الشاعر عبدالله بن ناجي يسافر بين الذاكرة واليومي في انتصار للآتي

من بين السمات المشتركة في ديوان “كأني به التيه”، للشاعر المغربي عبدالله بن ناجي، والصادر حديثا ضمن منشورات فرع اتحاد كتاب المغرب بالفقيه بن صالح، الطابع الجدالي والحجاجي في تركيب وتكوين النص الشعري. ممّا أدى إلى تحاور وتجاور أنفاس عدة، منها النفس الحواري والغنائي. لكن الذات عماد الانتقالات الموضعية، وهي تتخلق من جديد من خلال إسناد صفات غير مألوفة ولا مرتهنة للجاهز والنمطي.
الاثنين 2015/05/25
النص في هذه المجموعة اختار أن يواجه الكل المتخشب وإعادة بنائه بماء الجرح

يمتد ديوان “كأني به التيه” للشاعر عبدالله بن ناجي، على مدار مئة صفحة، متضمنا ستة وعشرين نصا شعريا، بعناوين منخرطة، ولو من خلال العتبات، في تشكيل لغوي غاصّ ومضغوط بممكنات تخييلية وجمالية. ومن بين العناوين التمثيلية في الديوان نذكر: أول العمر، امتداد، إنهم النوازل، نقش على حجر، صلابة الصمت، شيخوخة عطر، وهج.

صور مركبة

جاءت قصائد الديوان غير متصالحة مع هذا الذي يجري في ثبات طاو على الكثير من العلل والاختلالات: اختلالات واقع وتاريخ. لهذا تذهب الأنا الشعرية في سفرها بين الذاكرة واليومي أقول تذهب للمفارقات، في انتصار للآتي من عمق وجفاف الوضعية والحياة على مشهديتها.

وهو في تقديري ما جعل نغمة الأسى سارية بين تلافيف هذه المجموعة. ويمكن تلمس ذلك في تناسل الصور وانغماسها في غدير هيأته الذات التي غدت شبكة تواصلية توزع الأدوار وتلزم بها بين الحالات والمواقف، بين الكائن وما ينبغي أن يكون، بين المنمط والمتجدد، بين الألم والخلاص.

جاءت الصورة الشعرية مركبة من عدة فواعل (عاطفة، ألم، خيال، لغة)؛ فتحولت بذلك إلى أداة بحث واستبطان في أرض الشعر بعد استرفادها بالأسئلة الموجعة والحارقة، وهي هنا في تواز وتلازم: سؤال المفارقة، سؤال الألم، سؤال الحياة والوجود.

نقرأ في ديوان “كأني به التيه” في قصيدة بعنوان “نقش على حجر”: يا سيل الحرف/ إني أراك حين أراك/ مسالك للدروب سيالة للحضيض/ مساوئ للدهر تسلك بي/ تهاجمني حين ألقاك وكفي إليك تعدو/ كفي مبسوطة الكف على مطر/ أشدّ مخالبك لنقش على حجر/ إني أراك حين أراك”.

غير خاف، أن أفق الشاعر الشعري متعدّد الأسئلة ويتنزل في اللغة وعليها. فتخلق مجراها الخاص بالتجربة. والمتحصل هنا إن نص بن ناجي غير محدد الخيارات الجمالية، وهو يعدد منها في تناسق وانسجام خلاق على مستوى التشكيل اللغوي الجانح إلى فرض المقام والسياق على التركيب اللغوي الإنشائي الذي يقتضي استلزاما حواريا.

قصائد تطرح العديد من الأسئلة التي تتنزل في اللغة وعليها فتخلق مجراها الخاص بتجربة الشاعر

انكسار بين الواقع والمتخيل

نصوص ديوان “كأني به التيه” تنمّ عن نفس سردي يقدم الوقائع التي تحدث في انكسار بين الواقع والمتخيل. الشيء الذي عمق النفس الغنائي الذي يوهم بالحواري أو التعدد الذي يجنح للداخل، مما يؤدّي لاستبطان الحالة والموقف.

ورد في نفس الديوان في نص بعنوان “خطوة”: تلامسني العصافير/ أنا الشائك الملمس/ وجنتاي بلون السواد/ لا ابتسامة تداعب الثغر/ تروي ظمأ الناظر إلى مودة/ لا هوادة تهدهد مصرعي/ من أنا/ هل أنا إلا صنيع خطوي/ خطيئتي/ خطوتي؟”.

بناء على ما سلف، فالتراكيب اللغوية المقامية، تحوّل النص إلى مدارج، وبالتالي لا بدّ لعابرها ما يلزم من يقظة المبصر بالصور؛ لكي يحس بكينونة المجموع متعدد الأصوات والحالات، في اتجاه أفق رؤيوي يمتدّ على مدار الديوان، متجليا في طريقة التصوير، وبناء النص، واستعمال اللغة.

لهذا يبدو أن النص في هذه المجموعة يرهق صاحبه، لأنه اختار أن ينسجه ويشذب تعدده المتنافر ولو أمامنا في تلك المواجهة للكل المتخشب وإعادة بنائه بماء الجرح. والشاعر الإشكالي عبدالله بن ناجي بهذا الصنيع يرتاد آفاقا وأراضي شعرية متنوعة، أغنت نصه وجعلته مرآة مقعرة في اتجاه تيه مهندس.

والشاعر عبدالله بن ناجي، من مواليد الفقيه بن صالح سنة 1975. أستاذ باحث في النقد الأدبي ولسانيات الخطاب. متحصل على الإجازة في الدراسات العربية تخصص لسانيات، وعلى شهادة الماستر في تحليل الخطاب من كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال. وهو حاصل على جائزة القناة المغربية الثانية للإبداع الشعري في دورتها السابعة 2012.

شارك في العديد من الملتقيات الشعرية الوطنية، ونشر العديد من القصائد والدراسات النقدية في ملاحق ومجلات وطنية وعربية. وهو كذلك فاعل في العديد من المنظمات الجمعوية والنوادي الأدبية، وعضو مؤسس للمختبر الجهوي للبحث التربوي ببني ملال، من إنتاجاته الأدبية ديوان “هزيم المنخفض”، الصادر عن مطبعة مرسم (2014).

14