الشاعر سميح القاسم يغيّر المكان فقط

الجمعة 2014/08/22

بحزن جارف قرأت خبر وفاة الشاعر الفلسطيني الصديق سميح القاسم وإن كنت أدرك أنّ حال الشعراء مثل حال مياه الجبال فهي إذا اختفت عن الأنظار فذلك لا يعني أنها اندثرت وإنما غيّرت الموقع فحسب، في مكان ما وقد يكون حلق الطير، أو جذر شجرة تمدّ بعنقها إلى السماء، أو يكون نهرا يسري نحو أذرع البحر. هكذا حال صديقي الشاعر الفلسطيني سميح القاسم الذي غيّر مكانه في إحدى “جهات الروح”. لقد تعرّفت على شعر سميح القاسم منذ مغادرتي لعتبة المراهقة مباشرة وعندما بدأت أغرف من مياه الثقافة العربية.

في تلك الفترة من حياتي تفاعلت معه بمحبة وشفافية وأعترف أنه ساهم بقسطه الوافر في جعلي أحب اللغة العربية وأن أربط كل مصيري بها ولقد أدّى ذلك طبعا إلى تعريب شخصيتي الأمازيغية التي دخلت في مسار الثقافة واللغة العربيتين بعد استقلال الجزائر فقط. في فترة الستينات كان سميح القاسم ومحمود درويش قد مثلا تاريخيا إلى جانب عدد من الأدباء والشعراء العرب الردّ الثقافي الإبداعي الشجاع على رماد وزوابع هزيمة 1967، وشكلا ثنائيا مقاوما بالكلمة والموقف اليومي.

في ذلك الوقت كان الشعراء الفلسطينيون الآخرون مع هذا الثنائي مثل أبي سلمى وتوفيق زياد وفدوى طوقان وسالم جبران وغيرهم في الأراضي المحتلة جزءا عزيزا من خبزنا اليومي ومن حكاياتنا الريفية التي كنا نرويها لبعضنا البعض في قرانا المجروحة التي خرجت توّا من شتاء الاستعمار الفرنسي الطويل والقاسي. أذكر أنني كنت في تونس منذ بضع سنوات وهناك حضرت أمسية شعرية للشاعر سميح القاسم وبعدها توجهنا سويا إلى الفندق الذي كان يقيم فيه بوسط العاصمة تونس وقضينا قسطا من الليل في الحديث عن الشعر. كانت شخصية سميح القاسم مشبعة بالروح العربية الفلسطينية التي نجدها تطل في شعره بدون توقف. كما أذكر أنه سألني عن الشعر الأمازيغي ودعاني إلى التعريف به في العالم العربي.

في تلك اللحظات ارتجلت أمامه ترجمة لقصيدة الشاعر الأمازيغي الأسطورة الذي قاوم بشعره الاستعمار الفرنسي في القرن التاسع عشر وعلق عليها بسرعة قائلا: “إنها من الشعر العالمي بامتياز″. بعد افتراقنا أمدّني سميح بمجموعته الشعرية “جهات الروح”، وبرقم هاتفه في الأراضي المحتلة على أمل أن نتواصل، وهكذا رحل زمان وجاء زمان ولم نلتق مرة أخرى لحما ودما ولكن لقاء أعشاب أرواحنا سيستمر.


كاتب من الجزائر

15