلا يصل إلا إلى طليعةٍ ما، تملك الوعي والمقدرة على التأويل؛ هو الصوت الصارخ في البرية، العاوي في خرائب العالم. وفي صراخه وعوائه، تومض آفاق غريبة مجهولة لم تخطر بالبال. فمَن الذي يلتقط الإشارة والبشارة؟ مَن..؟

أزمنة الشاعر

الجديد: تتنقل القصيدة بين فضاءات متعددة وقد تبدو متنافرة، من الحضارات القديمة إلى الواقع الراهن، من التراث الشعري القديم إلى شعراء الحداثة.. ما الذي أردت تحقيقه من خلال هذا الجمع بين أزمنة الماضي والحاضر، الشرق والغرب، في هذا الديوان؟

رفعت سلاّم: هي عندي وحدة الزمن الإنساني، وحدة التواريخ والأساطير المفعمة بالعناء الإنساني، بالأحلام الموؤودة، والطموحات المكسورة، والرغبات المجهضة. ورغم ذلك، فليس بمقدور الإنسان أن يكف عن الحلم والطموح والرغبة.

فالزمن ليس خطا أفقيًّا، قادمًا من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل. والتاريخ ليس سُلمًا صاعدًا إلى ما هو قادم، انطلاقًا من الحاضر. فالماضي يسكن الحاضر، ولا يمكن حذفه بجرة قلم، أو بالإرادة الفردية (ليت الأمر كان بهذه البساطة!). فنحن نعيش خليطًا عجيبًا -بلا انفصال- من الأزمنة والتواريخ، فرعونية وجاهلية وإسلامية ظلامية وعثمانية.. إلخ؛ خليطًا مندمجًا، بصورة عجيبة، يسير على قدمين في شوارعنا وحوارينا، ويجلس في مقاهينا يحتسي الشاي والقهوة ويدخن النارجيلة.. فنحن -في مسيرة ثقافتنا في التاريخ- لا نتخطى، لا نعبر، لا نتجاوز.. نحن ندور في حلقة لا تنتهي من الأزمان (الأفكار “التنويرية” المطروحة على المجتمعات العربية هي نفسها التي كانت مطروحة علينا أوائل القرن العشرين. ومنع كتاب “في الشعر الجاهلي” لطه حسين في عشرينات القرن الماضي أصبح يقابله منع عشرات الكتب كل  عام، وسجن الكُتاب باتهامات ملفقة متفاوتة).

حرية بلا خطوط حمراء أو أسلاك شائكة
حرية بلا خطوط حمراء أو أسلاك شائكة

والحلم بالتحقق الإنساني لا يقتصر على ثقافتنا الموؤودة، بل هو قادم من شتى بقاع الأرض؛ فهو أغلى حلم إنساني، بلا ارتهان بالجغرافيات والثقافات واللغات. هكذا تبدو اللحظة الراهنة -في العمل الشعري- اختصارًا لأزمنة وتواريخ وجغرافيات إنسانية جارحة وموجعة، بلا فواصل ولا حدود.

الكتابة الرائية

الجديد: تلجأ في هذا العمل إلى الهوامش المّذيّلة للاستفاضة في تفاصيل بعض الجُمل الشعريّة.. كيف راودتك تلك الفكرة؟ وما الجماليات والضرورات التي تظنّ أنها كانت لازمة لتحقيقها؟

رفعت سلاّم: ليست هي المرة الأولى التي أستخدم فيها الهوامش للنصوص؛ فهي أحد أعمدة “إشراقات رفعت سلاّم” (1992)، وتحتل -في كل صفحة منها- ثُلث مساحة الصفحة. وقتها -وإلى الآن- رأيت أن لا متن -في الوجود، وفي الثقافة- بلا هامش. وأحيانًا ما يكون للهامش ثقل المتن أو مركزيته. فهو ليس بالضرورة “هامشيًّا”. وهو متعدد الأدوار بلا نمطية؛ فقد يكون تفسيرًا، أو إيضاحًا، أو نقدًا، أو معارضةً، أو حتى سخرية مما ورد بالمتن. وهو -في جميع الحالات- صوت مغاير، يترصد صوت المتن بالمشاكسة أو الشراسة أو التعميق أو اكتشاف البُعد الغائب.

وفي عمل قائم على تعدّد الأصوات، وتمايزها، وتضاربها، وتشابكها، تمثل الهوامش -في “أرعى الشياه..” صوتًا خارجيًّا، يراقب ويتأمل الأصوات الأخرى المتفاعلة بحرقة وحُمَّى في مأساة الوجود الإنساني: يُعلِّق ويسخر ويؤكد وينفي ويوضح ويعارض ويفسر.. إلخ.. بلا اندماج ربما في تلك المأساة الجارية.

فثمة استقلاليةٌ نسبية لهذا الصوت عن “المعمعة” الجارية، بما يسمح بنوع من “كسر الإيهام” و”التغريب”، من خلال المباشرة أو السخرية أو المعارضة.. للمحافظة على درجة من يقظة الوعي. كأنه الصوت الذي ينكز القارئ وينبهه إلى عدم الاندماج الكلي، وعدم الانسياق العاطفي تمامًا، والاستسلام لطوفان الصور المتوالية..

الوجه والصوت

الجديد: “أيها الفلاح الفصيح، هوميروس، المتنبي، امرؤ القيس، بيكاسو، سيد درويش، بيتهوفن، الشنفري، رامبو، محمود سعيد، بوشكين، محمود مختار، مايكوفسكي… إلخ إلخ؛ اهبطوا عن كاهلي قليلاً، لأعيد ترتيب ظلي، وبصيرتي، بلا ضغينة، فقلبي متخم بالأوقات، وأقدامي مُكبّلة بالخطى الضائعة”.. هل هي تُخمة الامتلاء بأصواتهم، ورغبةٌ في التخلص من تعدد الأصوات الشعريَّة المميزة لقصيّدتك؟

رفعت سلاّم: هي وطأة الزمن بأصواته الصارخة، الصاخبة، القادمة من كل الجغرافيات والتواريخ لتحتل الذاكرة والوعي والروح والجسد.

هل انطفأ الحلم؟ لا أظن. هل تم وأده في المهد؟ لا أظن. فهو حلم عصي على التحقق، وعلى الوأد، في نفس الوقت. ولا ينطفئ في القلب الحلم

وطأة أتمنّى لو كان بمقدوري أن أتخفف منها قليلاً، لأمشي خفيفًا في زمني بلا أعباء باهظة، بما يفوق طاقتي المحدودة.

كما أن الذاكرة لا تعرف فضيلة النوم أو النسيان. فما أكثر الوجوه والأصوات التي تتخم الذاكرة والوعي والبصيرة؛ ما أفدحها! ولا يأتي الوجه بلا صوت، ولا الصوت بلا وجه. هو فيضان لا ينتهي من الوجوه والأصوات والكلمات والأحاديث والنصوص والسياقات، مختلطة متداخلة متشاجرة متضاربة، بلا انتهاء.. بلا انتهاء، في الصحو والمنام.

وما أكثر ما تمنيت إمكانية أن أُفرغ نفسي/ذاكرتي من كل شيء، وأمتلك ذاكرة صفرية، بيضاء من غير سوء. لكن المشكلة أنني لا أعرف ما إذا كانت الحياة ممكنة بهذه الذاكرة الصفرية.. لأمشي في الدروب كطبل أجوف من صفيح..لا أدري.

المرأة الكليّة

الجديد: المرأة لها حضورٌ باذخٌ في أعمالك الشعرية بشكل عام، لكن في هذا الديوان الأخير لها حضور أكثر اتساعًا؛ فهي امرأة بلا أفول، امرأة من غمام، امرأة من عسل ولبن، المرأة الجهول، المرأة الحريق، المرأة العاوية، امرأة الهباء. ثم يبدو البُعد الإيروتيكي هنا مُتماسًا مع معنى التلاشي في المرأة كأيقونة، وما يحمله ذلك التلاشي من شعور بفداحة استلابها بعد ذلك.. هل تتفق مع ذلك؟

رفعت سلاّم: ربما تكون هي المرأة “الكليّة” التي تختصر الوجوه والحالات المتعددة للمرأة.. امرأة متعددة الأبعاد والوجوه والمرايا، كأنها -كما كتبتُ في عمل سابق- “قبيلة من النساء في امرأة”. وهي ليست “امرأة” الشعراء الرومنطقيين المثالية، المشكَّلة من تهويمات لغوية وبلاغة غابرة، وصفات ملائكية ما أنزل الله بها من سلطان؛ لكنها امرأة من لحم ودم، تختصر نساء العالمين. وحتى إن اتشحت برمزيةٍ ما أحيانًا، فإن هذه الرمزية لا تلغي حضورها الإنساني الجوهري، بل تضيف إليه.

ولأنها ليست امرأة من تهويمات رومنطيقية، فلا بد أن ينطوي حضورها على البُعد الإيروتيكي بالضرورة؛ فهل هناك حب بلا إيروتيكا؟ هل هناك امرأة بلا إيروتيكا؟ فالإيروتيكي هو البُعد الغائب في مجمل الشعرية العربية.

، وحضوره لا يمثل إلا شذرات متفرقة متباعدة عبر العصور الشعرية، وصولاً إلى الشعرية العربية الراهنة. وربما احتاج “الإيروتيكي” في “أرعى الشياه..” ما هو أكثر  من نظرة عابرة؛ لأني أحس به أيضًا متعددًا وليس واحدًا منفرد الدلالة.

الصوت الصارخ

جرأة الرسم واللعب بالخطوط شأن الكلمات
جرأة الرسم واللعب بالخطوط شأن الكلمات

الجديد: في حوار سابق لنا قلت لي “لقد صحوت على صوت واحد منفرد يصرخ في برية الشعر ‘ألا هُبِّي بصحنِك فاصبحِينَا’، وأحيانًا ‘قِفَا نَبكِ..’، وأحيانًا ‘أنا الذي نظَر الأعمَى إلى أدبي’.. وحين امتلكتُ بصري، سمعتُ نفس الصوت يهتف بنبرة معاصرة، حديثة، مشابهة ومغايرة في آن”.. هل يمكن القول إن تلك الأصوات هي التي قادتك نحو عالم الشِعر المسحور؟ أم ثمة تجربة ذاتية وألم خاص قد أسمعك تلك الأصوات برهافة الشاعر ليضمك إلى قبيلة الشعراء؟ وأيّ التجارب الذاتية حرّكت جُرحك الشعري بضراوة؟

رفعت سلاّم: لا أدري -حتى الآن- ما الذي أفضى بي إلى الشعر. فلم يكن هو مسعاي الأول في مرحلتي الإعدادية، حين بدأت “الشخبطة” خارج الكراسات المدرسية. كانت “الشخبطة” تستهدف الرسم. ولم يفلح شراء أقلام الفحم في فتح الطريق أمامي. بعدها، كانت “الشخبطة” تستهدف كتابة القصص. لكن المحاولات لم تكن مرضية لي. وفي الدورة الثالثة، كان الشعر، الذي فتح لي بابه العصي بعد معاناة أولى مع الكتابة “العمودية”.. الشعر ذو “الأنا” المهيمنة، الساحقة، التي تختصر أصوات العالم المتضاربة في صوتها “المنفرد”.

لقد سعيت بنفسي إلى الشعر، بلا انتظار لإلهام أو وحي، على عادة الرومنطيقيين. وحين التقينا، لم أكفّ عن مساءلته (مساءلة الشعر الماضي والراهن) مساءلةً جارحة، مستنكرة، بلا قبول أعمى، في علاقة غريبة ندًّا لند، بحثًا عن ترميم الأفق الشعري، أو اكتشاف أفق آخر مغاير لما سكنه الراحلون والمعاصرون. ربما هي الوحدة أو العزلة التي تسكنني منذ الصغر هي ما ساعدتني على التأمل والمساءلة (فلستُ كائنًا اجتماعيًّا)، بلا هوادة. وربما هو انكسار الأحلام واحدًا وراء الآخر. ربما.. وربما.

النص المضاد

الجديد: إن كانت ثمة ذات شعرية مغدورة وعاجزة، فهناك في المقابل سعيٌ مستمر لامتلاك قدرات خارقة متجاوزة للواقع. في العمل الأخير تحضر الإشارة إلى الأنبياء للاقتباس من قوتهم، أو ربما قوة رسالتهم، وفي “حجر يطفو على الماء”، تقول “أخرق الأرض وأبلغ الجبال أقول للموج كن فيكون”.. أيّ حُلم بعيد المنال يرجو الشاعر الإمساك بناصيته؟

رفعت سلاّم: نعم، هو حلم عصيّ المنال. لكن تلك الاقتباسات التراثية تنطوي على مساءلة، من نوعٍ ما، لهذه الثوابت العابرة للقرون بلا مساءلة؛ من خلال حضورها في سياق غير مقدس، بلا كهنوت، أو يقين. حضور آني – في النص- يسلب الحضور التراثي إطلاقيته وتعاليه على النسبي، فيحيله إلى نسبي قابل للمعارضة واستقبال علامات الاستفهام والتعجب.

فالمنطلق مضاد ونفي للقمعية التي تمارسها النصوص على العقل والخيال، في اتجاه النقيض، نحو حرية بلا خطوط حمراء أو أسلاك شائكة، من أيّ نوع. حرية هي ما ستكشف عن طبقات من الوعي مجهولة وغائرة تحت تراب الزمان والمكان، ابتداءً من حرية الخيال. فهذه الحرية هي ما تحوّل الممكن بالقوة إلى ممكن بالفعل، في المتناول، بلا خرافات وأساطير غابرة تمحق كينونة الإنسان وطاقاته المنسية أو المهدَرة.

التبسيط المخلّ

الجديد: دعني أناقش معك ما كتبه في وقت مبكر محمود أمين العالم، في تعرضه لديوانك “هكذا قلت للهاوية”، عن اعتماد الخبرة الشعرية لكثير من شعراء الحداثة على القراءات المعرفية أكثر من الخبرات الإنسانية الحيّة، وتأثير ذلك على غياب الفاعلية الجمالية الدالة في الشعر المعاصر.. كيف رأيت هذا الطرح في التعرض لتجاربك الشعرية الأولى وللتجربة الشعرية الحداثية بشكل عام؟

رفعت سلاّم: لي -بالطبع- أن أختلف معه في رؤيته المنتمية، في جوهرها، إلى “الواقعية الاشتراكية”، التي تفصل بين “القراءات المعرفية” و”الخبرات الحية”، في نوع من المفاضلة الغريبة. ذلك امتداد للفصل القديم الغابر بين “الشكل” و”المضمون” في العمل الإبداعي الذي عانينا منه في ثقافتنا المصرية والعربية خلال فترة الخمسينات والستينات من القرن العشرين.

هل هناك حب بلا إيروتيكا؟ هل هناك امرأة بلا إيروتيكا؟ فالإيروتيكي هو البُعد الغائب في مجمل الشعرية العربية، وحضوره لا يمثل إلا شذرات متفرقة

وظني أن النقد الأدبي قد تخطى بكثير هذه الأفكار التبسيطية، التي لم يُقدَّر لها الاستمرار بفعل تبسيطيتها، ومدرسيتها  الأيديولوجية. وقد كتبت أكثر من مرة في نقد هذا النهج لدى أنصار “الواقعية الاشتراكية”، وعرفت من “العالم” أنه اطلع على بعض هذه الكتابات، ويعرف موقفي الواضح. ورغم هذا، فحين اقترح عليَّ “مسرح الهناجر” بدار الأوبرا، في تسعينات القرن الماضي، مناقشة عملي الشعري الجديد آنذاك “هكذا قلت للهاوية”، وطلبوا مني اقتراح أسماء النقاد، كان من بين من اقترحت عليهم اسم “العالم” إضافة إلى الدكتور محمد عبدالمطلب والدكتور صلاح فضل- لأسمع وجهة نظر جادة أعرف مسبقًا تعارضي معها، لكنها وجهة نظر لناقد هام ومرموق. والدراسة التي قدّم فيها وجهة نظره هذه هي ما قدمه في الندوة.

المغامرة الأولى

الجديد: بدا ديوانك الأول “وردة الفوضى الجميلة” (1987) كأنه تأسيس لقواعدك الذاتية في كتابة الشعر، جماليات فوضوية القصيدة بالانطلاق من جذور الغرابة. “غرسناك في تُربة الغرابة، سلّمناك أبواب الفصول الأربعة، ووهبناك سر الكلمة الرمح، ومفتاح الكتابة، ونذرناك لشمس الفاجعة، كي تُعِيد الرُعب للوطن الأليف”.. يبدو ذلك كأنه دستورك الخاص في كتابة الشعر، وأظنك لم تخرج عليه حتى الآن.. هل تتفق معي؟

رفعت سلاّم: هناك، في ذلك الديوان -الذي كتبت أقدم قصائده عام 1975- بدأ السعي نحو “تعدد الأصوات” في النص الشعري؛ هو نقطة الارتكاز اللاواعية التي ساهمت في الوعي بالفكرة عندي: كيف يمكن للنص الشعري أن يحتوي “أصوات العالم”، “أنوات العالم” الشعرية، دون أن تندمج هذه الأصوات/”الأنوات” في صوت/”أنا” الشاعر؟ هكذا سألت نفسي عند صدور الديوان، وتأمل نصوصه، واقترحت على نفسي فرضيات ظللت أراجعها لسنوات تالية، وأختبرها في الأعمال اللاحقة ابتداءً من “إشراقات رفعت سلاّم”.

فالقصيدة الأولى “منية شبين” تنطوي على ثلاثة أصوات متمايزة؛ وقصيدة “تنحدر صخور الوقت..” تنطوي على تعددية في الأصوات، وفي مستويات الصوت الواحد.. في نفس الوقت. تلك هي العتبة والدستور الأوَّلي، بما وصل -في تطور التجربة- إلى “أرعى الشياه على المياه”.

الشاعر والجموع

كيف يمكن للنص الشعري أن يحتوي أصوات العالم
كيف يمكن للنص الشعري أن يحتوي “أصوات العالم"

الجديد: تبدو الذات الشاعرة في قصائدك في اغتراب دائم عن الواقع وحُلم مستحيل بفردوس أرضي، وما بين هذا وذاك تعيش اغترابها وموقفها المنعزل عن الجموع.. هل غيّرت الثورة المصرية من ذلك المنظور في شيء؟ وهل هذه الذات الشاعرة انعكاس لطبيعة فعالية المثقف في الزمن الحاليّ؟

رفعت سلاّم: في الواقع، لم أشهد “جموعًا” إلا في لحظات فارقة متباعدة: مظاهرات الجامعة التي شاركت فيها عام 1972، ثم ثورة يناير 2011؛ وبينهما 39 عامًا من القهر والقمع والاحتجاجات المتفاوتة العابرة.. بلا أيّ “جموع″. فكيف كان يمكن التوافق مع واقع من هذا القبيل؟

لقد تفتحت عيناي على هزيمة 1967، ثم كنتُ أحد معتقلي انتفاضة الجامعة (1972)، ثم قضيت ثلاث سنوات وثلاثة شهور في الخدمة العسكرية، وبعدها كان استشراء الإرهاب الديني والفكري في زمن السادات ومبارك، وتفكيك أوصال الدولة وتخريب المؤسسات الإنتاجية وبيعها واحدةً وراء الأخرى، وتزايد وتيرة العداء للثقافة والمثقفين. إنه الجحيم الأرضي الذي ما وعد الله به أحدًا؛ بحيث يصبح “الاغتراب” عن هذا الواقع -دون الانخراط في مؤسساته السالبة للوعي والحرية- فضيلة تعلن اللاتواطؤ والرفض والمغايرة في الحد الأدنى.

وقد كشفت الثورة -برغم وقوعها في براثن “الإخوان” و”العسكر- عن إمكانية التغيير؛ وقد تغيرت بالفعل أعماق الشعب المصري، ونظرته للحاكم (الذي لم يعد “مهيبًا”، ولا مقدسًا)، إلى حد السخرية المهينة يوميًّا التي لم تكن لتخطر ببال، من قبل. فالإمكانية موجودة “بالقوة” الآن، وليس “بالفعل”.

فلم يعد للشاعر أن ينخرط في “جموع″ غير موجودة، بل أن يكتشف ما يتخفى وراء السطح الزلق، أن يعرِّي الأوهام والتواطؤات الكاذبة، أن يفضح كل فردوس زائف وأبنية لامعة براقة آيلة للانهيار القادم، أن يشير إلى أفق لم ير أحدٌ ومضاته التي تغطيها الغيوم.

ينشر الحوار بالاتفاق مع مجلة "الجديد" اللندنية

11