الشاعر علي عاشور: البحث عن أب شعري ضرب من الوهم

الجمعة 2015/03/27
علي عاشور يستمر في صناعة مناخاته الشعرية بصورة متجددة

بعد مجموعته "عين في إصبع" التي صدرت عام 2013، ولاقت اهتماما ملفتا يقدّم الشاعر السعودي الشاب علي عاشور مجموعته الثانية "من العتمة إلى الجياع" عن دار مسعى بالتعاون مع منتدى اليراع الأدبي السعودي.

تقول عن تجربته الناقدة “تقوم نصوص علي عاشور على ثيمتين/ محورين أساسيين يصوغان حركات المجموعة هما «السؤال والرؤية». إذ تنفتح النصوص على السؤال وعلى فعل الرؤية الذي يعيد التفاعل مع الأشياء المحيطة ويضعها أمام قلق السؤال”.

في المجموعة الشعرية “من العتمة إلى الجياع” للشاعر السعودي علي عاشور، نواجه سؤالا واضحا عن الظل الذي يخيف الشاعر ويقلقه، فيحاول من جهته أن يرصده، وأن يتحاور معه، لكنه يعجز عن ذلك، فيميط للقصيدة فضاءها المفتوح مخففا من وقع الألم على روحه.

يقول عاشور لـ”العرب”: ربما أحاول الإيضاح قليلا -هنا- بالقول إن الظلّ هو الرمز المطلق للآخر، مهما كان هذا الآخر: الخوف، الحاسة، العدم، الذات، الذوات المتعددة، الشخص نفسه، الشعر، العبث، الرؤية، السؤال، الله، وربما اللاأدري.

ويحدثنا عاشور عن تجربته الأخيرة قائلا “هي مسيرة الصراعات والجدل والمتاهات الداخلية وتعددية الذوات وحواراتها وكثافة المجهول وتناقضاتي الشخصية. التقنيات والعناصر التي استخدمتها في المجموعة هدفها الوصول إلى اللامتحدث فيه أو عنه، واللامنطلق منه على كونه نقطة أو شرارة أو لمحة سؤال وتحوّل”.

شاعر يخط مسيرة الصراعات والجدل والمتاهات الداخلية وتعددية الذوات وحواراتها وكثافة المجهول والتناقضات

الومضة والسردي

علي عاشور يستمر في صناعة مناخاته الشعرية في صورة متجددة. فبعد أن كان في “عين في إصبع” يتكئ خلال صناعة قصيدته على تقنية الومضة المكثفة يتحوّل في مجموعته الجديدة للنص الشعري السردي الطويل. المجموعة تقدّم نفسها للمشهد بصورة مختلفة عن سابقتها.

يقول عاشور لـ”العرب”: عين في إصبع كانت الصراخ الأول، كانت تلك المرحلة بما يشغلها تترتب على صدمات وحنق وغضب، وهذه العناصر لا يمكن التعامل معها إلا بجعلها ومضات وشذرات تحتمل الصوت المكبوت في داخلها. الآن، اختلفت التجربة، ورؤيتي للشعر والنص تبدّلت من حالته إلى حالات متعددة، أحببت ابتكار كتابة جديدة كي لا أكرر نفسي، ولأعطي الكلمات مساحة قابلة للاتساع بشكل أكبر.

قسّم عاشور مجموعته إلى ثلاث إطلالات، كانت الأولى إطلالة مسكونة بالأسئلة الفلسفية التي تقاسمها مع رفيقه العجوز وظلالهما وسراماغو، بينما اختار للثانية أن تكون مهداة لزوجته فاطمة، وكانت الثالثة من نصيب الشاعرين السعوديين محمد الضامن وأحمد القطان.

وعن ذلك يقول عاشور “الأقسام الثلاثة في المجموعة هي مسيرات ثلاث لم يكن أحدها يتسع لاحتمال الآخر رغم الترابط القوي في ما بينها، غير أن للكتابة -بالنسبة إليّ- خصوصية الموضوع واللغة، فالقسم الأول لا يحتمل وجود ثقل الأنثى الحبيبة، لكون الأنثى -فاطمة- مسيرة تحتاج إلى خصوصية كما هي التحولات في القسم الأول التي تحتاج إلى خصوصية قائمة بذاتها.

أرى أن الكتابة تحتاج إلى العبور اللامعقول في معقوله”. ويضيف “ربما تكون الجملة الأخيرة فلسفية ولكن هكذا أستطيع الشرح، فمناخ القارئ هو بالتعامل مع النص القائم في حدّ ذاته بعيدا عن التصنيف”.علي عاشور يتخطى بحسه الثوري اليوميّ المباشر ليوغل بأسئلته في التفاصيل العميقة لحركة الأشياء الاعتيادية، ولا سيما بعد الربيع العربي. ويعتقد أن جميع من يريد تحديد الشعر في مكان، أو تحديد الكتابة في مناطق معينة هو واهم. يقول متسائلا “لماذا لا ننتقل بالشعر إلى تلك الأماكن؟

علي عاشور يحاول من خلال ديوانه أن يرصد الظل ويتحاور معه

لماذا لا نجعل المناطق البعيدة ملموسة ليمكننا التعامل معها والتعاطي مع تفاصيلها التي قد تكون متخيلة في البداية؟ لماذا -أيضا- لا نخترع أماكن جديدة عبر الكتابة؟ حسب وجهة نظري إن من أسباب تكرار الكثير من التجارب نفسها وندرة وجود القفزات الشعرية هو عدم أخذ الكتابة إلى المناطق البعيدة، أو ربما المخيفة إن صح التعبير”.

وضمن هذه الدلالة على المضامين يواجه القارئ في الجزء الثالث من المجموعة الموسومة بـ”الثقيل الثقيل” النص ممسرحا على هيئة حوار ثلاثي متواصل بين أبطال افتراضيين. الأمر الذي يدفع القارئ إلى التساؤل عن إمكانية تحويل العمل إلى مسرحية ذات مشاهد نصية متتابعة.

يجيب عاشور قائلا: في هذا السؤال ضربت تقنية النص “من العتمة إلى جياع” محاولة إعطاء الشعر العميق، والسرد الخاص والمسرح الصوري الصوتي بعدا واحدا في الكتابة، وربما بعدا واحدا في التكثيف من الكتابة، لا أدري إن نجحت في ذلك بشكل تام، أم لا. غير أني وصلت إلى مكان لا بأس به في النص.

موت آباء الثمانينات

علي عاشور -المولود في قرية سنابس بشرق السعودية عام 1989- يؤمن أن تجارب الثمانينات والتسعينات الشعرية أخذت حقها من النشر والحضور والكتابة، لكنه يراها مرحلة مهمة من مراحل المشهد المحلي، ويجب على المتابع أن يمرّ عليها، ولا يقف عندها، يقول “تجربة الثمانينات في السعودية مهمة جدا لكونها نقلت فكرها إلى ضفاف جمهورها التي تريده، وإن جاء بعضه متأخرا، فقد كان التعاطي الفكري والشعري للمختلف أكثر بروزا ربما من الآن، وأعتقد أن الفترة التاريخية تلك مهمة بكل تحولاتها غير أنها مرحلة، والمراحل تتتابع”.

ويضيف عاشور “لا يجوز لنا تنحيتهم لأن وجود كل وجه ضروري، غير أنه على جيل الثمانينات وأيضا التسعينات أن يتعامل مع التجارب الحديثة اليوم بحس شعري، لا كما الأمس الثمانيني. للأسف أرى أن كثيرا من ذاك الجيل مازال يعيش على أن تلك الفترة هي الذروة والمرحلة الذهبية وهذا وهم، كما أن الكثير من الأجيال الجديدة يبحث عن مظلة أبوية من ذاك الجيل أو يعطيهم هالة فوق شعرية وهذا وهم آخر”.

15