الشاعر عبدالرزاق الربيعي ينحت تفاصيل الحياة بالرثاء

الخميس 2016/07/14
تأريخ للحظة ألم حاسمة

مسقط - يضيف الشاعر العراقي الحامل على الجنسية العُمانية عبدالرزاق الربيعي إنجازا شعريا جديدا إلى رصيد مدونته الإبداعية المتنوعة، حيث قدم العديد من الكتب في الشعر والمسرح والنص المفتوح والنقد الإبداعي وغيرها من الاشتغالات مثلت تجربة ثرية لامست آفاقا إبداعية مختلفة.

وتحمل المجموعة الجديدة لعبدالرزاق الربيعي التي صدرت مؤخرا عن مؤسسة بيت الغشام للصحافة والنشر والترجمة والإعلان عنوانا لافتا وهو “قليلا.. من كَثيرعزّة”، في إحالة رثائية لزوجته الراحلة عزة الحارثي.

ورغم أن هذه المجموعة بلمستها الوفائية والإنسانية تؤرخ للحظة ألم حاسمة في حياة الربيعي وما يكتبه، إلا أنها في الوقت ذاته تنقل النص الشعري من مفهوم الرثاء التقليدي، ليتحول إلى أسئلة عميقة مفتوحة على آفاق الحياة والموت والوجود والحب والجمال والفقد وغيرها من مكابدات الكائن وآلامه وآماله العريضة.

ويقول عبدالرزاق الربيعي عن المجموعة في مقدمته التي عنوانها ‘فاصلة، بين فاتحة وخاتمة الفقد’ “لم أشأ أن تكون هذه المجموعة كتاب رثاء بالمعنى الضيّق للكلمة بقدر حرصي على أن تكون سردا لعلاقة ‘مودّة ورحمة’ مع رفيقة قاسمتني حوالي عشرين سنة بحلوها ومرّها، من جانب، ومن جانب آخر أن تكون ساحة لتأمّل الحياة، من خلال ثيمة الموت، وأسئلته الكبرى التي عجز المفكّرون، والفلاسفة، وسائر البشر عن وضع إجابات لها، فظلّت مفتوحة”.

ويضيف الربيعي “ولم أتوقّف عند تلك النصوص، فخلال مراجعاتي، وتأملاتي، وجدت نفسي أعود منساقا إلى أوراق قديمة وجدت فيها بذور إحساسي بفقدانها، رغم أنّ حياتنا لم يكن ينغّصها شيء، لذا استدعيت تلك النصوص من مخابئها في تلك الأوراق التي نشر بعضها، وأضفت إليها نصوصَ ما بعد الفقد، لأخرج بهذه المجموعة وفاء للراحلة، واستمراراً افتراضيا، لمسيرة حياتنا المسكونة بالكثير من الذكريات الجميلة”.

وإلى جانب ذلك تتضمن المجموعة إضاءة نقدية للناقد العراقي حاتم الصكر بعنوان “تراجيديا شعرية باذخة”، ويقول فيها “لذاكرة القارئ فيض قصائد الشاعر القديم كُثير عزة في حبيبته التي فقدها، مع تحوير الاسم لتتحقّق المقابلة، أو المفارقة بين كثرة الحب والحزن على المرثية. كما أن العنوان الجانبي يقدّم تدرّجا دلاليا محسوبا بدقة من الناحية اللغوية: نصال الفقْد والسهد، والوجد، وأفعال السرد وأحداثه أيضا – سرد واقعة الموت وما يتداعى بعدها؛ فالفقد هو حدث أول، تلاه السهد كحالة إنسانية تعكس أثر الفاجعة، وصولا إلى الوجد الذي يبرز تذكارا، وحنينا يشحنه، ويغذّيه الفراغ الذي تركه غياب الراحلة كوجود مشخّص، وعاطفة وحضور”.

ومن جهته يتوسع الشاعر عدنان الصائغ في دلالة عنوان المجموعة ليسقطه على تجربة الربيعي المنفتحة على الرحيل والفقد والألم فيقول “قليلاً.. من كثير عزّة” (ديوانه الأخير 2016) هل هي “تراجيديا شعريّة باذخة” كما يصفها الناقد حاتم الصكر، أم هي إلحاقٌ بميتاته السابقة، على حد ما عنونه الربيعي نفسه لأول ديوان له في ثمانينات الحرب والموت والطاغوت (1987).. ذلك أن الموت لم ينفصل عنه، لهذا أعلن حداده الأبدي على ما تبقى في ديوانه الثاني 1992، منذ أن فتح عينيه على الجنائز المعلقة (ديوانه الرابع 2000)، كأن الفقدان قدرٌ يتبعه كظله، فاتحا شدقيه لالتهام كل ما قد تجود به حياته الشحيحة من مسرات، وآخره هذا القليل الجميل”.

جدير بالذكر أن المجموعة تشتمل على أكثر من خمسين نصا شعريا تتفاوت على مستوى الشكل بين التفعيلة والمقفى. ونقتطف من أجواء المجموعة القصيدة التالية:

شقوق الحكايات

الصغيرةُ تندسّ

بين الظلام الكثيفِ

تندسّ ما بيننا في السرير

تندّس في الحلم

أخادعها بالتناوم

لكنّها بين شقوق الحكايات تندسّ

أندسّ في حلمها البضّ

بين تفاصيل ألعابها

إلى أن أغيب

****

ذات يومٍ أفقتُ

وجدتُ الوسائد خاليةً

سوى من سعالٍ قديمٍ

جنوب الصباحِ

بحثتُ …

سرير الألم

كانت تئنُّ

وكانت دموعُ الصغيرةِ

تنسابُ

فوق سريرٍ بعيدٍ

فتندسُّ

من وحشةٍ

بين حضنِ الغياب.

15