الشاعر فرج بيرقدار: الغريق لا يخاف أبدا من البلل

الشعر لا يمكن سجنه أو حصره في مكان أو زمن، إنه ابن التاريخ الشخصي للشاعر لكنه الهارب من سطوة التواريخ، العابر لا تصده حدود أو أسيجة أو تضاريس أو متاريس الأنطمة وحدود الدول. الشعر يحيا أينما كان ويتسرب إلى المخيلات كما يتسرب الضوء في السماء، وهو وحده من يعيش مع الشاعر أينما كان. كثيرون هم الشعراء الذين تعرضوا للسجن والاعتقال، ومهما كانت فترة هذا السجن المفترس للأحلام والأجساد، فإنه يفشل دائما في كبت جماح الشعر، الذي يسبح في مخيلة شاعره، يداعب أيامه، ويقلب ظلمته إلى نور. "العرب" التقت الشاعر السوري فرج بيرقدار، الذي لم يتزحزح إيمانه بالقصيدة رغم تعرضه لسياط السجن سنوات طوال، لنتعرف على وجهات نظره التي تتجاوز مألوف الإجابات إلى محاولة الحفر في العمق.
الجمعة 2015/07/10
في السجن كل النساء ملك ذاكرتي وخيالي ومخزوني الشعري والروائي والسينمائي

فرج بيرقدار شاعر وصحفي سوري من مواليد حمص 1951، حائز على إجازة في قسم اللغة العربية وآدابها في جــامعة دمشق.

صدر له خمس مجموعات شعرية منها "حمامة مطلقة الجناحين"، و"قصيدة النهر"، كما أصدر كتابا عن تجربة السجن، كما صدرت عدة ترجمات لبعض كتبه ولجانب من شعره إلى الفرنسية والإنكليزية والهولندية والألمانية والأسبانية والكاتالونية والسويدية والليتوانية. وجل أعمال الشاعر جاءت بعد قرابة العقدين من السجن في سوريا ومغادرته إلى أوروبا حاملا سنواته في قصائده السابقة واللاحقة.

بيرقدار عاش أربعة عشر عاما في سجون النظام السوري، ليغادر وطنه بعد الإفراج عنه، فيخط لنفسه مسارا شعريا متميزا في قصيدة التفعيلة خاصة، ويتحصل على خمس جوائز عالمية، وبين محطتي الاعتقال والخروج من السجن، ابنته التي كانت في الثالثة من عمرها تكبر وتنمو فيما تسأل عن الوالد البعيد، العاجز عن سد فيض أسئلة الطفولة والمراهقة، ويوم “الحرية” كانت طالبة جامعية.

فرج بيرقدار المقيم في السويد منذ 2005، يتنبأ بأن تبرعم الثورة أدبها، مثلما برعم بعض سجناء الرأي في سوريا "أدب السجون". ويقترب من تحليل علاقة السجين بنساء "الذاكرة".

الأدب لا يمكنه أن يفرز ظاهرة مواكبة لحدث كبير بحجم ثورة. فمثلما لأي حدث كبير تراكماته، فإن للأدب اختماراته

الفقير إنسانياً

عن النخب السورية، وما يتوجب على المثقف تجاه القضايا المصيرية الكبرى. قضايا من وزن ثورة، يقول فرج بيرقدار: نعم هناك مثقفون، واكبوا الثورة وأنجزوا الكثير، وإن كانوا قلة وأنا لست منهم. المثقفون بشكل عام نخبويون أرادوا أم لا، ونتاج المثقفين غالباً ما يكون نخبوياً في استشفافاته أو مبادراته ونتائجها العملية، ورغم أن البوصلة مهمة وضرورية ولكن ليس دائماً وليس للجميع. مع ذلك تفاجئني مواكبة واستشرافات العديد من المثقفين السوريين والعرب في ما يخص الثورة السورية.

ويضيف الشاعر: أدونيس موضوع معقد وشائك. أحترمه كقامة ثقافية وإبداعية كبيرة وإن كنت أراه فقيراً إنسانياً، ليس فقط بسبب موقفه من الثورة وإنما أيضاً موقفه قبلها من حقوق الإنسان في سوريا.

تطيّر الشاعر السوري أدونيس كثيراً من خروج التظاهرات من الجوامع، ولكنها حين خرجت بقوة من جامعة حلب لزم الصمت، ربما لأن الجامعة، على حد سخرية أحدهم، هي تأنيث للجامع.

طيّ الأبد

عن صورة المرأة في ذهن الرجل، الشاعر، المسجون كلما أوغل الرجل في الانعزال ووحدة المكان، يقول بيرقدار: في السجن كانت كل النساء ملك ذاكرتي وخيالي ومخزوني الشعري والروائي والسينمائي. وكنت مع ما قاله زميلي الشاعر والسجين الجنوب أفريقي برايتن برايتنباغ “المرأة في السجن هي كل ما يبحث عنه السجين وما لا يمكن له أن يجده أبداً. المرأة بالنسبة للسجين تمرّ بأطوار متعددة. فهي في فترة التحقيق والتعذيب ممرّضة، وفي فترات لاحقة أمّ أو أخت أو ابنة، وخلالها أو بعدها هي حبيبة تنطوي على ملامح مئات النساء اللواتي مررن في حياته. تصعد المرأة في خيال السجين إلى مواقع مظللة أحياناً بالقداسة، ولهذا تكثر خيبات السجناء في علاقتهم بالمرأة بعد الإفراج عنهم. غير أن ذلك في المحصلة لم يحل بيني وبين العثور على المرأة التي أحب وعلى النحو الذي يقنعني واقعياً.

النهر ينطوي على بعد كوني يتعلق بمجرى الحياة ككل

عن الثورة السورية الآن ومآلاتها كما يستشرفها الشاعر، يعلق ضيفنا قائلا: لا أرغب في أن ألعب دور السياسي أو المحلل أو المفكر، وبالتالي يصعب علي أن أجيب عن مثل هذا السؤال، لا سيما أن هناك عشرات الدول الوالغة في الثورة بكامل توافقات وتناقضات مصالح تلك الدول. ما يهمني كإنسان سوري وشاعر هو أن حقبة “الأبد” في سوريا قد انتهت، وذلك يفتح الأبواب على مصاريعها لاحتمالات متعارضة ربما، ولكن ليس في أي منها “للأبد”.

فرج بيرقدار قرأ أشعاره في مهرجان ثقافي ببلجيكا مطلع العام الجاري، وكان على ذات المنصة شعراء من أمهات ثقافية شتى، من أميركا اللاتينية، كيف يسمع صدى صوته في هذه المهرجانات؟
وإن كان الجمهور يسمعه بشغف يجيب الشاعر: كشاعر سوري يعيش في أوروبا، وفي نفس الوقت سجين سياسي سابق، ربما منحني شرطاً مختلفاً عن أقراني من الشعراء السوريين، ومنحني أيضاً مصداقية مسبقة. ولهذا أشعر أن الاستجابة لأشعاري المترجمة إلى لغاتهم أعلى من الاستجابة لغيري. لا أعتقد أن كتابي “حمامة مطلقة الجناحين” الذي ترجمه الصديق عبداللطيف اللعبي إلى الفرنسية وصدرت الطبعة الثانية منه 2013 ونفدت ويستعد الناشر لطبعة ثالثة، أقول لا أعتقد أن ذلك كان سيحدث لو لم أكن سجيناً سياسياً. وحين أتحدث عن الثورة أشعر أن وضعي كسجين سابق يجعل الناس أكثر ثقة بما أقول.
أعلن ضيفنا منذ فترة أنه يتخلى عن جنسيته السورية بسبب أن نظام الأسد هو من يمنحها رسمياً. البعض تفهمه على أنه قرار شخصي، في حين رآه آخرون إيغالا في التطرف الشخصي. لكن بيرقدار يعتبر أنه لم يرغب في أن يعمل “زيطة” إعلامية بشأن تنازله عن الجنسية السورية، بل كان يرغب فقط في أن يعرف أصدقاؤه حقيقة موقفه عبر صفحته على الفيسبوك.
ويقول محدثنا: بعد سماعي لتصريحات الكثير من زعماء العالم وهم يعلنون أن الأسد فقد شرعيته (يعني بيعنا هواءً فاسداً إذ ما من أحد منهم طرح مسألة سحب شرعيته من عضويته في الأمم المتحدة، أو منح أي جهة سورية معارضة حق إصدار جوازات سفر معترف بها)، وبعد سماعي عن مئات قصص السوريين وما يدفعونه من رشاوى وإذلالات مقابل استخراج هوية أو تجديد جواز سفر. تخليت عن جنسيتي السورية لأني أمتلك جنسية سويدية تريحني من الإذلال. إلا أن الغيرة الوطنية بالبعض وصلت إلى حد تخويني. إن تنازلي عن الجنسية لا يعني التنازل عن هوية انتمائي كسوري، وأنني كنت وسأبقى مع أهداف شعبنا وأملي في أن تنتصر الثورة لأصبح مواطناً سورياً حقيقياً.
السجناء يتباينون في درجة تخلصهم من الخوف، وذلك تبعاً لظروف كل منهم، كما لتوقعاته وفهمه وقناعته

تفكيك الرعب

عن السجن وعلاقته بالخوف، يقول فرج بيرقدار: لقد تمكن نظام الأسد الأب، منذ أواسط السبعينات وبصورة متصاعدة، أن يعمِّم صورة عقابية فادحة التكاليف، لما تعنيه سجونه حيال أي صوت معارض. كان معظم الكتَّاب الشرفاء في سوريا، إن لم أقل كلهم، يتحايلون على ما ينبغي لهم قوله لغة وترميزاً ورقابة ذاتية، خشية التعرض للاعتقال. خطأ تنضيدي بسيط كان يمكن أن يودي بصاحبه إلى مكان تصح فيه عبارة “الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود”. كان التهديد بالسجن شيئا شبيها بسيف ديموقليس.

لكن حين يتعرض المرء للاعتقال، فإن التهديد بالسجن يفقد مفعوله. اقتحام الخطر أقل وطأة من انتظاره. بالطبع أتحدث عن سجون الأسد كما كانت عليه إلى ما قبل انطلاقة الثورة، ذلك أنها بعد الثورة فقدت معناها وتحولت إلى ما يشبه المسالخ.

ويضيف: واقع الحال أن السجناء يتباينون في درجة تخلصهم من الخوف، وذلك تبعاً لظروف كل منهم، كما لتوقعاته واستعداداته وفهمه وقناعته. لكن بصورة عامة فإن من يعتقدون أو يعرفون أن فترة اعتقالهم ستطول يكونون في الغالب أكثر تحرراً من خوفهم. ذات يوم طلبني ضابط أمن وكان اللقاء في غرفة مدير السجن. كنت أتحدث مع ضابط الأمن عن ديكتاتورية نظامه ولا شرعيته. بعد اللقاء قال لي مدير السجن “غريب أمرك يا رجل… ألا تحسب حساباً لنتائج حديثك مع ضابط الأمن”. قلت ساخراً يمكنك إبلاغه، إذا أزعجه كلامي فإنه ببساطة يستطيع اعتقالي. كان الأمر يشبه قول المتنبي: أنا الغريق فما خوفي من البللِ.
الحياة جميلة تستحق أن تعاش ولأنها هكذا فهي جديرة بالموت

مكانة الشعر

كثيرون يرون أن الشعر في الداخل السوري غاب، أو تغيب، أو غُيب، ويصلون تخوم الجزم بأن الصورة- في واقع الدم الذي نحيا- سرقت وميضه وأطفأته.

يعلق بيرقدار بالقول: عقود طويلة من الطغيان وما ينطوي عليه من قهر وإذلال وبطش وهدر كرامات واستعباد إلى أن نضجت الشروط لإشعال شرارة الثورة. كيف يمكن للشعر أو غيره من أنواع الأدب أن يفرز ظاهرة مواكبة لحدث كبير بحجم ثورة.

ويضيف الشاعر: مثلما لأي حدث كبير تراكماته واختماراته، فإن للأدب تراكماته واختماراته. أدب السجون في سوريا لم يتشكَّل كظاهرة أدبية قبل بداية الألفية الثالثة، وهذا لا ينفي وجود استثناء هنا أو هناك، وكذلك سيكون شأن الأدب مع الثورة أيضاً. هناك ما ينبغي اختماره شعرياً وروائياً وقصصياً. أتحدث عن المشهد الأدبي المواكب كظاهرة لا كقصائد وقصص وروايات متفرقة.

أقول ذلك مع قناعتي أن جمهور الشعر يتراجع عالمياً أو يغدو نخبوياً أكثر فأكثر. في الأحداث الكبيرة التي ينخرط في صنعها ملايين البشر يصبح الخبر والصورة والأغنية والأفلام الوثائقية أكثر انتشاراً وتأثيراً، وربما ينتهي مفعولها أو عمرها بصورة سريعة أيضاً، على عكس ما يمكن أن تكون عليه الأعمال الأدبية والفنية المختمرة والناجزة.

إن كان يرى العالم قبيحا ربما، يعلق فرج بيرقدار أنه لا يدري ما مبرر هذا السؤال، قائلا: لقد كنت حتى في السجن أرى أن الحياة جميلة وتستحق أن تعاش. ولأن الحياة هكذا، فهي جديرة بالموت. قلت في أحد مقاطع قصائدي: ليس شهيقي إن لم يكن للدهشة/ ليس زفيري إن لم يكن للناي/ وليست حياتي إن لم تكن جديرة بالموت.

15