الشاعر عبد الرحيم خصار: لم أجلب ماء من بئر ولم أوقد نارا في غابة!

النص الشعري للمغربي عبدالرحيم الخصار يميل نحو السرد، ولكنه سرد يتخفف من المجاز اللغوي والتراكيب والصور التي تعيق انسياب جمالية النص.
الثلاثاء 2019/08/13
الشاعر حالم أثناء الكتابة وقبلها وبعدها

يعتبر الشاعر عبدالرحيم الخصار من أهم التجارب الشعرية المعاصرة في المغرب الأقصى، شاعر تمكن من نحت مسار مغاير له؛ مشتغلا باستمرار على صوته الخاص، مشطبا ومجربا، مغيّرا ومنوعا في فضاءاته الشعرية على اختلاف عوالمها ومداراتها. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الشاعر حول ملامح تجربته ورؤيته الخاصة للشعر والشاعر.

يرى الشاعر المغربي عبدالرحيم الخصار أن “الكتابة متعة كبيرة، متعة سرية في الغالب. ما يؤلمه عادة هو غيابها، أي تلك اللحظات التي يحسّ فيها أنه يرغب في الكتابة، لكنه يحسّ في الآن ذاته أنه لن يكتب ما يريد، أو ما يدنو من تخوم الرضا.

ينطلق الخصار في مشروعه الشعري الذي أسسه عبر خمس مجموعات شعرية، من الإنسان، ويقول الشاعر “أعتقد أن جوهر الكتابة هو الاعتبارات الإنسانية. النصوص الأدبية الأكثر تأثيرا، والأكثر ديمومة، هي النصوص التي كانت بمثابة شرارات خلّفها احتكاك الإنسان مع وجوده. ويمكننا العودة إلى كتب وأعمال هائلة كان الإنسان بأحلامه وآلامه، بإشراقاته وخيباته، جوهرَها. تغريني الكتابة عن الأم، عن الحبيبة، عن الصديق، عن الطفل، عن الشيخ، عن الهمّ الداخلي، سواء الفردي أو المشترك. وفي هذا السياق سأقول لكِ إن هدفي من الكتابة هو الاستمرار في الكتابة”.

مشاهدات شاعر

سيرة تمّحى فيها الحدود بين الأزمنة والأمكنة
سيرة تمّحى فيها الحدود بين الأزمنة والأمكنة

يقول صاحب كتاب “خريف فرجينيا”، إنه يقضي وقتا طويلا في البحث عن عنوان مناسب لأي كتاب جديد. ويجد صعوبة بالغة في العثور على العنوان الذي يرضي رغبته ويتلاءم مع روح العمل. يتفادى العناوين المبالغ فيها، أو المثقلة بالبلاغة، ويضيف “أبحث في الغالب عن عنوان بسيط يشبهني ويشبه أسلوب عيشي وطريقة تفكيري، لكني مولع بتلك البساطة التي تتدفق منها المعاني، ولا البساطة الفارغة. آخر كتاب لي يوجد الآن لدى الناشر، على أساس أن يصدر تزامنا مع الموسم الثقافي، وضعت له عنوانا بعد أشهر من البحث والحيرة، لكني قد أتصل به في أيّ لحظة لتغيير العنوان”.

ديوانه “عودة آدم” عبارة عن نص شعري طويل. يجعل القارئ يشعر بأنه يقرأ سيرة ذاتية لآدم السابق، الحالي واللاّحق. سيرة تمّحى فيها الحدود بين الأزمنة والأمكنة. هذا التداخل بين سيرة عبدالرحيم الخصار والسيرة المفترضة لآدم. هنا نسأله عن مدى تمكنه من قول ما يريده كشاعر معاصر، فيقول “هذه الملاحظة الذكية منك تجعلني أقول أيضا إن آدم في النص هو مجرد قناع، وإن الحاضر الطاغي هو الشاعر بما يحمله من تاريخ ومن امتداد في الراهن، لكنه يستعيد آدم الذي رأى ما لم يره الشاعر، ليحكي لنا مشاهداته منذ أن دبّ على الأرض، وليعقد مقارنات بين زمنه والزمن الحالي الذي بعث فيه من جديد. عدد من أصدقائي بعد اطلاعهم على ‘عودة آدم‘ منشورا تمنوا لو أني أطلت، وأسهبت في توظيف آدم ليقول أكثر مما قال. لكن الشاعر مهما أطال مختصر. إنه يشير ويومئ إلى أمكنة كثيرة، وعلى القارئ أن يبذل جهده للوصول إليها”.

في “عودة آدم” إذن يحاول الشاعر كتابة سيرته. وحول لماذا يفضل الكتاب العرب كتابة سيرهم من خلال أعمالهم الإبداعية فقط؟ يوضح الخصار “إنها سيرتنا جميعا، سيرة من يواجه أهوال العالم منذ بدايته إلى نهايته، دون سلاح ومن دون معجزة. آدم هو ذلك السؤال الوجودي والأبدي الذي سيظل يطنّ في الجمجمة البشرية إلى نهاية الخليقة. لكن الأمر هنا لا يتعلق بسيرتي على الإطلاق، لقد وزعتُ حياتي على نصوص متفرقة منذ ‘أخيرا وصل الشتاء‘ الذي صدر قبل خمسة عشر عاما إلى ‘دموع العائلة‘ الذي سيصدر قريبا. أما ‘عودة آدم‘ فقد كان بمثابة عرض لسيرتنا جميعا، السيرة الوجودية”.

التجريب ليس هروبا

بساطة تتدفق منها المعاني
بساطة تتدفق منها المعاني

عن مدى تفكيره في القارئ أثناء الكتابة يوضح الخصار “في الحقيقة، لا أعرف كيف أجيب عن هذا السؤال. أكتب وفي ذهني كائنات ستقرأ النص، صحيح. لكنها لا تحضر أثناء الكتابة بالضرورة. أكتب لكائنات تشبهني، أو أتوسم فيها أنها ستفهمني وستتفاعل مع كتابتي بحب. معظم النصوص التي كتبتها تخاطب، في الأصل، كائنا واحدا، قد يتغير من نص إلى أخر، وقد يحضر في أكثر من نص، لكن بعد الكتابة أحب أن أتقاسم هذه الرسالة الشعرية مع أصدقاء ومحبين أعرف أنهم يتابعون ما أكتب بحنوّهم وبكرم مشاعرهم على الدوام. ومع عملية النشر والترجمة لا يستطيع المرء أن يعرف بعد ذلك من يقرأ كلماته وفي أي مكان، وتحت أي تأثير”. لم أَجلِب مَاء من بِئر/ ولم أُوقِد نَارا في غَابَة/ فقط جَثَوتُ/ أمامَ مِدفَأَةٍ مُعَطَّلَة/ ورَجَوتُ الثُّلوجَ أنْ تَتَأخَّرَ قَليلا.

هذا النص هو انعكاس للصراع اليومي في زمننا المعاصر. هل يحتمل الشعر هذه الأسئلة الفلسفية؟ هنا يرد صاحب كتاب “بيت بعيد”، قائلا “الشاعر حالم بالضرورة، حالم أثناء الكتابة وقبلها وبعدها. وحين يتوقف عن الحلم سيتوقف عن كونه شاعرا. هكذا أنظر إلى الكتابة. إنها نظرتي الخاصة، وهي لا تلزم بالضرورة أحدا. لكنّ الحلم هنا ليس معناه الانفصال عن الواقع، بل هي تلك الرغبة الدائمة في تجسير المسافة بينهما، شعراء جنّوا أو انتحروا أو انعزلوا عن العالم، لأن المسافة بين حلمهم وواقعهم كانت شاسعة جدا، وقد عجزوا عن تقريب هذين العنصرين المتنافرين إلى بعضهما. ما يحمله المقطع الشعري هنا من دلالات مبعثه هو ذلك الإحساس بأن العالم يتجمد بالتدريج، وأن ما يملكه الشاعر حيال ذلك هو الرجاء، الرجاء فحسب”. في نص آخر يقول الخصار:

بعد عشر سنوات من النسيان/ لم يتغير شيء/ أنت صرت زوجة في قفص/ وأنا صرت كهلا بلا جدوى/ ما زلت كعادتي أشرب الشاي/ وأكتب قصائد عن الحب/ وعن رغبتي في أن يتغير طلاء الحجرة/ لقد دسست أزهارا كثيرة بين الكتب والأوراق/ أعرف أنها لن تنمو/ لكنها على الأقل ستطرد اليأس من قصائدي.

نصه الشعري يميل نحو السرد، ولكنه سرد يتخفف من المجاز اللغوي والتراكيب والصور التي تعيق انسياب جمالية النص. نسأله هنا إن كان يؤمن بالتجريب في الكتابة والحياة؟ ليرد صاحب كتاب “نيران صديقة” موضحا “أومن بالتجريب حين يكون مسألة فردية، لا عملا جماعيا له منطلقات تنظيرية. ما هو الحب؟ إنه تلك اللوعة السرية التي لا يحس بها إلا العاشق وحده. وكذلك الكتابة ينبغي أن تكون اجتهادا فرديا، وأن تبقى خلطتها العجيبة سرية على الدوام. لذلك لا أفهم لماذا يشرع بعض الكتّاب في تفسير طرائق كتاباتهم. الشاعر الحيّ هو شاعر مجرّب باستمرار، لكن التجريب لا يعني الهروب عن الشعر والابتعاد عنه بدافع الرغبة في المغايرة والاختلاف. ينبغي أن يكون التجريب عودة دائمة إلى الشعر، لكن من مصادر مختلفة”.

15